ورد الآن

مفاوضات تشكيل الحكومة: القِفل معروف وكذلك المفتاح … هكذا بكى البطريرك

«التوقّعات». كلمة «مفتاح» طبعتْ يوم أمس «عالمياً»، قبيل «قمة الأحلام» كروياً بين فرنسا وكرواتيا في نهائي مونديال روسيا 2018، وعشية قمّة بحث «كوابيس المنطقة» بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، وفي ملاقاة «انتفاضة الجنوب» في العراق.
ولم يَخْرج لبنان عن «المزاج» العالمي في رصْد مآل نهائي مونديال كرة القدم، وانعكاسات قمة هلسنكي على «كرة النار» المتدحْرجة في المنطقة، ومعاني «ثورة الجياع» في جنوب العراق والتي ترتكز على مطالب خدماتية ومعيشية في ظلّ أزمةٍ حكومية، وهي عناوين حاضرة بدورها في الواقع اللبناني وتحدياته وقد شكّلت محور تحرُّك احتجاجي شهدته ساحة «رياض الصلح» في وسط بيروت أمس ضدّ الأوضاع الاقتصادية والحياتية والفساد و«وحوش المال» لكلّ من الصيادين وحزب «سبعة» (المجتمع المدني).
وبدت بيروت أمس في ما يشبه «الاستراحة» من التوقعاتِ الصعبة لمآل ملف تشكيل الحكومة الجديدة الذي يراوح منذ 53 يوماً في دائرة تعقيداتٍ «القِفْلُ» فيها معروف وكذلك «المفتاح». فالعقدتان الرئيسيتان تتمثلان في رفْض «التيار الوطني الحر» (حزب الرئيس ميشال عون) حصْر التمثيل الدرزي في الحكومة بـ «الحزب التقدمي الاشتراكي» بزعامة وليد جنبلاط وكتلته البرلمانية، وأيضاً عدم التسليم بحصول حزب «القوات اللبنانية» على حصة وازنة من أربعة مقاعد وزارية، الى جانب مطالبته بأن يحصل «التيار» ورئيس الجمهورية على حصة من 11 وزيراً اي الثلث المعطل في حكومة ثلاثينية.
أما الحلول التي «لا ثالث لها»، والتي يفترض ان ترسو عليها المفاوضات بعد ان يكون الجميع قد أُنهكوا، فهي ان يكتفي «التيار الحر» بحصة مع رئيس الجمهورية من 10 وزراء، وان تنال «القوات» 4 مقاعد بحقيبتيْن أساسيتيْن بعدما كانت تطالب بخمسة وزراء مع حقيبة سيادية أو نيابة رئاسة الحكومة، وان يتمثّل جنبلاط إما بوزيريْن درزييْن وثالث مسيحي او بأن يكون الثالث درزياً مشترَكاً مع رئيس الجمهورية، لتتوزّع الحصص الباقية بين الرئيس المكلف سعد الحريري (خمسة وزراء سنّة ومسيحي بالتبادل مع الرئيس عون) والثنائي الشيعي «حزب الله» وحركة «أمل» (6 وزراء شيعية) ووزير مسيحي لتيار «المردة».
وهذه الحلول تنتظر بلوغ مرحلة «عض الأصابع» نهاياتها بعد ان يكون الجميع لعبوا على «حافة الهاوية» وبلغت فترة السماح مداها، وهي الفترة المحكومة عملياً بمعاينة خارجية دقيقة لمسار استيلاد حكومة يُراد لها ان تكون بتوازناتٍ لا تثير حساسية لدى المجتمعين العربي والدولي ولا سيما في ظلّ مؤشرات الى «موجات تَشدُّد» كبيرة حيال إيران وأدوارها في المنطقة وخصوصاً عبر «حزب الله». علماً ان لبنان لا يمكنه التفلّت من موجبات و«معايير» الإبقاء على المظلّة الدولية لواقعه واستقراره على المستويات كافة، وبينها الوضع الاقتصادي – المالي الذي يترقّب تشكيل الحكومة بأسرع وقت لبدء تنفيذ الإصلاحات التي تُمهِّد للاستفادة من القروض الميسّرة والمساعدات بأكثر من 11 مليار دولار التي أُقرت لـ «بلاد الأرز» في مؤتمر سيدر في باريس في أبريل الماضي.
وإذا كان اللقاء الذي يفترض عقده بين الرئيس الحريري ورئيس «التيار الحر» الوزير جبران باسيل سيشكّل محطة مفصلية في مسار التأليف، فإن معلومات تتحدّث عن ان الرئيس المكلف ورغم إمساكه بأكثر من ورقة تفاوضية سلّفه إياها كل من «القوات» و«التقدمي» لتسهيل مهمّته، إلا انه ليس في وارد تقديم أيّ تنازلاتٍ تطيح بالتركيبة المتوازنة التي يريدها شبيهة لحكومة التسوية (حكومة تصريف الأعمال الحالية) التي تم تشكيلها بعد انتخاب العماد عون رئيساً، اي على قاعدة «ائتلاف سياسي» بين الكتل الأكثر تمثيلاً وبما يتيح مشاركة «مُريحة» لجميع الأطراف.
وشكّل الملف الحكومي أحد جوانب خلوة الربع ساعة التي عُقدت مساء السبت بين البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ورئيس «القوات» الدكتور سمير جعجع على هامش مشاركة الأخير في القداس الإحتفالي بمناسبة عيد القديس شربل، في بقاعكفرا (بشري – الشمال)، وهو اللقاء الذي أتى في غمرة دخول الراعي على خط احتواء الخلاف الذي انفجر بين «القوات» و«التيار» ومحاول حصْره بالملف الحكومي وإبعاد أي تأثيرات له على المصالحة المسيحية، وسط مساعٍ لتأمين ظروف انعقاد اجتماع بين باسيل وجعجع.
وخلال ترؤسه قداس العيد في دير مار مارون عنايا (جبيل) أمس، أعلن الراعي «ان الخارج والداخل ينتظران تأليف الحكومة لأن في كل يوم تأخير تترتّب خسائر جسيمة في كل القطاعات وفي الاقتصاد وفي ثقة اللبنانيين بدولتهم»، مشدداً على «ان حصر التمثيل بالكتل مع إقصاء أفرقاء آخرين وأشخاص ذوي كفاءة من المجتمع المدني غير الحزبي لا يبرران التأخير في الحكومة على حساب الخير العام، بل يتعارض مع روحية الدستور ونصه»، ولافتاً الى «ان هذا التأخير يؤثر على المساعدات الدولية المقررة في سيدر من أجل الانماء الاقتصادي واصلاح البنى التحتية لا سيما في الماء والكهرباء».
ولم تمرّ عظة الراعي من دون لحظات مؤثرة ونادرة حين بكى البطريرك عندما وصل الى جملة: «عاش القديس شربل بعيداً عن وجه امه»، وتوقف لبرهة ليمسح دمعته ويلتقط أنفاسه، ويصفّق له الحاضرون تقديراً وتعاطُفاً هو الذي خسر شقيقته فرحة يوسف الراعي يوم السبت.

الراي

,
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com