ورد الآن
Home » لبنان, مميز » تكليف الحريري تشكيل حكومته الثالثة وتَفاهُم على تسريع ولادتها

شكّل تكليف زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري أمس تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان، بأكثرية مرموقة ناهزتْ 110 أصوات، إشارةً قوية إلى أن التسوية التي كانت أفضتْ الى إنهاء الفراغ الرئاسي في أكتوبر 2016 ما زالت «في الخدمة»، بما يوحي بأن القرار الكبير بالحفاظ على الاستقرار في البلاد يبقى سارياً رغم اشتداد «العصْف» في المنطقة ووضْع «حزب الله» في «عين» المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة ومعها دول الخليج وبين إيران.
وجاءتْ تسمية الحريري لمعاودة تشكيل الحكومة في لبنان، وذلك للمرّة الثانية على التوالي في عهد عون، بعد يومٍ ماراثوني من الاستشاراتِ النيابية المُلْزمة التي أجراها رئيس الجمهورية مع الكتل البرلمانية غداة اكتمال نصاب انطلاقة مجلس النواب الجديد (بانتخاب رئيسه ونائبه وهيئة المكتب)، على أن يُجري الرئيس المكلف يوم السبت استشارات التأليف تمهيداً لبدء مرحلة التفاوض الجدية حول الحصص والأحجام، تحت سقف تفاهُم ضمني على تسريع ولادة الحكومة بحلول عيد الفطر المبارك.
ولم يكن ممكناً مع تكليف الحريري أمس تشكيل ثالث حكوماته منذ دخوله المعترك السياسي العام 2005 بعد اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري (أولى حكومات الحريري الابن شكّلها العام 2009 وانتهت بإسقاطها في يناير 2011 على أيدي أطراف 8 آذار) تَفادي المقارنة بين مرتكزات تسميته في 2016 و2018، رغم أنه حقق في المرتين رقماً كاسحاً في التكليف (لم يسبقه اليه في «جمهورية الطائف» إلا الرئيس تمام سلام حين أوكل إليه تشكيل حكومة ربْط النزاع في ابريل 2014 بأكثرية 124 نائباً).
ففي 3 نوفمبر 2016 تمّت مقاربة عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة على انها حدَثٌ سياسي فتح الباب أمامَه قبولُ زعيم «المستقل» حينها بخوض «المخاطرة الكبرى» بانتخاب عون رئيساً بما جعل «المستقبل» يستعيد وزْنه ضمن تركيبة السلطة ويستردّ معه المشهدُ اللبناني «تَوازُنَه» بالمعنى الداخلي، كما الاقليمي، نظراً إلى الامتداد الذي يشكّله الحريري كحليف وثيق للسعودية. وجاءت هذه العودة «محميّة» محلّياً بتوازنٍ داخل البرلمان السابق كانت لقوى «14 آذار» الأكثرية فيه.
أما في 24 مايو 2018 فإن معاودة تكليف الحريري تأتي على وقع «الانقلاب الناعم» لـ «حزب الله» وحلفائه والذي شكّلت طلائعُه نتائج الانتخابات النيابية التي وُلد من رحمها البرلمان الجديد الذي انتقلت «دفة» التوازنات فيه لمصلحة 8 آذار التي تملك ثلثاً معطلاً صافياً من دون حليفها «التيار الوطني الحر» (حزب الرئيس عون) لتصبح في يدها الأكثرية الصريحة مع «التيار»، وهو المَشهد المعاكس تماماً لما كانت عليه الصورة إبان «تكليف 2016».
وشكّلت جلسة معاودة انتخاب زعيم حركة «أمل» نبيه بري رئيساً للبرلمان يوم الأربعاء وعودة نائبه ايلي الفرزلي الى الموقع الذي تولّاه على مدى 13 عاماً إبان فترة الوصاية السورية على لبنان اضافة الى استبعاد حزب «القوات اللبنانية» عن هيئة مكتب مجلس النواب بلعبة التحالفات والأوزان، مؤشراً قوياً على التوازنات السياسية التي ستحكم المرحلة المقبلة والتي ستنعكس بطبيعة الحال على مسار تشكيل الحكومة، رغم الانطباع بأنّ الضغوط الخارجية ولا سيما العقوبات على «حزب الله» وقيادته من شأنها أن توفّر نوعاً من «التوازن السلبي» الذي يؤمّن احتواء ما أمكن من تداعياتِ ما أفرزتْه الانتخابات الأخيرة التي أعادتْ التوازنات الى ما كانت عليه قبل «ثورة الأرز» العام 2005.
وفيما لم تحمل استشارات تكليف الحريري أمس أي مفاجآتٍ إذ سمّتْه غالبية الكتل البرلمانية (ومن ضمنها كتلة الرئيس نجيب ميقاتي) باستثناء «حزب الله» (13 نائباً) الذي امتنع أسوةً بما درَج عليه دائماً، إذ لم يسمّ مرةً لا الرئيس الشهيد رفيق الحريري ولا نجله لتشكيل الحكومة، فإن المعطيات تتقاطع عند وجود رغبة كبيرة في أن تكون رحلة تأليف الحكومة الجديدة قصيرة وحتى أقلّ مما تطلبّتْه ولادتها العام 2016 (احتاجتْ الى 45 يوماً)، وسط معلومات عن أن الخطوط العريضة لهذه الحكومة جاهزة (حكومة وحدة وطنية من 30 وزيراً) وأن الفترة المقبلة ستشهد محاولة التوفيق بين الأحجام والحصص و«تدوير زوايا» بعض المطالب، إضافة الى ترقّب ما اذا كانت ستبرز «أفخاخ» مثل سعي «حزب الله» مع حلفائه الخلص (بلا التيار الحر) من طوائف أخرى الى الحصول على «الثلث زائد واحد» الذي كان استُخدم العام 2011 للانقلاب على حكومة زعيم «المستقبل».
وما عزّز المناخ الذي يشي بإمكان النجاح في استيلاد الحكومة بوقت غير بعيد، عودة المياه الى مجاريها في العلاقة بين بري و«التيار الحر» وهو ما تجلى في مسار جلسة معاودة انتخاب زعيم «أمل» لرئاسة البرلمان ونيل الأخير نحو ثلثي أصوات تكتل «لبنان القوي» (كتلة التيار الحر وحلفائه) وتغطية بري إخراج «القوات» من هيئة مكتب المجلس لمصلحة التيار، الى جانب الاحتفاء «غير العادي» الذي أقامه عون في القصر الجمهوري للرئيس بري (بعد انتخابه) الذي فوجىء بحجم الحفاوة والتشريفات التي أقيمت له وصولاً إلى خرق رئيس الجمهورية البروتوكول باستقباله على مدخل مكتبه.
وإذا كانت «الصفحة الجديدة» بين بري و«التيار الحر» تؤشر إلى «حلّ ما في الجيْب» لحقيبة وزارة المال التي يتمسّك بها رئيس البرلمان وقد تكون على أن يحتفظ بها من دون تكريس عُرف تثبيتها من الحصة الشيعية، فإن جانباً لا يستهان به من التعقيدات يبقى ماثلاً وخصوصاً على جبهتين:
* الأولى حصة ونوعيّة الحقائب للعديد من الكتل وبينها «القوات اللبنانية» التي استشعرتْ باكراً بمحاولة لعزْلها، على وهج الخلاف المستحكم بينها وبين «التيار الحر» والذي يُخشى أن يُترجم بتحجيم حصتها وربما إحراجها لإخراجها ما لم تحصل تطورات تعيد إحياء «تفاهم معراب» بين الطرفين المسيحييْن والذي كان مهّد لانتخاب عون رئيساً. علماً ان القصر الجمهوري شهد أمس زيارة بارزة قام بها رئيس «القوات» الدكتور سمير جعجع، الذي استقبله عون، قبل أن يجتمع مع تكتل «الجمهورية القوية» (القوات).
* والثانية كيفية التوفيق بين قرار «حزب الله» بالدخول بقوة الى الحكومة وعلى الأرجح عبر 3 وزراء حزبيين (وليس 2) وبحقائب يريدها دسمة وبين «العين الحمراء» الخارجية الموضوعة عليه.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com