ورد الآن
Home » اراء, لبنان, مقالات, مميز » خطوة «الكتائب» .. ماذا تعني؟ ماذا تغير؟

الكتائب
لم تمر أيام على «القنبلة الأمنية» التي استهدفت «بنك لبنان والمهجر» حتى فجّر حزب الكتائب «قنبلة سياسية» بإعلان استقالة وزيريه من الحكومة، محولا الأنظار من جديد الى الأزمة السياسية المفتوحة. حول هذه الاستقالة، في ظروفها وملابساتها، أسبابها ونتائجها، نورد الملاحظات والاستنتاجات التالية:
1 ـ خروج حزب الكتائب من الحكومة مؤشر إضافي الى «الوضع الشاذ» لهذه الحكومة، وحالة النزف التي تعانيها، سواء على صعيد صورتها ومصداقيتها وهي التي توصف باعتراف رئيسها تمام سلام بأنها «حكومة سيئة وفاشلة»، أوعلى صعيد تركيبتها وتماسكها ما يجعل أن الحكومة تتفكك وتتناقص بالمفرق في حين أن سقوطها متعذر وممنوع «بالجملة».

2 ـ استقالة حزب الكتائب هي الثانية من نوعها بعد استقالة الوزير أشرف ريفي. والطرفان تحدثا اللغة السياسية ذاتها في «تبرير» هذه الاستقالة من حكومة «لا تشبههما» في شيء.

لكن «الاستقالة» في الحالين لا تغير في الواقع الحكومي شيئا ولا تقدم ولا تؤخر في حكومة هي عمليا في وضعية تصريف أعمال ومستمرة بقوة الأمر الواقع مادام أن الفراغ الرئاسي قائم ويتعذر تشكيل حكومة جديدة.

وهذه «الاستقالات» مثل الحكومة معلقة في الهواء، والوزراء المستقيلون لا يجدون مرجعية تقبل استقالاتهم وتعين بدلاء عنهم، وبإمكانهم الرجوع عن الاستقالة متى أرادوا وممارسة مهامهم وتصريف أعمال وزاراتهم، والشيء الوحيد الذي ينقطعون عنه هو حضور جلسات مجلس الوزراء، وبالتالي خروجهم من مركز القرار وعدم المشاركة في صنعه.

3 ـ خروج الكتائب من الحكومة له سبب مباشر يتعلق بالمعاملة التي يلقاها وزراء الحزب داخل الحكومة من رئيسها والقوى المتحكمة بقرارها، وما في هذه المعاملة من تهميش واستخفاف وعدم الأخذ بالاعتبار مواقف ومصالح الكتائب في ملفات أساسية (النفايات ـ أمن الدولة ـ التعيينات)، بحيث لم يعد لوزيري الحزب من دور فاعل ومؤثر وجعل أن وجودهما وعدمه سيان، ولكن ثمة سبب آخر غير مباشر يتصل بحسابات رئيس الحزب سامي الجميل للمرحلة المقبلة انطلاقا من التغييرات الحاصلة في الشارع وفي اتجاهات الرأي العام اللبناني وكشفتها حركة المجتمع المدني وتظاهراته وأكدتها الانتخابات البلدية من خلال تبيان حجم النقمة الشعبية والتصويت السلبي الاعتراضي، فاستقالة وزيري الكتائب جاءت مقرونة بهجوم على الحكومة وعلى الطبقة السياسية في آن، بما يشير الى أن الجميل الذي رغب في القفز من سفينة الحكومة قبل غرقها، يرغب أيضا في فك ارتباطه بالطبقة السياسية وتمييز نفسه عنها، لا بل الانتقال الى ضفة المعارضة والوقوف في صف المجتمع المدني وقطف ثمار هذه النقلة السياسية الشعبية في الانتخابات النيابية القريبة بعدما شجعت الانتخابات البلدية الناس على المحاسبة والوثوق أكثر بقدرتهم على التغيير.

4 ـ من المفارقات التي سجلت في هذه الاستقالة:

٭ أن الجميل تلقى اتصالات كثيرة لثنيه عن هذه الخطوة، والجهة الوحيدة التي لم تتصل به ولم تناشده مع أنها الجهة المعنية أكثر من غيرها بالاستقالة هي: رئيس الحكومة تمام سلام.

٭ أن التصويت الذي جرى في المكتب السياسي الكتائبي جاء راجحا بقوة لمصلحة قرار الخروج من الحكومة (27 ـ 3)، لكن الوزير سجعان قزي كان من بين الأصوات الثلاثة ولم يكن راضيا عن هذا القرار الذي اتخذ بعد ساعات من النقاش وتوزعت الآراء بين اتجاهين: الأول مع الانسحاب من الحكومة لعدم جدوى البقاء فيها وعدم إمكانية التأثير والتغيير من داخلها، ولانعدام إنتاجها ومردودها، والثاني مع التروي والتحمل لأن وضع البلد استثنائي ولا يحتمل.

٭ هذه الاستقالة أكدت بشكل واضح لا لبس فيه أن عدد وزراء الكتائب في الحكومة اثنان لا ثلاثة، وأن الوزير رمزي جريج الذي احتسب بداية من حصة الكتائب وهو لا ينتمي الى الحزب، هو «وديعة وزارية» لدى الكتائب أودعها تيار المستقبل، ومن الأنسب احتسابه حكوميا من حصة سلام ووزرائه (محمد المشنوق، رشيد درباس، ورمزي جريج).

5 ـ التغيير السياسي الطفيف الذي تحدثه مغادرة الكتائب هو في ميزان القوى الحكومي، وتحديدا في شقه المسيحي.

فمع وجود القوات اللبنانية خارج الحكومة منذ البداية، ومع وصول حزب الكتائب الى هذا الموقف بعد سنتين، يكون التيار الوطني الحر هو الذي يشكل التمثيل المسيحي الوازن في الحكومة، وهذا يقوي موقعه التفاوضي داخلها ويضع في يده ورقة التحكم بمصير الحكومة وإفقادها «ميثاقيتها» في حال قرر الخروج منها.

6 ـ أخيرا.. هذه الاستقالة، التي أراد منها رئيس الكتائب إحداث صدمة «إيجابية»، لا يعول عليها لإحداث مثل هذه الصدمة وليست كافية لإحداث تغيير أو اختراق في جدار الأزمة، وخصوصا في أزمة رئاسة الجمهورية وبأن تكون عاملا دافعا ومسرعا باتجاه انتخاب رئيس جديد بعدما استنفدت الحكومة قدرتها على البقاء والاستمرار.

الاستقالة نجحت في تسليط الأضواء الإعلامية والسياسية على حزب الكتائب ورئيسه، ولكن لا مفاعيل ولا نتائج عملية لها في وضع الحكومة ومسارها وفي ملف الرئاسة واتجاهاته، الاستقالة أقرب الى «قنبلة دخانية أو صوتية»، ومثل هذا النوع من القنابل مفعولها سريع ولا يخدم كثيرا وطويلا.

الانباء

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com