ورد الآن

دمشق تحاول استعادة حدائقها المدمَّرة.. من خلال الثقافة هذه المرة!

دمشق، التي كانت تملك حدائقَ تقدر مساحتها بحدود 3.2 مليون م2، خسرت ثلثها خلال الحرب، وفقدت أكثر من نصف العاملين فيها، والأكثر من ذلك أن الوظيفة الأساسية التقليدية لهذه المساحات تغيَّرت، فبعدما كانت متنفساً للسكان، أصبحت مراكز لأيواء الأسر الهاربة من الحرب، وأحياناً أماكن لممارسة الممنوعات.

الحرب قضت على البشر .. والحدائق أيضًا

حتى العام الفائت كان وضع الحدائق سيئاً بشكل عام في العاصمة السورية، ومنها الموجودة في الأماكن الآمنة، إذ لم تسلم من بعض قذائف الهاون أو من الإهمال الذي تدافع عنه الجهات الحكومية بتراجع الميزانية وارتفاع تكاليف الصيانة، وربما كانت حديقة السبكي القريبة من منطقة الشعلان (أحد أشهر أسواق دمشق) خير مثال على هذا التراجع، إذ قرَّرت المحافظة صيانتها وإعادة تأهيلها.

استغرق الأمر سنوات بقيت خلالها الحديقة مكاناً مهجوراً مليئاً بالأتربة والأنقاض، ووكراً لتعاطي المخدرات، أو حتى الأعمال المخلة بالآداب، ويقول أحد أصحاب المحلات هناك إن تلك السنوات كانت صعبة كثيراً، فمظهر الحديقة بحد ذاته كان مصدراً للكآبة في مدينة تعاني الأمرّين، كما أنها باتت مصدراً للغبار ومكاناً لتجمع الأوساخ، وحتى لجذب المجرمين والأشقياء.

الحدائق في سوريا تحولت لأماكن إيواء، لكن هذه الحديقة العامة في حي صلاح الدين في مدينة حلب تحولت إلى مقبرة

في نهاية عام 2016 عادت حديقة السبكي للأطفال، وطوت معها حكاية تأخير في التنفيذ استمرت لأكثر من خمس سنوات، كما بدأت حديقة تشرين “وهي الأضخم» في استعادة مكانتها في حياة السوريين، فاسترجعت حدثها الشهير “معرض الزهور الدولي»، وأرفقته بفعالية جديدة هي الأولى من نوعها، حملت اسم “الشام بتجمعنا» تضمَّنت عدة نشاطات، على رأسها شارع الأكل، وبعيداً عن الترفيه والتسلية قرَّر فريق آخر إعادة الحياة للحدائق، ومنحها دوراً ثقافياً.

مكتبة ضخمة وحديقة تبادلية

ففي أحد أجزاء حديقة صغيرة تقع في منطقة “القصور»، سيلفت نظرك على الفور انتشار اللون الأزرق، وحينما ستقترب ستجد أن هذه الزرقة هي عبارة عن مكتبة طويلة وكراسي وطاولات، مهمتها جميعاً لفت نظر المارة كي يدخلوا ويتبادلوا كتبهم.

الفكرة أطلقها فريق إيقاع الحياة، التابع لوزارة التربية السورية، والذي نجح خلال سنوات طويلة في تجميل عدد من المدارس، فأنتجوا لوحات جميلة دخلت إحداها في سجل غينيس كأول لوحة جدارية بيئية بحسب الفريق.

الفريق أحدث مؤخراً مكتبة ضخمة تضم أكثر من مئة ألف كتاب، وهي مخصصة للاستعارة الداخلية، استغرقت تهيئتها وأرشفة كتبها حوالي السنتين، وليوسّعوا مشروعهم الثقافي ويحولوا المنطقة لحي ثقافي قرروا إطلاق فكرة “الحديقة التبادلية»، بهدف تجشيع الناس على القراءة والنظر للحدائق بصورة مختلفة، بحسب ما أكد الفنان موفق مخول مدير الفريق.

السوريون يحتاجون الثقافة، ولهذا نجحت التجربة

ويشرح مخول بأنه يمكن لأي شخص أن يأتي لهذه الحديقة، ويضع كتاباً فيها، ويأخذ بدلاً منه كتاباً آخر، وبذلك لن تبقى الكتب حبيسة الرفوف، بل ستكون في حالة تبادل دائم.

ويفسر مخول في حديثه لعربي بوست، سبب الأصداء الكبيرة التي حقَّقتها التجربة عبر السوشيال ميديا وفي وسائل الإعلام، بأن السوريين بحاجة لحركة ثقافية، وتابع قائلاً: مجرد اهتمامهم بالأمر حتى لو كان حضورهم قليلاً فهو إنجاز، معتبراً أن نجاح أي مشروع ثقافي لا يقاس بالكم، إذ ليس من السهل أن يحضر الجميع إلى هذه الحديقة، ويدعموها على أرض الواقع، كما أنه ليس بالضرورة أن يتفاعل كل من دخل، إذ يكفي أن يمر ويتأثر بصرياً بالتجربة، وبمجرد دخول الناس إلى هذا المكان ورؤية الكتب سيمنحهم الأمر نوعاً من الحميمية، والإحساس بأن المشروع حضاري.

يشرح بأن المكتبة مفتوحة بشكل دائم من حوالي الشهر، وقد لفت انتباهه عدم تعرُّض الكتب للسرقة، رغم أن الموظفين يغادرونها بعد الساعة الثامنة مساء.

ورأى مخول أن هذا المشروع هو إحدى المحاولات لإعادة الثقافة إلى الواجهة، والذي من شأنه التشجيع على إطلاق مبادرات مبتكرة أخرى تكرّس هذه المناظر الحضارية التي تشجّعهم مستقبلاً على زيارتها، خاصة عند الأطفال، ويوضح بأنهم يخطون اليوم لتعميم التجربة، وإقامتها في حدائق ومناطق أخرى.

المقالة دمشق تحاول استعادة حدائقها المدمَّرة.. من خلال الثقافة هذه المرة! ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

,
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com