ورد الآن

قصة عجيبة لعائلة صدمت اليونانيين، سوريون لجأوا لليونان التي تعلموا لغتها قبل 130 عاماً، فأصبحوا حديث السكان

دخل أحمد إلى متجرٍ صغير في مدينة خانيا على الساحل الشمالي الغربي لجزيرة كريت اليونانية، وبدأ بتقديم نفسه. نظر إليه مالك المتجر مندهشاً، إذ إنَّه فهم ما يقوله أحمد، لكن بعض الكلمات التي يستخدمها كانت قديمةً وغير مألوفة، وكلمات أخرى لم يفهمها على الإطلاق. بدا الأمر كما لو أنَّ أحمد لم يصل لتوه من سوريا، بل من عصرٍ آخر.

تفاصيل القصة نقلها موقع الإذاعة البريطانية بي بي سي

يقول أحمد: “هو لم يصدق أنَّ هناك شخصاً اليوم لا يزال يتكلم اللغة القديمة”.

كان أحمد، البالغ من العمر 42 عاماً، يتحدث باللهجة الكريتية -نسبةً إلى جزيرة كريت- التي تعلمها من والديه أثناء نشأته في قريةٍ في شمالي سوريا في السبعينيات والثمانينيات. عاش والدا أحمد طوال حياتهم في سوريا، لكن أفراداً من الجيل السابق وُلِدوا في كريت، واحتفظوا بالثقافة الكريتية نتيجة العيش معاً في المنفى.

يقول أحمد: “لقد تعلَّمنا اللغة العربية في المدرسة، لكن كنا دائماً نتحدث اللغة اليونانية في المنزل”. تعلم الأطفال الرقصات اليونانية وقراءة قصائد كريتية قصيرة تُعرف باسم Mantiades. وتناقل الوالدان الوصفات الكريتية التقليدية، مثل القواقع المقلية، وكان التزاوج مع السكان السوريين أمراً نادراً. وياسمين زوجة أحمد هي أيضاً من عائلة كريتية.

رحيل على مضض

اُجبر والدا أحمد على مغادرة جزيرة كريت في تسعينيات القرن التاسع عشر، مع ضعف الإمبراطورية العثمانية. كانت الجزيرة جزءاً من الإمبراطورية على مدار قرنين من الزمان، وكان ربع السكان تقريباً، بما في ذلك أسلاف أحمد، قد تحوّلوا إلى الإسلام. لكن الانتفاضات في أواخر القرن التاسع عشر أسفرت عن طرد السكان المسلمين.

ذهب البعض إلى تركيا وليبيا ولبنان أو فلسطين، بينما سافرت عائلة أحمد إلى قرية الحميدية في سوريا، التي أنشأها السلطان العثماني عبدالحميد الثاني للاجئين.

وفي سنواتٍ لاحقة، ظلَّ عدد سكان القرية السورية البالغ عددهم عشرة آلاف على تواصل مع جزيرة كريت الحديثة من خلال مشاهدة التلفزيون اليوناني عبر الأقمار الصناعية، وفي بعض الأحيان كان يعود القرويون إلى الجزيرة للعمل.

يقول أحمد: “كان هناك دائماً جزء من كريت في قلوبنا”.

وأضاف: “جميعنا نعرف بالضبط من أي قرية جاءت كل أسرة. يحكي أجدادنا كم كانت كريت جميلة، وكيف كان لديهم هناك كل ما يحتاجون إليه”.

وتابع: “كنا دائماً نرغب في زيارة كريت، لكن لم تُتح الفرصة”.

الحرب أعادتهم إلى حيث جاؤوا

انطلقت الثورة في سوريا، ولم تترك الأحداث لهم خيارات كبيرة، كانت أخوات أحمد، أمينة وفاتن ولطيفة، وعائلاتهم هم أول من غادروا البلاد، كافح أحمد للعثور على عمل بعد أن عانى من انزلاقٍ غضروفي، وواجه صعوبةً في جمع المال للدفع للمهرّبين. لكنه في النهاية، اضطر للسفر مع زوجته ياسمين وأولادهما الأربعة (بلال 14 عاماً، وريم 12 عاماً، ومصطفى تسعة أعوام، وفاطمة أربعة أعوام) إلى اليونان في ربيع عام 2017.

استغرقت الرحلة ثلاثة أشهر، رحلةً محفوفة بالمخاطر من تركيا إلى جزيرة لسبوس اليونانية على زورق غرق تقريباً. وعندما حضرت العائلة أول مقابلة استماع لطلب اللجوء، وضع أحمد إصبعه عمداً بجانب لقبه الكريتاني المتميز “تارزالاكيس” عندما طُلب منه إظهار جواز سفره.

يقول أحمد: “صرخ المحقق لزملائه وقال: “انظروا، إنَّه كريتي. تعالوا وشاهدوا”، وبدأ الجميع بالتزاحم بدافع الفضول”.

على الرغم من أنَّ العديد من اليونانيين كانوا على دراية بوجود جيوب كريتية في الخارج، إلا أنَّهم ما زالوا مفتونين بلهجة عائلة تارزالاكيس المختلفة. صحيحٌ أنَّ لهجتهم إجمالاً كريتية، لكنَّ الكثير من المفردات التي تعلموها في سوريا لم تعد تستخدم في كريت أو في البر اليوناني الرئيسي.

ويقول أحمد: “مع قليلٍ من الصبر، يمكننا أن نفهم بعضنا البعض”.

وعلى الرغم من أنَّهم يتحدثون اللغة التي لم يتعلموها أبداً قراءةً أو كتابة، فهم ما زالوا بحاجة إلى المساعدة لملء استمارات طلب اللجوء.

مُنح أحمد وعائلته حق اللجوء، في أغسطس/آب 2017، بعد قضاء شهر على جزيرة لسبوس. صعدوا على الفور على متن قارب إلى جزيرة كريت، حيثُ كان في انتظارهم شقيقات أحمد واثنان من أبناء عمومه وأسرهم، الذين يعيشون بالفعل في مدينة خانيا.

غريب في المشفى

دخل أحمد المستشفى على الفور عند وصوله بسبب مشكلات ناجمة عن الصَّرْع المزمن. وطلب الطاقم الطبي -المندهش لسماع اللهجة القديمة التي يتحدث بها- مراسلاً من الصحيفة المحلية.

ويقول أحمد، الذي استقرَّت عائلته في شقة بالقرب من ميناء فينيسيا التاريخي في خانيا: “عندما غادرتُ المستشفى، كان كل شخص في البلدة يعرفني بالفعل”.

وأضاف: “يوقفني الناس في الشارع لطرح أسئلةٍ عن سوريا والحرب. إنَّهم ينظرون إلينا على أنَّنا كريتيون عائدون إلى الوطن”.

سافر أحمد إلى قرية أجداده الأصلية، قرية سكالاني، خارج العاصمة هيراكليون، وهناك كان يشعر بالقشعريرة في جميع أنحاء جسده أثناء سيره في شوارعها، محدقاً في الحانات المظللة والبيوت الحجرية الصغيرة. على الرغم من أنَّها كانت المرة الأولى التي يزور فيها القرية، كان يسمع عنها طوال حياته.

ويقول: “لم أتمكن من العثور على مكان منازل أجدادي بالضبط، لكن أظهر السكان المحليون لي الحقول التي كان يعمل عليها المجتمع المسلم”.

بحث على استحياء

يجب أن يتعامل أحمد وأشقاؤه بحذر عندما يبحثون في تاريخ عائلاتهم. إذ يقول مصطفى صهر أحمد: “لا أريد للناس الذين يعيشون هناك أن يعتقدوا أنني أحاول استعادة الأرض”.

تتعلم الأسرة القراءة والكتابة باللغة اليونانية الحديثة، ويُسجل الأطفال في المدرسة. ويقول أحمد: “نحن نتعلم عبارات جديدة، لكن سنظل محتفظين بلغتنا الأصلية القديمة لأنَّها جزء من هويتنا”.

على الرغم من أنَّ مدينة خانيا لم يكن بها مجتمع مسلم لأكثر من قرن من الزمان، تتغير الأمور الآن. بالإضافة إلى 25 من أفراد عائلة أحمد، استقر مئات من اللاجئين من الشرق الأوسط في المدينة خلال السنوات القليلة الماضية. ويُستخدم المسجد العثماني الذي أُغلِقَ منذ فترة طويلة على الواجهة البحرية كمعرضٍ فني، لذلك يصلي المسلمون في غرف مستأجرة.

ويبيع متجر عربي فُتح حديثاً سلعاً مستوردة، ويستمتع أحمد وعائلته بتناول مزيجٍ من الأطعمة المحلية والسورية، مثل السلطة اليونانية، وخبز البيتا، والحمص.

امتزاج الحضارات

حتى الآن، كريت ليست أرض اللبن والعسل على نفس النحو الذي وصفها به أجداد أحمد. وهو ممتن للمساعدة المالية من برنامج هوم الممول من الاتحاد الأوروبي، الذي تديره المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكنَّه يقول إنَّها ليست كافية لتربية أربعة أطفال. ويرغب رجال العائلة في بدء مشروع تجاري في أعمال البناء، وتتحدث النساء عن تصفيف الشعر في الأعراس، لكن كل ذلك يبقى هدفاً للمستقبل.

وعلى الرغم من تقدير أحمد لفرصة تجربة الحياة في وطن أجداده، إلا أنَّ الظروف التي قادته إلى هنا تجعل التجربة مريرةً.

ويقول: “عندما تضطر إلى مغادرة المكان الذي ولدت فيه، تفقد جزءاً من نفسك، إذا لم يكن الأسد في السلطة، وكان من الآمن لنا العودة إلى الحميدية، فإنَّني سأفعل ذلك. لكنِّي أرغب في الحفاظ على علاقة الصلة مع كريت وزيارتها بانتظام”.

المقالة قصة عجيبة لعائلة صدمت اليونانيين، سوريون لجأوا لليونان التي تعلموا لغتها قبل 130 عاماً، فأصبحوا حديث السكان ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com