ورد الآن
Home » العالم اليوم » تعاطي المخدرات بالحَقن يُدمر القلب، فهل تتحمل قلوبهم فرصة العلاج؟

ذكريات جيريكا وايتفيلد عن العدوى التي كادت تقتلها مشوَّشة، فيما عدا القليل منها. فهي تتذكر حديث أطفالها الصغار معها في سرير المستشفى، وزوج أمها وهو يلفُّ ذراعها المُرتخية حول طفلها، بينما تهمس هي لمُمرِّضةٍ مُرتابة: “أرجوكِ لا تدعيني أموت. أعِدكِ، لن أفعلها ثانيةً”.

كانت جيريكا، (28 عاماً)، قد أُصيبت بمرض التهاب الشغاف، حسب تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية، وهو عدوى تُصيب صمامات القلب تسبَّبت غبها البكتيريا التي دخلت إلى دمها حين حقنت نفسها بعقار الميثامفيتامين (الميث) في صباح أحد الأيام عام 2016. أنقذ الأطباء حياتها بإخضاعها لجراحة قلب مفتوح، ولكن قبل إجراء الجراحة، وجَّهوا لها تحذيراً: إذا واصلت التعاطي وأصيبت بالعدوى، فلن تُجرَى لها هذه العملية الجراحية ثانيةً.

ومع عودة ظهور عقار الميث وأزمة تعاطي الأفيون التي لا تُظهر أي علاماتٍ على الانحسار، تزايدَ عدد الأشخاص الذين يُصابون بالتهاب الشغاف جرَّاء تعاطي المخدرات بالحقن، وهو ما يحدث أحياناً بشكلٍ متكرر إذا استمروا في التعاطي. الكثير من الحالات غير مُؤمَّن عليها، ويحتاجون لرعايةٍ مُكلِّفة ومُكثَّفة وغالباً ما تستمر على مدى شهور. كل هذا جعل الأطباء يواجهون سؤالاً أخلاقياً مهماً.

هل هناك قلب لا يستحق الإصلاح؟

قال توماس بولارد، وهو جراح قلب مُتمرِّس في مدينة نوكسفيل بولاية تينيسي: “كان لدينا بعض المرضى الذين يُواصلون استخدام المخدرات بالفعل في أثناء وجودهم بالمستشفى. هذا أمرٌ أشبه بمحاولة إجراء عملية زراعة كبد لشخصٍ يشرب الفودكا على النقَّالة”.

استحوذت المشكلة على تفكير بولارد، الطبيب الهادئ من ولاية تكساس الذي حصل على شهادته الطبية في تينيسي عام 1996، فقط بعد أن اجتاح الأسواق عقار أوكسيكونتين المُسكِّن الذي أُسيء استخدامه بشدة. شهَدَ بولارد ازدياداً كبيراً في حالات التهاب شغاف القلب، وبالأخص بين متعاطي المخدرات من الشباب الفقراء، والذين يمكن عادةً إنقاذ قلوبهم، لكن تظل مشكلة الإدمان مستمرة، في نظامٍ طبي نادراً ما يتحمَّل مسؤولية معالجتها، حسب تقرير صحيفة The New York Times الأميركية.

وبعض الحالات ما زالت عالقة في ذكرياته وتلاحقه؛ فقبل أكثر من عامين تقريباً، استبدل بولارد صمام قلب لشابٍ يبلغ من العمر 25 عاماً كان يتعاطى المخدرات، فقط ليراه يعود ثانيةً بعد بضعة أشهر. والآن أصبح الصمامان، ومن ضمنهم الصمام الجديد، مُصابَين على نحوٍ خطير، وأظهر تحليل البول خاصته تعاطيه عقاقير محظورة. رفض بولارد إجراء العملية مرةً أخرى، وتُوفي المريض في إحدى دور الرعاية.

وصف بولارد الأمر، قائلاً: “كان هذا واحداً من أصعب الأمور التي اضطُررت إلى القيام بها”.

ما هي المخدرات بالحَقن التي تدمر القلب؟

تعد إساءة استعمال المخدرات وإدمانها مشكلة خطيرة للغاية يمكن أن تؤثر على الناس من جميع الأعمار، بدءاً من البالغين إلى الأطفال الذين يولدون لأمهات يستخدمن المخدرات بانتظام.

وتُسبب هذه النوعية من المخدرات مشاكل صحية هائلة، من ضمنها صعوبات في القلب؛ إذ يعتمد نوع مضاعفات القلب التي قد يعانيها الشخص على العقار نفسه، بالإضافة إلى عوامل أخرى. قد تشمل هذه المشاكل تدهور حالة القلب، وتغيُّراً في معدل ضربات القلب إما أبطأ وإما أسرع، وفشل القلب، أو حتى الموت.

ويشمل ذلك الأفيون والهيروين والكوكايين والروهيبنول والكاثيونات الاصطناعية و الميثامفيتامين، والأخير هو شكل من أشكال المنشطات ومثير للشهوة الجنسية التي ترتبط كيميائياً بالأدوية التي يستخدمها الأطباء لعلاج مشاكل مثل اضطراب نقص الانتباه والسمنة.

وعادة ما يتم استخدامه عن طريق البلع، أو الحقن، أو التدخين. ويرجع الاستخدام الترفيهي إلى مجموعة متنوعة من الآثار التي يقدمها العقار، منها: النشوة، وزيادة الرغبة الجنسية، ورفع مزاج الشخص، وزيادة التركيز، واليقظة، والطاقة الشخصية، والقدرة على التحمل. وتشمل الآثار الجانبية الضارة، على سبيل المثال لا الحصر، الوخز وفرط النشاط، أو ارتفاع ضغط الدم أو الإسهال، أو الإسهال أو الإمساك . كما يمكن أن يسبب الذهان، والتهيج، والاكتئاب، والأرق، وحتى الأفكار الانتحارية، إلى جانب مجموعة أخرى من الأضرار في الدماغ والأسنان والالتهابات.

ويسبب الميث أيضاً عدم انتظام ضربات القلب، ويلحق الضرر بعضلات القلب والأوعية الدموية عن طريق الالتهاب. ولا يقلل فقط من تدفق الدم إلى الأعضاء الحيوية والقلب نفسه، ولكنه أيضاً يسرِّع من معدل ضربات القلب في الجسم، مما يضع الضغط على القلب ويزيد من خطر الإصابة بقصور القلب أو السكتة الدماغية. في بعض الأحيان، يتم إنتاج الميتامفيتامين في “مختبرات الميث” باستخدام أدوية البرد والسعال.

في أميركا نِسب نجاة منخفضة لمتعاطي مخدرات الحَقن

مع تضاعف عدد الحالات في مختلف أنحاء البلاد، أصبح الأطباء الذين اعتادوا مواجهة التهاب الشغاف من حينٍ لآخر لدى المرضى الذين تعاطوا المخدرات عن طريق الحقن، في حاجةٍ ماسة للتوجيه. ووجدت دراسةٌ حديثة أنَّه في اثنين من مستشفيات بوسطن، نجا 7% فقط من مرضى التهاب الشغاف ممكن كانوا يتعاطون المخدرات بالحقن الوريدي على مدى 10 سنوات دون التعرض للإصابة بالمرض مرةً ثانية أو حدوث أي مُضاعفاتٍ أخرى، مقارنةً بنسبة 41% من المرضى ممكن كانوا لا يتعاطون المخدرات بالحَقن. تُعد هذه المستشفيات ضمن مجموعةٍ صغيرة متزايدة تحاول أن تتخذ إجراءاتٍ وقائية.

يستميل بولارد أنظمة المستشفيات في نوكسفيل لتوفير علاج للإدمان لمرضى التهاب الشغاف الراغبين، على أساسٍ تجريبي على الأقل، بعد إجراء الجراحة. وإذا وفَّرت المستشفيات هذا الأمر، وفقاً لبولارد، فسيتمكَّن الأطباء من إيجاد مُبرر لاستبعاد المرضى الذين رفضوا تلَّقي العلاج، وسيُصبح بإمكان المستشفيات توفير المزيد من الأموال، على المدى البعيد.

عادةً ما يتطلَّب علاج التهاب الشغاف ما يصل إلى 6 أسابيع من الحَقن الوريدي للمضادات الحيوية، وغالباً ما يحدث العلاج في المستشفى؛ لشعور الأطباء بالحذر حيال إرسال المرضى المدمنين إلى منازلهم مع وجود أنابيب الحَقن الوريدية؛ خوفاً من استخدامها لحقن العقاقير المحظورة. أضف إلى هذا أنَّ الكثيرين، مثل جيريكا، يحتاجون إلى الخضوع لجراحةٍ مُعقدة لإصلاح أو استبدال صمامات القلب التالفة، والتي قال عنها بولارد إنَّها تتطلَّب تكلفةً يمكن أن تصل إلى 150 ألف دولار من دون شك.

ومشورة المجموعات المُختصَّة، مثل الجمعية الأميركية لجراحة الصدر والكلية الأميركية لأبحاث الأمراض القلبية، حول متى يجب إجراء العمليات الجراحية، لا تزال أمراً مُبهماً. وعلى حد قول كارلو مارتنيز، وهو أحد شركاء الطبيب بولارد الذي أجرى جراحةً لجيريكا بالمركز الطبي الميثودي في مدينة أوك ريدج، فالأمر في الوقت الراهن “يعتمد فقط على الكثير من الروايات، يتحدث الجرَّاحون بعضهم إلى البعض، في محاولةٍ لتحديد متى ينبغي لنا إجراء تلك العمليات ومتى لا ينبغي لنا فعلها”.

مرضى أم مخطئون.. ماذا يجب أن يفعل الأطباء مع هذه الحالات؟

قال بولارد إنَّ ممارستهم، في مُنظمة الرعاية الصحية Covenant Health، ستشمل دائماً أي شخصٍ يُصاب للمرة الأولى بحالة التهاب الشغاف جرَّاء تعاطي المخدرات عبر الحَقن الوريدي، لكنَّ تكرار الإصابة بالمرض، حين يكون الضرر أكثر تأثيراً وصعوبةً في معالجته، يجعل القرار أكثر حزماً. ومن جانبه، قال الطبيب مارك براون، النائب الأول لرئيس مُنظمة Covenant وكبير الأطباء، لصحيفة The New York Times الأميركية: “يجري تقييم كل مريضِ بشكلٍ فردي، وتُحدَّد القرارات المُتعلِّقة بمسار الرعاية المناسب من قِبل الطبيب المُعالِج”.

ومن ناحيةٍ أخرى، في العامين التاليين لمرضها، شعرت جيريكا بالضعف البدني، وكانت معرضةً للإصابة أمراضٍ مختلفة. وتشعر الآن أيضاً بأنَّها تخضع لحكمٍ قاسٍ من نظامٍ طبي أنقذ حياتها، ولكنَّه، في غالب الأحيان، يُعاملها بارتيابٍ وازدراء.

وخلال الفترة الزمنية ذاتها، أُصيبَ الطبيب بولارد بخيبة أملٍ متزايدة مع المستشفيات التي تعتبر علاج الإدمان خارج نطاق اختصاصها، وتلاحقه باحتمالية موت العديد من مرضاه من مدمني المخدرات في سنٍ صغيرة، سواء خضعوا لجراحات القلب أم لا. أسَّس بولارد فريقاً خاصاً في عام 2016 للتصدِّي لهذه المشكلة، لكنَّه واجه صعوباتٍ، وبالأخص فيما يتعلَّق بالتكلفة المادية، وما يعتقده نفوراً اجتماعياً من إنفاق الأموال على الأشخاص مُتعاطي المخدرات.

ويقول: “يتعاطف الجميع مع الأطفال والرضَّع. لكنّ أحداً لا يرغب في مساعدة مُدمني المخدرات من الأشخاص البالغين؛ بسبب فكرة أنَّهم هم من ألحقوا هذا الضرر بأنفسهم”.

المقالة تعاطي المخدرات بالحَقن يُدمر القلب، فهل تتحمل قلوبهم فرصة العلاج؟ ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com