ورد الآن
Home » العالم اليوم » في تذكُّر يوم المعتقل الإريتري

دولة تمتلك كل المقومات الكفيلة بجعلها نموذجاً للدولة العصرية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فإريتريا -أو جارة البحر كما يحلو لأهلها- تتمتع بموقعٍ فريدٍ من نوعه؛ فهي قريبة من مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يعد أقصر طرق الملاحة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، مما يجعلها تشكل حلقة وصل بين القارات الكبرى الثلاث؛ آسيا وإفريقيا وأوروبا. وتمتلك في الوقت ذاته ميناءين من أهم موانئ القارة الإفريقية (مصوع وعصب)، وتتبع لها 126 جزيرة، أشهرها أرخبيل “دهلك” الذي يضم وحده (25) جزيرة من أجمل جزر البحر الأحمر.

ولكنّ إريتريا لم تنعم مطلقاً لا بهذا الموقع ولا بالموارد الاقتصادية الضخمة التي تمتلكها، فمنذ نشأتها كدولةٍ بحدودها المعروفة، لم تنعم بالاستقرار والسيادة على أراضيها. فقد استعمرها الإيطاليون 50 عاماً (1890-1942)، ثم انتقلت إدارتها للبريطانيين. وفي أواخر الخمسينيات، أدخلها الإمبراطور هيلا سيلاسي في اتحادٍ كونفدرالي مع إثيوبيا بدعمٍ من الأمم المتحدة.

في عام 1991م، ظنّ الشعب الإريتري أنه نال حريته عقب الاستقلال، لكنّ الصورة بدت أكثر من قاتمة بعد تقلّد أسياس أفورقي مقاليد الحكم، فقد شرع حزبه، “الجبهة الشعبية”، مباشرةً، في عمليات الاعتقال والإخفاء القسري والاغتيالات الممنهجة، فيقدر عدد المعتقلين في السجون الإريترية بعشرات الآلاف، كثير منهم ماتوا في المعتقلات جراء التعذيب والمعاملة غير الإنسانية وتم دفنهم في أماكن سرية، من دون إبلاغ ذويهم أو تسليم جثامينهم إلى ذويهم.

في إريتريا حكومة مؤقتة لإدارة البلاد، بلا أجل منذ عام 1991م، يترأسها أفورقي، لا توجد أحزاب ولا كيانات سياسية غير حزبه، ولا برلمان، ولا دستور ولا قانون، ولا وسائل إعلام، وفُتحت فيها أبواب السجون ليتم الزج بجميع المعارضين، وغير المعارضين، فقد تم إفراغ الوطن من نخبه السياسية والثقافية، وحتى زملاء الأمس ورفقاء الدرب من كوادر حزبه، تخلَّص منهم الديكتاتور، الواحد تلو الآخر، وأدخلهم المعتقلات، وتمت تصفية العديد منهم.

ظاهرة الاعتقال أو الإخفاء وُلدت مع استقلال إريتريا، وكانت إرهاصاً بطبيعة المستقبل الذي سيكتنف البلاد التي تحولت إلى سجنٍ كبير، ومنذ حملة الاعتقالات الجماعية الأولى في أبريل/نيسان 1992، استطاع النظام الحاكم أن ينشئ ما يشبه مجتمعاً موازياً خلف جدران معتقلاته.

وصلت الاعتقالات في إريتريا ذروتها عام 1994، الذي شهد اختفاء عشرات المعلمين الدينيين من مدنٍ عدة، أبرزها “قندع” و”مصوع”، وسط صمت طبقة المثقفين . كما شهدت إريتريا، في العام ذاته، حملة اعتقالات أخرى لناشطين من أقليات دينية مسيحية.

وخلف الجدران اختفى ـعلى سبيل المثال ـ “إبراهيم محمد جمع”، المعلم الذي اعتُقل عام 1992 وأُلحق به ابنه عبد الوهاب بعد عامين، في حين قضت أزمة قلبية على ابنته من هول صدمة ما حدث بأبيها وأخيها. وهناك اختفى عام 1995 “محمد عثمان داير”، الذي قارب 60 عاماً والمُثقَل بأمراضه، دون أثر. وهناك اختفى الصحفي “داويت إسحاق” منذ 2001؛ لأن قلمه لم يخضع لمعادلات الترغيب والترهيب. وهناك اختفت منذ 2003 “أستير يوهنس” زوجة المعتقل والقيادي السابق في الحزب الحاكم “بطرس سلمون”.

ونظام أفورقي لا يرقب إلّاً ولا ذمة في أحد، فقد اعتقل وزير الخارجية الأسبق، هيلي ولدي تنساني (درع)، الذي رحل في سجون النظام الإريتري قبل أسابيع قليلة، حيث كان معتقلاً منذ سبتمبر/أيلول 2001م، ضمن ما عُرف بمجموعة “الخمسة عشر الإصلاحية” التي ضمت وزراء وسفراء وعدداً من كبار المسؤولين، ولم يسمح النظام لأسرة الوزير بتسلُّم جثمانه، كما لم يتم إبلاغ عائلته خبر وفاته بصفة رسمية من قِبل أجهزة النظام، حيث تسرب خبر وفاته عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قِبل ناشطين معارضين للنظام.

كان ذنب هيلي ومجموعة حزب “الجبهة الشعبية” الإصلاحية، فقط أنهم طالبوا في مذكرة تصحيحية بالعودة الى المسار الديمقراطي، فتمّت مكافأتهم بالاعتقال والتعذيب حتى الموت، وامتدت دائرة الاعتقالات والإخفاء القسري لتشمل المثقفين والإعلاميين، بالإضافة إلى المعلمين وشيوخ تحفيظ القرآن.

وقد تزامن رحيل هيلي درع مع وفاة الشيخ موسى محمد نور، التي حدثت نهار الخميس الأول من مارس/آذار 2018، في زنزانته، حيث صمد فيها 4 أشهر، تعرّض فيها لشتّى أنواع التعذيب النفسي والجسدي، مثله مثل شقيقه طه وبقية السجناء السياسيين الذين تعج بهم معتقلات أسياس أفورقي.

نشير إلى أن الرجل، بالإضافة إلى كبر سنه (93 عاماً)، كان يعاني أمراض الشيخوخة مثل ارتفاع ضغط الدم واعتلال القلب.

وفي سجون أفورقي، اختفت كذلك، عام 2012، سهام علي عبده في ربيعها الـ15، لتكمل الآن 5 سنوات حبساً، وكل جنايتها أن والدها انشق عن النظام الحاكم. وقبلها بـ7 سنوات، اختفى إدريس محمد علي، قيثارة الثورة وأيقونتها، الذي طالما غنى لإريتريا المستقلة. وغيرهم كثر يُغيّبون فقط لوشايةٍ أو شكّ أو لمحاولتهم الهرب من الخدمة العسكرية التي تمتد سنواتها بلا نهاية في إريتريا.

حتى الأطفال لم يَسلموا من نظام “الجبهة الشعبية”؛ إذ أبلغت شيلا بي. كيثاروث، مقررة الأمم المتحدة الخاصة لحقوق الإنسان، المجلس التابع للأمم المتحدة في جنيف، أن السلطات في إريتريا ألقت القبض على مئات المعارضين في مارس/آذار بعد وفاة مدير مدرسة رفض أوامر حكومية وهو قيد الاحتجاز.

وأضافت أن معظم من أُلقي القبض عليهم من الذكور، وأن بعضهم من صغار السن البالغ عمرهم 13 عاماً.

يخصص النشطاء الإريتريون بأطيافهم كافة، يوم 14 أبريل/نيسان من كل عام، للتذكير بالمعتقلين الإريتريين. وللفت أنظار العالم إلى قضيتهم العادلة المنسيَّة وللتضامن مع المعتقلين وأُسرهم، وتأتي خصوصية هذا اليوم؛ لأنه شهد حملة اعتقالات واسعة، وتدشين عهد جديد من التنكيل بالشعب الإريتري، في أكثر من مدينة إريترية، في وقت كان الشعب الإريتري بقمة إحساسه بالنصر والمساعي الحثيثة لتضميد جراحات النضال ومرارة 3 عقود من الإنهاك.

بحسب تقارير منظمة العفو الدولية، فإن السلطات الإريترية تستهدف المتدينين من المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء، المسلمون تلاحقهم بتهم الإرهاب والانتماء إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة. أما المسيحيون المتدينون المستهدفون بالاعتقال، فهم عادةً من طوائف مسيحية تحرِّم على أتباعها العمل السياسي وحمل السلاح والانخراط في الجيوش، بالإضافة إلى كل ناشط مسيحي ينتقد حزب الجبهة الشعبية وسياساته.

تُقدِّر الأمم المتحدة عدد المعتقلين في إريتريا بنحو 10000شخص، ويقول غيرها 15000، ويعتقد آخرون أن العدد أكبر بكثير من هذا، في ظل التكتم الشديد والإنكار ومنع دخول المنظمات الدولية ومنع أبسط الحقوق حتى زيارة الأهل والأقارب للاطمئنان على ذويهم.

في تقديري، المشكلة ليست عدد المعتقلين، فتغييب أي مجموعة وراء الجدران المعزولة ومنع الزيارة عنهم وتعريضهم للعذاب والانتهاكات، يعني دموع الأمهات وقلق الآباء والزوجات والإخوان، فالمعتقل ليس كائناً “مقطوعاً من شجرة”، إنه ابن أسرةٍ ما، ومع إدخاله السجن تدخل العائلة كلها معه عالم القلق والانتظار المرير. تخيّلوا معي كيف يكون قلب أُمٍ لا تدري أحيٌّ ابنها أم ميت منذ ما يزيد على 27 عاماً؟!

المقالة في تذكُّر يوم المعتقل الإريتري ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com