Home » العالم اليوم » دمشق خلال (العدوان الثلاثي)

كان نظام الأسد وبشكل خاص في دمشق، مشغولاً جداً، خلال الأسبوع الذي تلى “تغريدة” ترمب العسكرية. المطارات تُفرَّغ من الطائرات، وتنقل في أغلبها إلى القاعدة العسكرية الروسية في مطار حميميم. معدات الفرقة الرابعة (الحرس الجمهوري) التي يقودها ماهر الأسد، شقيق رأس النظام أيضاً، كانت تنقل إلى أماكن يستبعد قصفها وتُمَوّه، وهذا أمر طبيعي إثر التهديد شديد اللهجة الذي صدر عن زعيم أقوى دولة في العالم. لكن ما هو غير طبيعي، والذي يستعصي على التصديق، هو المعلومة المتداولة بين المواطنين في دمشق. تفيد المعلومة أنه تم نقل المواد الكيماوية المحفوظة في مركز البحوث العلمية، الواقع قرب بلدة “برزة” إلى المدينة الجامعية (مقر سكن الطلبة الجامعيين)! الأمر الذي يعتبره الموالون دهاء وذكاء من نظام الأسد.

لكل من لا يعرف طبيعة نظام الأسد من داخله، قد تبدو هذه معلومة من نسج خيالٍ كيديٍّ بالغ اللؤم، وسوف يكون هذا مفهوماً في حدود التفكير البشري الطبيعي، وفي حدود فكرة أي إنسان غير سوري عن الحكومة (أي حكومة كمفهوم)، سيكون مفهوماً أن تبدو معلومة كهذه وكأنها من قبيل الدسّ الإعلامي المعادي، الذي يهدف عادة لشيطنة العدو. فقول كهذا هو من قبيل ما لا يمكن لأي عقل أن يقبله.

في سوريا الأمر يختلف. السوريون (بمن فيهم الموالون) الذين خبروا نظامهم وعرفوه على مدى عقود، وانفضح أمامهم أكثر خلال السنوات السبع الأخيرة، سوف يصدقون أنه يفعلها، بل ويفعل ما هو أدهى، وهو النظام الذي لطالما فعل ما لا يُصدَّق، وتلك كانت أهم براعاته.

أسلحة كيماوية تخبَّأ بين المدنيين! وهي المواد التي يفترض أنها غير موجودة أساساً بعد اتفاق نزع أسلحة النظام الكيميائية عام 2013، الذي جاء إثر مجزرة الكيماوي الشهيرة التي ارتكبتها قوات الأسد في غوطة دمشق. نعم، رغم أن أي سوري حتى لوكان موالياً، لم يصدق أن النظام قد سلَّم كامل ترسانته الكيماوية، لكن العالم أراد، لسبب ما، أن يصدق فصدَّق.

السوريون الذين كانوا يتوقعون الضربة الغربية، وخاصة في دمشق بدوا غير خائفين، والمتداول بينهم خلال انتظارهم، أن تلك الضربة ستكون ضد أهداف عسكرية محددة، وليس هناك مِن خوف على السكان المدنيين. وحدهم إعلاميو المقاومة والممانعة في سوريا ولبنان وفلسطين وتونس من كانوا يجأرون بأنه عدوان على الشعب السوري، متناسين أن الأسد وشركاءه هم من قتلوا مئات الآلاف من السوريين بكل أنواع الأسلحة الذكية والغبية، بل وبالغة الغباء والإجرام كالبراميل المتفجرة.

بعد مضي 48 ساعة على إنذار ترمب الناري دون حدوث شيء، بدأ السوريون يكتشفون أن هناك ما يحاك تحت الطاولة لإنقاذ النظام هذه المرة أيضاً. لطالما امتلك السوريون قناعة راسخة بأن نظام الأسد محمي دولياً، ففي أسوأ أيام ومآزق نظام الأسد (الأب والابن) كانت هناك دوماً، تلك البحصة الدولية التي تسند جرَّته. نعم، كل جرائمه الشهيرة مرّت دون عقاب، منذ مجازر حماة وتدمر، ومن ثم ارتكاباته في لبنان، عندما قام بقتل كمال جنبلاط وبشير الجميل وحديثاً رفيق الحريري وآخرين كثُر بعده. هذا التاريخ الحافل بالجرائم لنظام الأسدين الأب والابن دون أي عقاب حقيقي، رسَّخ لدى السوريين القناعة بأنهم مبتَلون بنظامٍ فوق القوانين الدولية، مثله كمثل إسرائيل، بل وربما أكثر.

ولذا علموا أن التلكؤ الذي أظهره التراجع في شدِّة التصريحات الغربية، كان بسبب تلك البحصة السرية التي تسند النظام. وهكذا جاءت الضربة بالحدود التي لا يمكن لها أن تهزّ النظام، إن لم يحدث العكس فتقوّيه.

المواطن السوري الذي يتعرَّض للقتل والعدوان منذ سبع سنوات، لن تزيده تكديراً هذه الضربة التي لن تطال المدنيين كما هو مقتنع، وكما حصل فعلاً، أما السوري الأسدي ومن في حكمه من العرب الممانعين فهذه الضربة هي فقط ما يمكن وصفه بأنه العدوان على سوريا، أما كل الموت السوري السابق وتدمير المدن فوق سكانها، فقد كان مجرد مكافحة للإرهاب يقودها زعيمهم المحبوب بشار الأسد.

الخشية على طائرات الأسد التي روّعت السوريين، والخشية تالياً على الفاطميين والزينبيين والكاظميين وعلى أبطال المقاومة في حزب الله، الذين يحاربون إلى جانب قوات الأسد (دواعش اليسار العربي الممانع)، كانت إضافة للخوف على مصير الأسد شخصياً الشغل الشاغل الذي كدَّر اليساريين والقوميين والمقاومين العرب، المنحازين للمحور البوتيني الروسي (هم ما زالوا يعتقدونه سوفييتياً حتى اليوم). وخلال ذلك ربما يكدرهم أيضاً أنه لم تقع أي ضحية بين المدنيين (حسب إعلام دمشق وموسكو)، ما سيحرمهم من الحديث المحبب لديهم عن جرائم حرب ضد المدنيين ترتكبها الإمبريالية، هؤلاء ذاتهم لم يروا أن الأسد كان يرتكبها يومياً طوال سبع سنوات.

ارتاح الممانعون الآن، فقد تأكدوا أن الضربة لن تتعدى أكثر من تدمير بعض المنشآت، ولن تذهب أبعد باتجاه العمل على إسقاط رمز مقاومتهم بشار الأسد. وأن الأمر برمته لم يكن سوى رسالة للطرف الروسي بشكل أساسي، رسالة تم إيداعها في صندوق البريد السوري المفتوح على الموت. سنرى خلال الأيام التالية أن هؤلاء سيكونون أهم المنتصرين في حربهم الكلامية، التي ما زالوا يخوضونها يومياً برعاية اليسار في الحرس الثوري الإيراني.

بالنسبة للسوريين الذين دُمرت بيوتهم وهجروا وقتل أبناؤهم وهم يهتفون للحرية أو ماتوا تحت التعذيب، فما لم تفتح هذه الضربة أفقاً لحل سياسي في سوريا، ينتهي برحيل نظام الأسد وإقامة هيئة حكم انتقالي تعبر بالسوريين نحو أفق جديد، وتفتح صيرورةً تقطع مع الماضي القاتم الذي عاشوه لنصف قرن تحت حكم الأسدين. ما لم يحدث هذا فإن السوريين سيبقون في مراوحتهم داخل مقتلتهم المتمادية.

باستثناء أن صافرات الإنذار قد أطلقت في دمشق، فإن هذه الضربة لا تشبه في شيء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. لكن إعلام الأسد يفضل مثل هذه الإحالات التي تنقله من مرتبة المجرم إلى مرتبة الوطني الذي يقاوم العدوان، فيبدو أمام مواليه نظاماً وطنياً يتعرَّض لعدوان خارجي بسبب مواقفه المبدئية، مع استبعاد إعلامي مفهوم لقصفه السوريين بالسلاح الكيماوي وجميع جرائمه التي ارتكبها وأودت بحياة مئات آلاف السوريين تحت صواريخه وبراميله، وبشكل خاص ومأساوي تحت التعذيب. لم تظهر من صور هؤلاء سوى أحد عشر ألفاً في معرض “سيزر”، وهؤلاء، يا للأسى، يشكلون رأس جبل الجليد فقط.

المقالة دمشق خلال (العدوان الثلاثي) ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com