ورد الآن

الأمومة بعيداً عن “أفورة” الإعلانات

“حضرِتك حامل؟ ألف ألف مبروك! ربنا يتمّم حملك على خير. وحضرِتك على وش ولادة؟ ياااه! 100 ألف مبروك أمنياتنا السعيدة بولادة سهلة. وحضرِتك أُم جديدة؟ يااااه! تُلْتُميت مليون مبروووووك، تتهنّي بيه في حضنك وتفرحي بيه”.

وبعد التهاني والأماني السعيدة، أحب أنّ أقدم لك عزيزتي الأم خلاصة التجربة المجيدة، فإذا كنتِ في لهفة على أن تتحول حياتك إلى صورة مصغرة من حياة تلك الأم الواثقة في نفسها التي تحمل طفلها، وتبتسم له بسعادة في إعلانات الحفاضّات فهذا لن يحدث، وإذا تخليتِ عن آمالك بخصوص هذا الإعلان، وقررتِ أن تضعي أملك في الإعلان الآخر الذي تقضي فيه الأم وقتها مع رضيعها في لهو ومرح خلال شرب الحليب المدعم بكل العناصر الغذائية، فأحب أقول لحضرتك: إن هذا أيضاً لن يتحقق، وذلك على نفس طريقة فيلم “أفريكانو” عندما قالت منى زكي: “إذا كنت جاي عشان الوِرث فالورث راح، وإذا كنت جاي عشان عمّك فعمّك كمان راح”.

والسبب ليس أنني شخصية متشائمة -لا سمح الله- فقد كنت مثلك لفترة قريبة، ولكن السبب أن ما يظهر في تلك الإعلانات هو نوع من “الأفورة” ليس له علاقة بالواقع من قريب أو بعيد.

فالكثير من صدمات الحمل وما بعد الولادة، ما يعرف علمياً باسم اكتئاب ما بعد الولادة، أحد أسبابه هو تلك الصورة الوردية التي يصدرها لنا الإعلام طوال الوقت عن حياة الأمومة، والتي يملأها الحب والمرح واللهو والسعادة فقط، ويغلب عليها صورة الأم التي تداعب صغيرها بحنان بالغ فترتسم على وجهه ابتسامة تخطف قلوبنا جميعاً.

فالغرض الأول والأساسي من تلك الإعلانات هو الترويج للمنتجات والعلامات التجارية فقط، وبالطبع ستحاول اللعب على وتر المشاعر والأحاسيس التي يمتلئ بها قلب كل أم، حتى لو لم تكن تزوجت، ففي قلب كل امرأة مشروع أم، سواء أنجبت أم لا.

لا أحاول أن أبث القلق من عملية الحمل والولادة، أو أسعى إلى التنفير منهما، وهي عملية في حد ذاتها معجزة ربانية مليئة بكل معاني الحياة، ولكن بعد عام وشهرين (هو عمر طفلي الصغير) أدركت أن آمالي بأن يحادثني طفلي الصغير أو يضحك في وجهي أو أن نلعب معاً، أو حتى ينادي عليَّ بكلمة “ماما”، كما يظهر في تلك الإعلانات، هي عملية لا تتم بشكل آلي، بل يسبقها الكثير من المجهود الشاق والتعب النفسي والبدني الذي يجب الاستعداد له، كما أخبرتني إحدى صديقاتي مؤخراً خلال حديثنا عن تعب الحمل والولادة:

“قبل الولادة مباشرة أعددت كل شيء، بداية من غرفة الطفل وشراء احتياجاته وملابسه وملابسي، ومستلزمات السبوع والطعام الذي أحتاجه، ولكن بعد الولادة اكتشفت أنني نسيت أهم شيء، هو أن أعدّ نفسي أنا للولادة وما بعدها؛ لذلك أصابني اكتئاب الحمل والولادة”.

وأستطيع هنا أن أذكر لك مئات الفيديوهات التي رأيتها حول كيفية تصوير “فوتوسيشن” لطفل رضيع، أو إعلانات الأطفال التي نراها ونحن نتنهد من شدة انبهارنا بها، ولكن كواليسها لا تكون بنفس حلاوتها، فالمصور أو المخرج قد يقضي يومًا كاملاً أو يومان للحصول على إعلان لا يتعدَّى وقته دقيقة، وأحياناً 45 ثانية يظهر فيها الطفل في لقطة أو لقطتين فقط وهو يبتسم، وفي تصوير “الفوتوسيشن” للأطفال ينتظر حتى ينام الطفل، وإلا سيملأ الرضيع الاستوديو بالكثير من البكاء أو الحركات البهلوانية غير المفهومة، وأحيانًا بالتبول، كما رأيت في أحد تلك الفيديوهات.

وهناك بعض الخطوات -غابت عني شخصياً- على المرأة اتخاذها قبل تفكيرها في الحمل أو الولادة؛ لتصبح على دراية بكل ما ينتظرها ولا تقع في فخ الاكتئاب أو الصدمة النفسية، فإذا قال أحدهم أو إحداهن: إن عملية الحمل والولادة كانت تتم قديماً “بلا كل تلك المقدمات الفارغة ولا كل تلك الفلسفة ووجع الدماغ”، كما سمعت من إحدى أمهاتنا، فالرد جاهز بأن حياة أمهاتنا لم تكن معقدة ومليئة بكل تلك الضغوط التي نعيشها، كما أن الأب غالباً كان إما موظفاً أو صاحب عمل حر، فيتوفر له بعض الوقت ليساعد زوجته، أو كانت المرأة تسكن بجانب عائلتها أو عائلة زوجها، فيتوفر لها الدعم النفسي والجسدي، وكانت الأسر تعيش بنظام الامتداد، فالفتاة ترى وتُسهم في تربية أطفال العائلة، فيتوفر لها قدر من الخبرة، أما الآن فبسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية تغير كل شيء، وصار هناك حاجة للاستعداد لتلك المرحلة من حياة الأم.

– أولاً: على المرأة القراءة الكثيرة والمتعمقة عن تلك المرحلة، سواء طبياً أو نفسياً، فخلال الحمل عليها الاهتمام بأنواع الطعام المفيدة لها ولجنينها، الأدوية التي تتناولها، شكل الرياضة المناسبة لها، وأنواع الفيتامينات التي بحاجة إليها.

ثانياً: مع اقتراب الولادة عليها البدء في التركيز على كيفية تلافي اكتئاب الحمل والولادة، والمشكلات الطبية المتعلقة بعملية الولادة، وكيفية التعافي من آثار عملية الولادة نفسها، والاستعداد لأول ثلاثة أشهر مع طفلها الرضيع (أكثر فترة تتعب فيها الأم نفسياً وبدنياً)، وأحياناً يصل الأمر لـ6 أشهر، والتواصل مع أقاربها أو أصدقائها ممن مررن بتجربة حمل أو ولادة مؤخراً للاستفادة من خبراتهن، والتعرف على تجربتهن، وعليكِ البعد -سيدتي- عن أصحاب مقولة: “انتي لسّة شُوفتي حاجة؟!”.

– وأخيرًا.. البدء في القراءة عن تطور نمو الطفل والتواصل معه وتطوير حواسه، وأنواع الطعام التي يجب أن يتناولها، والأدوية والفيتامينات الموصى بها للطفل في كل مرحلة.

وهناك ثلاث دورات تدريبية عن الحمل والولادة متاحة مجاناً لأي شخص، أرشحها لأي امرأة مقبلة على الحمل والولادة، لمساعدتها في تلك المرحلة.

1- صحة الحامل والطفل.

2- الصحة النفسية للطفل.

3- أسس التربية السليمة.

بالإضافة إلى مجتمع لدعم للمرأة في حالة الحمل والولادة على الفيسبوك باسم “ركن مريمية للدعم الإيجابي في الأمومة الطبيعية”.

وفي النهاية.. تذكّري عزيزتي أن الحمل والولادة تجربة شخصية في الأساس، فاسعَي لأن تستمتعي بها قدر الإمكان، وتضيفي عليها لمساتك الخاصة بعيداً عن أي “أفورة” إعلانات أو وسيلة إعلامية، أو حتى تجارب شخصية من المحيطين بك.

نون

المقالة الأمومة بعيداً عن “أفورة” الإعلانات ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com