ورد الآن

كيف أصبح للأغنية اللبنانية هوية؟ البداية في الأربعينات

يُدخلك محمود الزيباوي منذ عتبة باب منزله إلى عالمه، وهو عبارة عن جوّ فني وآثار وأيقونات: من المكتبة الموسيقية، إلى اللوحات التي يرسمها، والأثاث المختار وفق إيقاع وذوق فنيّ خاص إلى مكتبته.

تنسى أن اسمه محمود، إشارة إلى الدين الإسلامي على كثرة الأيقونات المسيحية المنتشرة في المنزل، فتكاد تسأله بعد موعد ضربته: “ذكّرني، ما اسمك؟”.

محمود، باحث جامعي لديه 8 كتب في الفن المسيحي، وكتاب عن “نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانية” بمنهجية متقدمة، إنتاج جمعية عِرب ودار نمر للفن والثقافة، بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون – آفاق، شاركه الكتابة أسعد مخول.

لا يمكن أن تبدأ الحوار مع ذواقة الفن إلا وتشعر بشخصيته الفنية الطاغية، يحب الغناء، لم يكن يكتب فيه في بداياته، بل هو متخصص بالفن المسيحي، وبعد ذلك تعمق بهذا العالم.

كيف صار بالفن؟ تأتي ردة فعله عفوية “كل عمري بالغناء وبحب الغناء العربي”، مشيراً إلى مكتبته الموسيقية، وكأن السؤال استفز كل تاريخيه الثقافي، فيحدد أنه لا يهوى فقط الغناء العربي، بل الفرنسي والإيطالي واليوناني، يثبت المعلومة هذه بتحديده عدداً من الملحنين كمحمد عبد الوهاب، الأخوان الرحباني.

هكذا تبدأ قصة سرده لبحثه الذي خلص بكتابه حول نجمات الغناء التي بدأت من باب البحث على بدايات الأخوان الرحباني؛ إذ اكتشف يومها أن هناك عالماً غنائياً مجهولاً، وهو غناء اللبناني في حقبة الـ40، أي ما قبل منتصف الخمسينات، ناقلاً الانطباعات العامة “توجد أسماء نعرفها، واكتشفت أننا لا نعرف عنها شيئاً أو ما نعرفه عنها غير صحيح، ومتداول بشكل خاطئ، فمثلا إذا وضعت اسم نازك على محرّك البحث جوجل يظهر لنا كنتيجة أنها تدروشت وتركت الغناء، وهذا غير صحيح، وكمّ من المعلومات تحتاج إلى تدقيق”، يعيد تصويب الفكرة ملقياً المسؤولية على عاتق الفنان نفسه، الذي يثير اللغط متمثلاً بوداد التي حكت كثيراً بآخر سنوات عمرها، ولكن الذي تكلمت به يحتاج إلى تصويب، كما نهوند الذي أعاد إحياءها الفتريادس، وتبين في التدقيق أن الحقيقة في مكان آخر.

بدأت فكرة الكتاب هذا عبر “ملحق النهار”، عندما كتب مقالة بهذا الموضوع منذ 7 سنوات، وهكذا بدأت مهمة التوثيق و”كل ما أوقع على مجلة إذاعية، اللي هني أصعب شي تلاقيهن، لاقي معلومات”، هذا “النبش” المستمر، كما يسميه، خلق أرشيف ومواد أولية لكتاب، ففي الإذاعة اللبنانية، التي أنشئت عام 1939؛ حيث كانت النجمات تغني مباشرةً لم يكن من “بكر” في تلك المرحلة، مما يعني أن التوثيق غائب كما التأريخ.

هكذا اتكل في عملية التوثيق على أرشيف المجلات التي كانت تعرض توقيت غناء هذه النجمات، محمود لم يزُر أماكن ولم يقُم بمقابلات صحفية مع أي طرف، بل كل اتكاله على المجلات بين لبنان وسوريا؛ لأن هذه النجمات عملن بين لبنان وسوريا عملوا بين لبنان وسوريا الفنانين، لمَ لم يحاورهن؟ يعيد السبب إلى أن معظم أقوالهم خاطئة “حتى عبد الوهاب يلخبط”، فبالنسبة له الذاكرة تخون إضافة إلى أنها انتقائية.

فلن تقول الفنانة كل شيء لا بل عكس ذلك ستقول ما يناسبها ضارباً المثل بوداد التي تنسب إلى فريد الأطرش وعبد الوهاب إعجاباً بها كاد يصل إلى الخطوبة؛ ليتضح في البحث أن كل هذا خاطئ؛ لذا يجب التحقق من المعلومات.

خلاصة التحقيقات سؤال: “لم هذا الفن توقف؟”، علماً أن جميع الفنانات عدا صباح كانت مسيرتهم الفنية متقاطعة، أي بدأت مسيرتهم عبر الإذاعة اللبنانية؛ حيث كان يوجد امتحان للقبول وأغنياتهم لا تسجل وهذا إن عنى شيئاً فإن الإذاعة أكبر محترف فني، ولا تبث أسطوانات؛ إذ تلك ملك الشركة فإذا بثتها الإذاعة، يجب أن تشتري حق كل الأسطوانة التي يكتب عليها “يمنع إذاعة هذه الأسطوانة في الإذاعة”.

ضم هذا المحترف مغنيات وملحنين وشعراء، وكل منهم موظف في الإذاعة يجب أن يغطي الثلث ساعة شهرياً، فكان الإنتاج بعد عشر سنوات هائلاً يقول، لكن هذه الكمية فقدت لأن الإذاعة ما عادت تقوم بهذا الدور، وحلت محلها الأسطوانات، وهي تجارية، فالمنتج يختار ما يناسبه، وإذا لم تنجح هذه المطربة، فالأسطوانات هذه لا يعاد نسخها، فتوقف “نوع من الفن ليس الطرب”؛ إذ كل الأنواع حضرت؛ لهذا سمينا الكتاب “الأربعينات اللبنانية”، ولم نسمّه “نجمات لبنانيات”؛ إذ ليست كل الفنانات وُلدن في حدود لبنان الكبير، “وهيك بتطلع نور الهدى تركية، وذكية حمدان حلبية، علما أن الموضوع لبنان؛ لأن كلن عاشوا بلبنان وعملوا بالإذاعة اللبنانية”.

هل هو باحث بما يفعله عن الأغنية اللبنانية؟ حكم مقتبس من آل سحاب أن “الغناء العربي هو الغناء المصري واللبناني؛ لان كل العرب بيسمعوا النوعين، ولكن ليس كل العرب بيسمعوا غناء عراقي وغناء مغربي وغناء يمني. هيداك غناء محلي هذا النوع محلي وعربي”.

يخبر عن مرحلة الـ40 التي حملت همَّ بناء هوية لبنانية في الغناء التي أنتجت “غنية لبنانية” محكية بطريقة لحن، فظهرت “الأغنية اللبنانية الـ”لايت” مثل برهوم حاكينا، وهناك طابع بدوي آخر”، ويردف مشيراً إلى 3 ملحنين طبعوا الأغنية اللبنانية: نقولا المني، سعد السوداوي، وفيليمون وهبي، ويقال إنهم أسسوا الأغنية اللبنانية، إلا أن من حمل المشعل جيل ثانٍ وهم: الأخوان الرحباني ومعهم ذكي ناصيف.. هكذا توقف محمود قبل فيروز التي تكبرها صباح في العمر بعشر سنوات، فصباح زارت مصر عام 44، معتبراً أنها ميّزت نفسها بالزمن، حتى إنه تعمق في حياة الملاهي في تلك المرحلة التي لا تشبه لا غناء اليوم، ولا حياة ملاهي اليوم، ولا جمهور اليوم، فآنذاك كانت أكبر المطربات تغني لجمهور مختلف، وكان يمكن أن تترافق الحفلات برقص الصالونات مع آلات موسيقية دخلت على الأغنية.

على الرغم من أن هذا العمل الجبار الذي استمر التحضير له لسنوات لم تحضر الدولة اللبنانية بشخص وزارة الثقافة، فصنّف هذا العمل “بالفردي”، يعزو ذلك محمود إلى اختلاف أولويات وزارة الثقافة واهتماماتها عن اهتمامه الشخصي الذي صقلته تجربة الكتاب هذا، فأصبح ذواقة في الفن، حتى إنه أصبح يدرك أهمية الرحابنة أكثر، وهم امتداد خلاق يحضر عنهم عملاً جديداً.

المقالة كيف أصبح للأغنية اللبنانية هوية؟ البداية في الأربعينات ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com