Home » العالم اليوم » منطق وحشية الأسد

لا يُتوقع ردٌ أميركيٌ مجدٍ، مهما بلغت بشاعة جرائم الحرب المرتكبة في سوريا.

قد يكون الرئيس السوري، بشار الأسد، من الذين يزدرون قيمة وقداسة النفس البشرية، لكنه ليس من النوع المتهور في تحديد استراتيجياته. منذ عام 2011، يشن الأسد حرباً لا هوادة فيها ضد شعبه. لقد ارتكب العديد من أبشع جرائم الحرب استراتيجياً؛ أحياناً للقضاء على المدنيين الذين يفضلون الموت بدلاً من العيش تحت حكمه، وأحياناً لتقويض النظام الدولي الذي يهدد بالحد من سلطته، وأحياناً -كما هو الحال باستخدامه الأسلحة الكيماوية- لتحقيق كلا الهدفين دفعةً واحدةً. وهو عندما يقوم بفعلٍ خاطئٍ، يفعل ذلك بوعيٍ منه وبأهدافٍ محددةٍ، جرائمه ليست عرضيةٍ غير مقصودةٍ.

إن الهجوم بالأسلحة الكيماوية الذي يُشتبه في تنفيذه من قِبل النظام السوري يوم السبت 7 أبريل/نيسان 2018، في دوما، إحدى ضواحي دمشق، يشير إلى أن الأسد وحلفاءه قد حققوا العديد من أهدافهم الأساسية لهذه الحرب، ويسعون الآن لتأمين هيمنتهم في بلاد الشام، لكن ثمة عاملين رئيسيين ما زالا يعرقلان خطط الأسد؛ الأول هو سكان سوريا، التي تضم حتى يومنا هذا متمردين مستعدين للقتال حتى الموت، إلى جانب العديد من المدنيين الذين لم ينخرطوا في أعمال القتال، لكنهم يرفضون بشكلٍ أساسيٍ حكمه الشمولي العنيف. أما العامل الثاني، فهو الرئيس دونالد ترمب، الذي أعرب عن تصميمه على الانسحاب من سوريا بالكامل، لكنه أظهر في الوقت نفسه، امتعاضه العميق لاستخدام الأسد الأسلحة الكيماوية.

قبل نحو عامٍ واحدٍ على وجه التحديد، استخدم الأسد أسلحةً كيماويةً ضد المدنيين في إقليم إدلب الريفي، مما أثار غضباً دولياً رافقته ضربة صاروخية رمزية -لكنها مهمة مع ذلك- أمر بها الرئيس ترمب ضد القاعدة الجوية التي أُطلِقت منها الهجمات على ما يبدو. وكان نظام الأسد مسؤولاً عن تلك الهجمات، ومؤيدوه الروس على معرفة تامة بالأمر، مثلما أثبتته الأدلة لاحقاً. لكن رغم ذلك، كذَّبت دمشق وموسكو المعلومات من خلال نفيهما الأجوف.

في نهاية هذا الأسبوع، شن نظام الأسد، على ما يبدو، هجوماً من جديد. رفض المقاتلون في دوما اتفاق وقف إطلاق نار أحادي الجانب، ولم يحزموا أمتعتهم ويغادروا المنطقة على الرغم من سنوات الحصار وحرب التجويع والقصف العشوائي. وفيما أصبح بمثابة سلسلة أحداث مألوفة، قام النظام بإعداد الرأي العام، عن طريق نشر روايته التي يتهم فيها المتمردين بتنظيم هجومٍ كيماويٍّ مزيفٍ من أجل جذب استعطاف المجتمع الدولي، وأعقب حملةَ النظام الدعائية، هجومٌ كيماويٌ واضحٌ، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 25 شخصاً وجرح أكثر من 500 شخص، وفقاً لتقارير غير مؤكدة من عمال الإنقاذ واتحاد الرعاية الطبية ومنظمات الإغاثة.

ومرة أخرى، ألقت الحكومة السورية والروس باللوم على المتمردين، مع إدراكهم أن الأمر سيستغرق أشهراً قبل ظهور أدلة مفحمة، وعندئذ يكون معظم الاهتمام وقلق العالم قد تحول إلى وجهة أخرى. إن مثل هذا النمط من التصرف أصبح اليوم مسألة يمكن التنبؤ بها. وفي كل الحالات، ستظهر أدلة قوية ومستقلة، في القريب العاجل، تربط هذه الهجمات بالنظام السوري.

سبق أن رفع الأسد الستار عن المحرمات العالمية ضد الأسلحة الكيماوية. وبتصرفه ذلك، كشف الرئيس السوري عدم تماسك وجديّة المجتمع الدولي، وأظهر النظام الليبرالي الدولي في صورة وهمٍ عاجزٍ يريح الضمائر ليس إلا. ولم تكن التصريحات الغربية الجوفاء من قبيل “لن يحدث ذلك مرة أخرى”، تعني شيئاً عندما ارتكب دكتاتورٌ مصمّمٌ، محاط بمؤيدين دوليين مرموقين، جرائم ضد الإنسانية.

لماذا يكون الأمر مختلفاً الآن؟ هذا الهجوم الأخير في الغوطة، إذا قارناه بالنمط المُتبع، يكتسي معنىً منطقياً في حسابات الأسد وفلاديمير بوتين والقائد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي. يريد الثلاثي الفائز، أولاً وقبل كل شيء، إخضاع باقي المتمردين في سوريا، مع التركيز على عدة ملايين من الأشخاص الذين بقوا بمحافظة إدلب التي يسيطر عليها المتمردون.

ومن شأن زرع موجة من الموت البشع بمعاقل الغوطة، وفقاً لهذا المنطق العسكري، أن يثبط المتمردين في إدلب ويُثنيهم عن مواصلة القتال إلى النهاية المريرة. وبالقدر نفسه من الأهمية، نجد رغبة نظام الأسد في محاصرة ترمب بالطريقة نفسها التي فعلتها سوريا وروسيا وإيران بسلفه، باراك أوباما.

بعد “حادثة عدم شن الهجوم” المهينة في أغسطس/آب عام 2013 ، عندما غيّر أوباما رأيه حول “خَطه الأحمر” وقرر عدم الرد على استخدام الأسد الأسلحة الكيماوية- أوقع السوريون أميركا داخل الصندوق. وقَّع البيت الأبيض على خطةٍ لنزع الأسلحة الكيماوية، أثبتت أنها مهزلة. وعندما انكشف محتوى الاتفاق وعاد الأسد إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المواطنين السوريين- لم يعد الجمهور يهتم، وكان أوباما مشغولاً بمناقشة إرث سياسته الخارجية.

لا تزال سياسة ترمب في الشرق الأوسط تشكل لغزاً. لقد بدا لمدة طويلة غير مكترثٍ بتعاظُم الدور الروسي في الشرق الأوسط ، لكنه كتب اليوم بإحدى تغريداته، أن روسيا وإيران وسوريا سيدفعون “ثمناً باهظاً” على ما يقومون به في المنطقة. ويبدو أنه يفضل وجوداً عسكرياً أميركياً أصغر، وتحدَّث مراراً عن سحب القوات من سوريا والعراق.

لقد أفسد ترمب الاتفاق الذي أوقف برنامج إيران النووي، ولا يبدو مهتماً باتفاقية الأسلحة الكيماوية المتهالكة في سوريا. ولا يبدو معنيّاً بالانخراط الاستراتيجي طويل المدى في منطقة العالم العربي، لكنه غير مهتم أيضاً بدعم الوضع الراهن. ينسجم رد فعله على هجوم خان شيخون قبل عامٍ مع هذه المواقف التي يفضلها: أعرب عن مقته ذلك الهجوم، وتحدَّث بإنسانيةٍ غير معهودةٍ منه عن الأطفال الذين قُتلوا على يد الأسد، وأمر بتوجيه ردٍ دقيقٍ لكن محدود، ولم يكن يرغب في التصعيد أو التدخل ضد روسيا أو الأسد، لكنه لم يبدِ أي مصلحة في تهدئة الوضع، أو الدخول بمصالحة معهما.

إحدى نتائج سياسة ترمب المربكة في سوريا هي أن الأسد وداعميه لا يستطيعون التأكد تماماً مما تخطط له أميركا؛ هل هو انسحاب أم تراجع. ومن ثم، جاء الهجوم الكيماوي الجديد ليختبر كيف يكون رد أميركا، وربما يضع ترمب في الزاوية نفسها التي ألقت بسياسة أوباما وقوضتْها تجاه سوريا.

بالنسبة للأسد، هناك فائدةٌ يُمكنه جنيها من مثل هذه الحركة المخادعة، دون تعريض نفسه لأي خطرٍ حقيقيٍ. في عام 2013، تجمدت فرائسه هو وبقية المنطقة في حالة من الهلع؛ خشية تعرُّضه لرد أميركي محتمل، كان متوقعاً على نطاقٍ واسعٍ أن يهز الوضع الإقليمي، وقد استخلص الأسد دروسه منذ ذلك الحين.

لا يُتوقع ردٌ أميركيٌ مجدٍ، مهما بلغت بشاعة جرائم الحرب المرتكبة بسوريا. لا تزال أميركا غارقة في وحل انجرافٍ استراتيجيٍ، غير متأكدة من مبررات استمرارها في الانخراط بالشرق الأوسط، ومعرضة لتشنجات من النشاط المفرط بدلاً من التركيز المستمر.

على الرغم من عدم إمكانية التأكد بعدُ مما حدث بالضبط في الغوطة، فإن ما يمكن التأكد منه هو أن ما حدث لم يكنْ من قبيل الصدفة. إن الأسد مصممٌ على تعزيز قبضته مرة أخرى في سوريا، بغض النظر عن حجم التدمير الذي يتطلبه الأمر من أجل استعادة التحكم في البلد. وبفضل دعم بوتين، فهو مصممٌ على القضاء على ما تبقى من مصداقية وجدوى المجتمع الدولي والقيادة الأميركية.

لكن حتى لو تعذر على هذه الدول الثلاث التأكد مما سيفعله ترمب، فإن استخدامهم المتعجرف الأسلحة الكيمياوية في ذكرى مرور عامٍ على هجمات خان شيخون يشير إلى أنهم على ثقة، بقدرٍ كبيرٍ، بأن الرئيس الأميركي لن يتخذ إجراءً جاداً.

هذا الهجوم الأخير، رغم مأساويته المروعة، لا يشكل نقطة تحولٍ؛ بل هو مجرد هجوم آخر من جملة ما يقوم به نظام الأسد وحلفاؤه، في سياق ترسيخهم المعايير الخطيرة المروعة التي يسعون لفرضها في المنطقة منذ عام 2013.

هذه التدوينة مترجمة عن موقع theatlantic. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

المقالة منطق وحشية الأسد ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com