ورد الآن

محاولة هروب من الانتحار

في بلادنا تلك التي وصفها الشاعر الكبير نزار قباني منذ عشرات السنين بـ”بلاد القهر والكبت”، تلاحقنا صباح مساء أنباء الموت في مدننا التي لا تشبع منه أبداً، تغرقنا فيضانات الدماء، تخنقنا رائحة الجثامين، تحاصرنا لعنات الغربة والوحدة والأسئلة التي دائماً بلا إجابة، تعصف بنا رياح الأزمات تنقلنا من ضعف إلى عجز إلى يأس.

نبحث عن حبل أمل نتعلق به، أو حلم مقتول علّه يحيا يوماً ونسأل الإله بعض قدر من قوة وصبر يبقينا حتى يأذن لروحنا بالذهاب إليه… بينما يرعبنا تزايد من نفد صبرهم واتخذوا قرارهم بالرحيل، نطالع أنباءهم كل ساعة:
” انتحار… أديب – طبيب – طفلة – عامل – ربة منزل – ضابط – بطل رياضي – شابة جميلة…..”.

ينعاهم أحبّتهم وحتى من لم يلتقوهم يوماً، يتكسب من ورائهم المتاجرون، يمثلون مادة لملء ورقات الصحف وساعات البث المباشر ويعلنون عن انطلاق موسم التحليل الديني والنفسي والسياسي، دونما فعل حقيقي لوقف نزيف الأرواح الذي ترعبنا مخبرة عنه منظمة الصحة العالمية في آخر إحصاءاتها أنه وصل لروح تقرر الفرار من كوكبنا المجنون كل 40 ثانية كلهم مروا باعتلال نفسي، أبرزه الاكتئاب دونما تلقّي علاج.

مما يعني أن نجاتهم كانت ممكنة، لو أن طبيباً نفسياً تدخل وداواهم، سواء بإرادتهم أو بتوجيه من ذويهم، تماماً كمن يتجه بمصاب بجرح غائر إلى غرفة الطوارئ أملاً في إبقائه على قيد الحياة.

فإن كنا لا نقوى على وقف نزيف الأرواح التي تفارقنا بالرصاص وقاذفات الصواريخ وتحت أنقاض البلاد، فلنتخذ قراراً بأن نوقف نزيف مَن يفارقوننا مختنقين بالأمل المفقود وإحساس اللاشيء في الوجود.

1- آن أوان انطلاق حملات التوعية عبر كل وسيلة ممكنة لتوصّل لكل طبقات المجتمع أن المرض النفسي مثله مثل أي مرض عضوي يصيب الجسد، وخطورته تكمن في ارتباطه بالمخ القادر على التحكم بكل همسة وحركة.

2- ليدرك كل ولي أمر أن ضرورة الذهاب بالابن إلى طبيب نفسي يسمعه ويعالجه إن احتاج لا تقل أهمية أبداً عن ضرورة السعي للتوجه إلى طبيب الأطفال إذا ارتفعت حرارته أو تعرض لأزمة جسمانية، ولنؤمن أن ذلك لا يعني فشلاً في التربية، ولن يكون يوماً وصمة عار للأهل أو الابن.

3- وليبدأ صنّاع الفن بتغيير صورة الطبيب النفسي ومرضاه في الأعمال الفنية، ولتجرم السخرية منهم تماماً، كما تجرم من مرضى السرطان وأصحاب القدرات الخاصة.

4- ليتوقف دعاة الدين عن جلد كل مأزوم نفسياً بوصمه بالبعد عن الإله، وضرورة اتجاهه للتعبد وحده، بدعوى أن فيه منفرداً يكمن العلاج.

5- ليعُد ممثلي التنمية البشرية والعلاج بالطاقة الحيوية حساباتهم قبل تسويق قناعات بشكل منمق حول أن كل الأمراض النفسية يمكن علاجها دون تدخل دوائي وطبيب متخصص.

6- لتفرض الرقابة والرقابة الصارمة على كل مَن قرّر توصيف نفسه باعتباره أخصائياً نفسياً أو معالجاً اجتماعياً، والتأكد من صلاحيته لممارسة مهنته، وتمكنه من أدواتها وجمعه بعلومها.

7- لتتوقف نصائحنا المجانية لكل مَن أراد التوجه لطبيب نفسي بأن يوفر ماله ويتجه للترفيه عن نفسه، مع وعد بأنه سيصبح بخير، ولتكتم أصوات المدّعين بأن الدواء النفسي يسبب الإدمان.

8- ولتتعامل شركات ومؤسسات التأمين الطبي مع الطب النفسي باعتباره إحدى الحاجات الأساسية للإنسان، وليس مجرد رفاهية للقادرين.

كوكبنا يزداد جنونه ليلة تلو الأخرى، وأحداثه تتسارع لا يُبطئها شيء، تضعف طاقتنا وتجتث جذور الحياة من أرواحنا، والاكتئاب أصبح لا يقل انتشاراً عن فيروسات الإنفلونزا وآلام صداع الرأس.

فإن لم تتغير آلياتنا في التعامل مع المرض النفسي وتنضبط نظرتنا لأطبائه، سنبقى نستيقظ كل صباح على نبأ روح تغادرنا انتحاراً، ويبقى الناجي من كل وسائل القتل المجاني في بلادنا… ليموت مصاباً بعلة الخوف من العلاج.

المقالة محاولة هروب من الانتحار ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com