ورد الآن

كيف أصبح حالنا في الغربة أقرب إلى أزرار القميص!

لم أكن أعلم لمَ كان منظر الأزرار المرميّة على الأرض يثير فيَّ شعوراً غريباً، لولا الخجل لقمت بأخذها عن الأرض، لم تكن هذه الأشياء تشبه أيّ شيء آخر، مخلوقات دائرية بثقوبٍ عديدةٍ وألوانٍ مختلفةٍ، فمنها الخشبيّ والبلاستيكيّ، الصّغير والكبير، لديه ثقبان أو ثلاثة أو أربعة، وهناك المميّز ذو الشكل البيضاوي.

منذ يومين وجدت زرّاً مرميّاً بين كراسي قاعة المحاضرات في المعهد الذي أُدرِّسُ فيه، وفهمتُ السّبب، إنّه الوحدة! إنّه زرٌّ فقد قميصه، زرٌّ كان له مكان مخصّص في القميص، الثاني… أو الثالث، الأول… أو الأخير، لديه ترتيبه الخاص، زرٌّ قبله وآخر بعده، لديه خيطٌ معيّنٌ يربطه بقميصه، حيث استغرق اختياره وقتاً وجهداً، فإن انقطع الخيط ووقع الزرّ أو كُسِر المِسكين، قد لا يجد القميص مشابهاً له، وقد يضطّر لتغيير جميع الأزرار، بسبب تلك الحادثة غير المتوقعة.

نعم… إنها الأزرار التي تربط أطراف القمصان بعضها ببعض، وقد عرفت مكانها ووظيفتها، فلا أحد يتعدى على الآخر، ولا أحد يأخذ مكان الآخر؛ لأن للقميص نظاماً خاصاً غير قابل للتغيير.

وها نحن نرى فجأة انسلاخَنا عن قرانا وبلداتنا ومدننا، عن بيوتنا ودورنا، كأزرار فقدت قمصانها. فلا أحد يرغب بوضعها على قميصه، فنحن لا نشبه أزرار الآخرين، ولا قمصانهم تناسبنا، نحن الذين عشنا مئات الأعوام بلا نظامٍ أو ترتيبٍ، كلٌّ يعيش لوحده، ويحلُّ مشاكله وحده، وها هو يهرب وحده ليصبحَ زِرّاً مرميّاً بانتظار أن يثير الحنين في قلب أحدهم، فيأخذه ويضعه في علبة الأزرار الأنيقة لحين الحاجة إليه يوماً ما، فتجد البعض يبذل كلّ جهد ليكون مختلفاً، فها هو يتعلّمُ لغاتٍ جديدة ومهاراتٍ جديدة، يغيّرُ من عاداته علّهُ يجد لنفسه مكاناً.

وآخرون يصرّون على المضيّ بحياتهم التي عهدوها منذ دهور، ويفضلون الانزواء، فلا العودة بلادهم ممكنة، ولا هم يقبلون باللاندماج.

أمّا من يُصرّ على إيجاد مكان له، فتعبهُ مضاعفٌ؛ لأنّ عليه إثبات تميّزِهِ، واختلافه عن أبناء بلاده وأبناء البلد الجديد على حدٍّ سواء، ويبقى رغم ذلك زرّاً جديداً مختلفاً في قميصٍ جديدٍ، وُضِع بخيطٍ مختلفٍ قليلاً، خيط سيذكّره دوماً بمكانهِ السابق.

نعم أن تذهب لمكان جديد، كزِرٍّ سقط من قميص، توضع في علبة الأزر ليومٍ يُحتاج فيك إليه، قد يطول هذا اليوم أو يقصر.

كم جميلٌ لو حافظنا على أزرارنا، وجنّبناها ذلك الشعور العميق بالحزن الذي سيطاله، شاء أم أبى على قميصه الذي فقده ولو كان قديماً بالياً.

لكنّ بلاداً أنهكتها الحرب.. دُمّرَت، ونُهِبت، سُرقَت أحلامها في يومٍ عاديٍّ مشمش مَن سيعيد للطّرقات والشوارع وقع أقدام ساكنيها؟ وأصواتهم التي كانت تضجُّ في المكان؟

نعم.. إنّها البلاد التي فقدت أحبّتَها، البلاد التي تحبُّ ساكنيها، كما القمصان التي تحبُّ أزرارَها، فهي تهترئُ معها… فرفقاً بالقمصان، ورِفقاً بالأزرار الفاقدة قمصانَها.

المقالة كيف أصبح حالنا في الغربة أقرب إلى أزرار القميص! ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com