ورد الآن
Home » العالم اليوم » “أقسم ألا أعيش من أجل شخص آخر”.. الأنانية التي أصبحت فلسفة وأسلوب حياة ومبادئ للمدينة الفاسدة
1

هل سبق أن وصفك أحدهم بالأنانية فغضبت من ذلك الوصف المعيب؟ في الحقيقة، عليك إعادة النظر إلى هذا الأمر بشكل مختلف، فالأنانية أو حب الذات ليسا من الصفات السيئة كما كنت تظن، وإنما هما أحد أهم مرتكزات “فلسفة الموضوعانية”، التي أسستها كاتبة روسية لتكون أحد أسباب التفوق الأميركي الذي يشهده العالم!

وضعت أسس هذه الفلسفة الفيلسوفةُ والروائية الروسية “آين راند”، وذلك من خلال روايتها الشهيرة “أطلس متململاً”، التي تعد من أكثر الروايات تأثيراً في المجتمع الأميركي.

فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ذكر أنه من محبي “راند”. كما أكد رئيس مجلس النواب المنتمي للحزب الجمهوري “بول رايان”، أن تلك الروائية الروسية كان لها تأثير كبير على فكره وحياته، بالإضافة إلى تأكيد رئيس وزارة الخارجية الأميركية الحالي، “ريكس تليرسون”، أن رواية “أطلس متململاً” تعد كتابه المفضل.

كيف نشأت هذه الفلسفة؟

بعدما هاجرت “آين راند” من بلادها بعد الثورة الشيوعية، وعانت مصادرة جميع ممتلكات والدها، هاجمت الشيوعية والاشتراكية بشدة، وكانت ترى دوماً أن العمل الصحيح يقتضى أن يحب كل منا نفسه أولاً ويعمل من أجل تنميتها وتطويرها، وعلى الجميع أن يفعل الأمر نفسه، وبذلك ينشأ مجتمع بلا أكاذيب وخرافات.

على الرغم من أن “راند” هي مؤسِّسة الشكل الحديث للموضوعانية، فإن جوهر تلك الفلسفة يعود بالأساس إلى الفيلسوف اليوناني “أرسطو”، بتأكيده أن العقل هو سيد القرار دائماً، فالعقل عند ولادة الإنسان يكون عبارة عن لوح أبيض لا توجد فيه أية أفكار للاتصال بالواقع، وعليه تقوم الحواس بتلك المهمة بشكل مؤقت؛ حتى يصل الإنسان إلى مرحلة القدرة على تشكيل الأفكار، حينها ينظم العقل المواد الحسية لتشكيل المفاهيم المعرفية (وظيفة الوعي ليست خلق الواقع، ولكن تفهُّمه. فالوجود هو الهوية، والوعي هو تحديد الهوية).

المشاعر وفقاً لفلسفة الموضوعانية، هي نتاج أفكار الناس وأحكامهم القِيَمية، وليست أدوات للإدراك أو أدلة للعمل، وقد أضاف الفيلسوف الشهير إيمانويل كانت إلى تلك الفلسفة رؤيته؛ إذ أكد أن وسائل المعرفة المبنيَّة على الحواس البشرية، لا تُعرّف الأشياء كما هي وإنما فقط كما تبدو.

تُعتبر الأخلاق في فلسفة الموضوعانية ضرورية فقط من أجل مصلحة الإنسان وبقائه، فكل ما هو مناسب لحياة الكائن العاقل خير، وكل ما هو مدمر لها فهو شر.

ما هي المبادئ الأساسية للموضوعانية؟

تستند فلسفة الموضوعانية إلى العقل المجرد، وتدافع بشدة عن اليمين الليبرالي الذي ينادي بحماية الحقوق الفردية واقتصاد السوق كطرق وحيدة لخدمة المجتمع الكلي، وترفض فلسفة الموضوعانية الفنون التجريدية؛ لأنها توحي بوجود شيء غامض في الوجود، وهو ما ترفضه الروائية الروسية “آين راند”؛ إذ ترى أن الموضوعانية بديل عن الذاتية، وأننا في وجود العقل لسنا في أي حاجة لذواتنا، والعقل هو مصدر المعرفة الأوحد، أما المشاعر فهي وسيلة مضللة للغاية لمعرفة الحقيقة.

كما تؤكد “راند”، من خلال روايتها “أطلس متململاً” -المكتوبة وفق أسلوب أدب المدينة الفاسدة أو ديستوبيا (ذلك الأسلوب الذي يتمحور حول مجتمع خيالي فاسد تماماً تحكمه عادة الأنظمة الشمولية أو الدكتاتورية)- أن الإيثار ومساعدة الآخرين سيؤديان في النهاية إلى خراب المجتمع؛ بل تؤدي وصاية الحكومات على تصرفات الأفراد إلى إضراب رجال العقل والفكر؛ لأنهم لا يستطيعون العمل في بيئة ديكتاتورية وأوضاع اقتصادية قاسية وفاسدة.

تدعو الفلسفة الموضوعانية أيضاً إلى إلغاء الحكومات وترك الأفراد والشركات يعملون ويتنافسون فيما بينهم داخل المجتمع؛ فبهذه الطريقة فقط يصل المجتمع إلى الخير الأسمى، ذلك الخير الذي يتجسد في تحرير طاقات وإمكانات الأفراد إلى أقصى حد ممكن، من دون تدخُّل أي أحد. وعندما يسلك كل فرد طريقه الخاص سيصل إلى أعلى درجات التحقق، وبهذا يصل المجتمع إلى درجة الرفاهية والمنفعة العامة.

لماذا علينا أن نفكر في أنفسنا أولاً؟

تعتبر الفلسفة الموضوعانية أن التفكير عملية صعبة وحساسة للغاية، ولا يمكن للإنسان ممارستها ما لم يكن هدفه المعرفة ونهجه المنطق. والفكر بطبيعته الخاصة يتطلب الأنانية، فلا يمكن للإنسان أن يفكر بشكل سليم إذا كان يضع شيئاً فوق تصوره للواقع، كما أنه لن يستطيع متابعة الأدلة بعناد إذا امتثل أخلاقياً لأناس آخرين أو امتثل للتعليمات الدينية؛ ولذا يجب أن يضع الإنسان مصلحته الشخصية وتحفيزه الذاتي كأعلى فضائله، ولا يضحي بهما مهما حدث، وألا يتنازل أبداً عن سيادته على استخدام عقله.

جدير بالذكر أنه وفقاً للموضوعانية، فالتفكير ليس عملية تلقائية ولكنه قرار، فمن الممكن أن يختار أحدهما استخدام عقله، ويختار الآخر أن يتركه راكداً، ولهذا يجب أن يكون كل الخير لذلك الذي قرر أن يستخدم عقله لمصلحته، وعليه يجب على الدولة ألا تتدخل بالمساواة بين من قرر النجاح ومن قرر الفشل.

تبرر الموضوعانية ما تدعو إليه بأن الحياة تتطلب أن نحب أنفسنا أكثر وأن نحبها أولاً، والداعي وراء الأنانية هو أن الإنسان يجب أن يكون المستفيد الأول من أفعاله، وعليه أن يلاحق أحلامه لأجله ولصالح بقائه، فالحياة تتطلب الحفاظ على النفس لا التضحية بها.

ويعد الاقتباس الأشهر من رواية “أطلس متململاً” هو التعبير الأقوى عن فلسفة الموضوعانية فيقول: “أُقسم بحياتي وحبي لها أني لن أعيش من أجل شخص آخر، ولن أدع شخصاً آخر يعيش من أجلي”.

من هي آين راند؟

اسمها الحقيقي أليسيا روزنباوم، وُلدت قبل الثورة البولشفية في سانت بطرسبرغ لعائلة يهودية. وعندما سيطر الثوار على صيدلية والدها فرونز، هربت العائلة إلى شبه جزيرة القرم. هاجرت إلى أميركا عام 1926 بعدما باعت والدتها مجوهراتها لتشتري لها تذكرة السفر.

إثر وصولها إلى جزيرة “إليس” في نيويورك، غيرت اسمها إلى آين راند. انتقلت لاحقاً إلى هوليوود حيث عملت ممثلة كومبارس نهاراً، وكتبت روايات وسيناريوهات ليلاً.
تزوجت ممثلاً أميركياً لـ”وسامته” ولتصحح وضع إقامتها.

بعدما رفضت عدة دور نشرٍ روايات لها، شهد عام 1963 أول انطلاقة فعلية لها مع رواية “The Fountainhead “، التي نُشرت عام 1943.

أسست الفلسفة الموضوعانية الجديدة وجسَّدتها في رواية “أطلس متململاً”، والتي تروي فيها قصة مجموعة من الناس يحاولون الهروب من “التآمر الأميركي على الوسطية”. أثرت أفكارها في مختلف التيارات الفكرية، منها الليبرالية وتيار “دعه يعمل دعه يمر” الرأسمالي، ما جعل لها مكانة متميزة بين الفلاسفة الأميركيين.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com