ورد الآن
Home » العالم اليوم » صفة تجمع بن سلمان وترامب استخلصها صحفي بريطاني.. هيرست: رئيس أميركا يسدي خدمة للعالم ويورِّط حُلفاءه بالشرق الأوسط ويدمر نفسه

كتب رئيس تحرير موقع ميدل إيست آي البريطاني، مقالاً حول حياة ترامب ومشاعره في إدارة البيت الأبيض، ورؤيته الفارغة للشرق الأوسط.

ويرى ديفيد هيرست الذي ناقش أيضاً كتاب مايكل وولف عن الحياة في البيت الأبيض أن ترامب قليل الحيلة وبلا صبر ولا يقوم بتدمير نفسه فقط بل انه يقوم بتدمير الكثيرين معه. وفي ذلك يُعد حلفاؤه العرب في السعودية ومصر والإمارات شأنٌ، والإجماع الدولي حول إسرائيل شأنٌ آخر.

نص المقال

إن واحدةً من مباهج قراءة كتاب مايكل وولف عن الحياة في البيت الأبيض، هي تصوير الرئيس الأميركي يفعل ما يفعله عادةً.

يمكنكم رؤيته يُعبِّر عن مشاعره وانفعالاته بسهولةٍ ووضوح، يمشي متثاقلاً بين الغرف الرئاسية الضيقة، ويصرخ في هاتفه المحمول. وبينما يفعل ذلك، يبدأ شعره الغريب المُمَيَّز في التراجع، كاشفاً رأسه الأصلع.

ما الذي أقنعه بأن يسمح لوولف بـ”مقعدٍ شبه دائم على أريكةٍ في الجناح الغربي؟” 200 حوار؟ أين مخطوطات هذه الحوارات؟ إنه يريدها على مكتبه بحلول الصباح.

كم من “المكالمات الهاتفية العارمة غير المرغوبة والمثيرة للشفقة” يجريها الآن؟

ذهب ترامب ليُغرَّد على موقع تويتر، أمس السبت 6 يناير/كانون الثاني، مُدافِعاً عن نفسه في مواجهة الاتهامات بأنه غير متزن عقلياً، مُؤكِّداً لمتابعيه أنه في الواقع “عبقري متزن جداً”.

لعل الضوء الذي يلقيه وولف على ذلك القاطن بالبيت الأبيض قاسٍ ولا يرحم.

وبعد صدمته من النجاح الذي حقَّقَته حملته، التي كان مُتردِّداً في استثمار أمواله فيها، لم يتفهَّم ترامب قط ماذا يعني أن يكون رئيساً للولايات المتحدة. لا يسمع أبداً، وحين يسمع أحداً، يتصرَّف وفقاً لنصيحة آخر شخصٍ يمكن أن يضعه في مأزق.

إنه غير قادرٍ على تقييم الأمور، وهو مهووسٌ بالإعلام، وعبد له. ولطالما كانت ابنته إيفانكا قادرةً على تقديم الأمور وعرضها عليه.

وقد قالت لدينا باول، التي تشملها برعايتها وضمَّتها إلى طاقم البيت الأبيض للسلام في الشرق الأوسط، في كما يذكر وولف: “عليكِ أن تثيري حماسه. ربما يكون رجلَ أعمال، لكن الأرقام لا تثيره. إنه ليس رجلَ إحصاءاتٍ -لديه من يعتني بجداول الإحصاءا، يحب الأسماء الكبيرة، يحب الصور الكبيرة- يحب الصور الكبيرة حرفياً، ويحب رؤيتها، وكذلك يحب التأثير”.

أصابه الملل، وقد فتر وضاق ذرعاً بالأمور الصغيرة- مثل التفاصيل، وبالطبع إخبار نفسه بما يجري في الواقع.

كان بحاجةٍ إلى شيءٍ كبير، وهي حاجةٌ غير مناسبة بالأخص مع الأوضاع المُتغيِّرة التي يعيشها العالم.

قال مراراً بغضبٍ: “أشياءٌ كبيرة، نريد أشياء كبيرة. هذا ليس كبيراً. اجلبوا لي شيئاً كبيراً. ألا تعرفوا حتى ما هو الكبير؟”.

هكذا يبدو عقل ترامب الذي لا يهدأ -لكن الفارغ حقاً- إزاء الشرق الأوسط.

“إنه نافد الصبر بملل قلة الحيلة الذي يتسم به نظام ما بعد الحرب الباردة، ذلك الإحساس بأن لوحة الشطرنج ثابتة دون تغيير، ذلك الإحساس بأن الحركة التدريجية هي السيناريو الأفضل، والبديل عن ذلك هو فقط الحرب. أما رؤيته، فهي أبسط كثيراً: من يحوز السلطة؟ أعطني رقمه”.

وكقاعدةٍ أساسية، فإن: “عدو عدوي صديقي. وإن كانت لترامب نقطةٌ مرجعيةٌ ثابتة في الشرق الأوسط، فقد كانت -في الأغلب على سبيل المجاملة لدروس مايكل فلين، مستشار الأمن القومي سابقاً- أن إيران هي الطرف السيئ، وبالتالي، كل من يعارض إيران يُعد طرفاً جيداً”.

لكن هكذا أيضاً يتمسَّك الشرق الأوسط بترامب.

انحياز مثير للاهتمام

إنَّ ولي العهد، محمد بن سلمان، قد قدَّرَ حقيقة أنَّ صهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر، لم يصل إلى منصبه، مبعوثاً للإدارة في الشرق الأوسط، عن استحقاقٍ، بسبب أي شيء قد حقَّقه شخصياً، وإنما فقط كونه فرداً من أفراد العائلة. إنَّ هذا الأمر مريح لعضو في الأسرة المالكة السعودية، لأنَّ هذه بالضبط هي الكيفية التي تجري بها الأمور في الداخل.

يلاحظ وولف “انحيازاً مثيراً للاهتمام” بين ترامب ومحمد بن سلمان سببه أنَّ كلاً منهما لم يحصل على أي تعليم خارج بلديهما.

فقال وولف: “إنَّ معرفة القليل قد جعلتهما مرتاحين، بغرابة، لبعضهما بعضاً. وعندما عرض محمد بن سلمان نفسه على كوشنر بوصفه رجله في السعودية، كان الأمر يشبه لقاء شخص لطيف في أول يوم في المدرسة الداخلية، بحسب صديق كوشنر”.

عربات غولف ذهبية

كانت رحلة الرياض، في مايو/أيار 2017، أمراً جللاً. سوف يشتري السعوديون فوراً أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار، وما قيمته 350 مليار دولار في 10 سنوات. أقام السعوديون حفلاً تكلَّفَ 75 مليون دولار، وأجلسوا ترامب على عرش، وسافرت أسرة الرئيس في عربات غولف ذهبية.

اتصل ترامب بأميركا وأخبر أصدقاءه أنَّ موضوع العلاقات الخارجية هذا سهل للغاية، وكيف أنَّ أوباما قد أفسد كل شيء. وقبل هذه الرحلة لم يفعل سوى مدح صهره.

فقد أكَّدَ ترامب على واحد ممن اتصل بهم بعد العشاء، قبل العودة من الرحلة: “إنَّ جاريد قد جعل العرب في صفنا تماماً. انتهت الصفقة. سوف يكون الأمر جميلاً”.

وقال المتصل: “كان يعتقد أنَّ هذه الرحلة سوف تغير كل شيء، مثل تغير في حبكة فيلم رديء”.

والآن انتهى المرح وحان وقت الرعب.

حتى لو قلَّلوا من مصداقية 20% من رواية وولف، بسبب اعتماد بانون واحداً من المصادر أو لأنه بالغ بغرض التأثير، فإنَّ الـ80% الباقية تحمل إدانةً كبيرة. تخيَّلوا الرعب البادي على وجوه حلفاء أميركا حال قراءتهم لمدى تفكُّك الرجل الذي يدير البيت الأبيض. إنَّ النزعة الغريزية للقادة الخارجيين الذين يعتمدون على روابطهم العسكرية أو الاقتصادية مع الولايات المتحدة سوف توضع في أبعد مكان بينهم وبين هذا الرجل عدو نفسه، هذا الفاشل في البيت الأبيض.

إنَّ أي شخص لم ينأ بنفسه حتى الآن بعيداً عن هذه الرئاسة الآيلة للهلاك، من المُرجَّح أن يكون قد مات سياسياً بالفعل، ويشمل هذا الأمر ترامب وكوشنر وإيفانكا، والسفيرة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي. ومن المُرجَّح أن يكون أولئك الذين قفزوا من طائرة الرئاسة المحترقة، مثل كبير الاستراتيجيين السابق، ستيف بانون، قد انتهوا هم أيضاً.

إنَّ التأثير السام ذاته الذي يمارسه ترامب على معدلات إشغال سلسلة فنادقه سوف يصل قريباً إلى حلفاء الولايات المتحدة. قريباً، لن تكون مشاركة منصة عامة معه من قبيل الأفكار الجيدة. لن تكون تيريزا ماي في عجلةٍ من أمرها لجعل ترامب يزور المملكة المتحدة، بصفته رئيساً للولايات المتحدة.

إنَّ فكرة ترامب عن انفراجةٍ في الشرق الأوسط قد انتهت قبل حتى أن تبدأ. سوف تُنزِل إدارته انتقامها على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، المُحاوِر الوحيد الأوحد الذي كان يمكن التعاون معه، لتزعُّمه التصويت الأخير في الأمم المتحدة ضد إعلان ترامب نقل سفارته إلى القدس.

وإنَّ عدم تمويل الأونروا، وكالة الأمم المتحدة التي تُوفِّر المدارس والغوث للفلسطينيين، مجرد بداية لهذا الانتقام.

مُحطِّم

إنَّ حنق ترامب مُدمِّرٌ بنفس قدر تدمير حماسته، لأنَّ الإعاقة الهيكيلة التي يعاني منها ترامب رئيساً، وكما يلاحظ وولف باطراد، تتمثل في عدم قدرته على المزاوجة بين السبب والنتيجة.

حتى بنيامين نتنياهو، الزعيم الإسرائيلي الذي يحظى بأكبر المكاسب من ترامب ويستخدم هذا الفراغ الذي خلقه ترامب في السلطة في ضمِّ المستوطنات المحيطة بالقدس، ينبغي له أن يُفكِّر ثانية في الضرر الذي قد يحدثه ترامب له.

لا يمكن لدولة إسرائيل الاستمرار بدفع حدودها أكثر فأكثر ناحية الضفة الغربية، بهدوء لكن بثبات، لو سحب الغطاء المالي من السلطة الفلسطينية، وهي الهيئة التي أدت أكثر من غيرها، إلى إنجاز إسرائيل لأقل فترات احتلالها كلفة. إنَّ الفلسطينيين، في ظلِّ السلطة الفلسطينية، يحتلون أنفسهم.

لقد كانت سياسية إسرائيل، لعقودٍ من الزمن، تقوم على إبقاء الفلسطينيين “في حميةٍ غذائية”، بحسب التعبير شديد الدقة لأحد المساعدين السابقين لرئيس الوزراء، وذلك في الأماكن المُسيَّجة المختلفة التي بنتها لهم.

وقد كان هذا الأمر يعني الموازنة بين القمع الواضح وإجراءات دعم الحياة. كانت إسرائيل تفتح وتغلق أماكن بنائها للعمالة الفلسطينية المهاجرة كحنفيات المياه. إنَّ آخر ما تحتاجه إسرائيل في توسعها المستمر، أن ينهار الاقتصاد والنظام الاجتماعي الفلسطينيين بالكامل، وهو ما سوف يؤدي إليه حنق ترامب من رد فعل الأمم المتحدة على خطوة نقل السفارة.

وبالمثل، فإنَّ القوى الأوروبية التي ساعدت على التفاوض حول الصفقة النووية مع إيران لا بد أنها الآن تنتابها خواطر جادة حول قدرة ترامب على تحطيم إنجازات السياسة الخارجية القليلة للإدارة الأميركية السابقة.

إنَّ ترامب مُحطِّم، يمتلك قوة تحطيم كبيرة لا يمكن لأميركا أن تُعزَل أو تخضع لعقوبات. فاقتصادها كبير للغاية على ذلك، والعالم شديد الاعتماد عليه.

يخدم العالم

وثمة جانب إيجابي للترامبية قطعاً.

فمن جهةٍ، ترامب على صواب، إذ إنَّ الإدارات الثلاث السابقة، والكثير قبلها، قد أخطأت فهم الشرق الأوسط.

لكنَّ منطقه يشبه القول إنَّه بسبب فشل فرق التخلص من القنابل الثلاث الماضية في تفكيك القنبلة التي تزن 500 رطل، التي وجدها العمال في قبو بيتك، فلماذا لا تفتحها بنفسك بالمنشار الكهربي الذي اشتريته بمناسبة الكريسماس؟

لذا، وبعيداً عن تدمير نفسه، وهو ما أنا على قناعةٍ بأنه يفعله، فإنَّ ترامب قادرٌ على تدمير الكثيرين معه. وفي ذلك يُعد حلفاؤه العرب في السعودية ومصر والإمارات شأنٌ، والإجماع الدولي حول إسرائيل شأنٌ آخر. سيحمي الأمر الواقع إسرائيل من أية محاولة لعزلها دولياً. لكنَّ ترامب قد يعرض إسرائيل للحاجة إلى عقوبات دولية كما لم يفعل أي رئيس آخر من قبله.

وإنَّ ترامب أيضاً يعيد خلق يسار أميركي حقيقي، وهو أمر يستحق عليه امتناناً لا ينقطع. إنَّ النيوليبرالية في الداخل، ونهج المحافظين الجدد في الخارج يحظى بدعمٍ عبر الأحزاب. فهذا هو ما استمر فيه بوش في العراق، وما بدأه كلينتون في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي. لقد انتهت هذه الحقبة بالكامل.

ولا يعني هذا الأمر أنَّ ترامب لا يستطيع البدء في حرب. فالطريقة التي اقتنع بها لقصف سوريا، لما عرضت عليه ابنته صوراً للأطفال السوريين المصابين بالغاز الكيميائي، تخبرنا بالكثير. فالرئيس لا يقارن بين الحجج وإنما بين الصور. لكنَّ هذا يعني أنه لا يمكنه أن يكسب حرباً.

إنَّ الصورة المتبصرة التي رسمها وولف تشكل عرضاً محتملاً، في معرض مستقبلي، يظهر في المتحف القومي للتاريخ الأميركي بواشنطن، عنوانه: “نهاية إمبراطورية”.

تنهار الإمبراطوريات عندما تصبح عالية التكاليف، وعبئاً سياسياً على نخبتها الحاكمة. وهذا هو ما يحدث الآن في واشنطن. نعم. فهذا رئيسٌ غير صالح بشكل أساسي لهذا المنصب، لكن من الصواب أيضاً أنَّ ترامب نفسه هو نتاجٌ للفشل، هذا الفشل الذي يعود بشكل جماعي لأكثر من رئيسٍ واحدٍ وإدارةٍ واحدة.

وبهذا المعنى، فإنَّ كرة النار والغضب، ترامب، تسدي خدمةً للعالم. إذ تجبره على إعادة التفكير في النظام العالمي دون الولايات المتحدة. هذا ما ينبغي حدوثه قبل أي تغيير.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com