ورد الآن
الرئيسية » العالم اليوم » سجدوا نحو مكـة من خلف الأسلاك الشائكة لسجن أسترالي.. لماذا أصبح اعتناق الإسلام ظاهرة في المعتقلات؟

كان المشهد مفاجئاً: يسجد عشرات المسلمين باتجاه مكة خلف الأسلاك الشائكة لسجن سوبرماكس في مركز غولبرن الإصلاحي.

أكاديميون وأئمة وعاملون في السجون يتفقون، وفق تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، على أنَّ اعتناق الإسلام أصبح الآن ظاهرةً شائعة في سجون أستراليا، لكنَّهم يقولون إنَّ الخوف من التطرف أصبح في الوقت الحاضر مبالغاً فيه، عكس ما تروّج له الصحف الوطنية التي تخلط الأمور على عقل القارئ عمداً، وتربط بين اعتناق الإسلام والتطرف.

ويعتقد علي قدري، نائب رئيس المجلس الإسلامي في كوينزلاند، أنَّه لا توجد أدلة حقيقية تشير إلى أنَّ السجناء أصبحوا متطرفين، ويرى أيضاً أنَّ اعتناق الأديان في نهاية المطاف هو ظاهرة خيّرة.

يقول قادري: “لا يقتصر الأمر على هذا فحسب، فنحن نرى أنَّ الأفراد الذين كانوا معزولين اجتماعياً دائماً، ومخلصين لحياة الجريمة، يجدون طريقهم إلى الإيمان في السجن، ويشعرون أنَّهم جزء من مجتمع ما، وعندها يصبح لديهم حافز على تحسين سلوكهم أكثر من ذي قبل”.

وأضاف: “نحن نرى أنَّ الإيمان -ليس الإسلام فحسب- لديه القدرة على مساعدة الأشخاص المتورطين في وضعٍ مشابه على سلوك الطريق الصحيح”.

السجناء والمحقق

العناوين الحساسة التي تتبنّاها الوسائل الإعلامية تشتت الأعين عن جدال أهم: هل يمكن أن يكون اعتناق ديانات جديدة في السجون مفيداً؟ ولماذا يتجه السجناء، وهم يمرون بأحلك الظروف، تحديداً إلى الإسلام؟

يعرف مايكل كينيدي، المُحقِّق المخضرم الذي عمل في مجال مكافحة الإجرام لأكثر من 20 عاماً، تفاصيل أكثر من غالبية الناس عن هذه الظاهرة، فمنذ أن ترك فريق الجريمة المنظمة بنيو ساوث ويلز، اتجه إلى دراسة العلاقة بين الإسلام والسجون على نطاقٍ أكاديمي واسع في جامعة غرب سيدني.

كينيدي ليس رجلاً مؤمناً، لكنَّه بات يفهم الجريمة، والمجرمين، من منظورين مختلفين تماماً.

ظلَّ كينيدي على اتصال بـ”الكثير من المجرمين” الذين التقاهم في وظيفته السابقة، وما زال يبادلهم الرسائل من حين لآخر. يتنقل أصحابه هؤلاء داخل أسوار السجن وخارجه، مما يعطيه نظرةً فريدة عن مكانة الدين في السجون.

بم يساعدهم الدين؟

يقول: “التحدث معهم سهل جداً، بالأخص (فلان)، كنت أسأله: “هل تفهم الدين؟ فيجيب بالنفي، ويتابع أنَّ الكثيرين من الناس يفهمونه مع ذلك، فالدين هو ما يساعدهم على تمرير الأيام، ويجعلهم قادرين على التعامل مع ما مروا به”.

ويضيف: “أنت معزول عن كل شخص تعرفت عليه طوال حياتك، سواء كانوا أناساً طيبين أو سيئين، لذا تشعر بالحاجة إلى التواصل مع شخصٍ ما بصورةٍ ما”.

في هذه المقالة، يتضح أنَّ اكتشاف الدين هو في الأساس آلية للتكيف، وطريقة لصياغة الهوية المشتركة في عالم السجون، الذي لا تحكمه سوى قوانين الغابة.

يقول كينيدي إنَّ لهذا، في كثير من الأحيان، تأثيراً إيجابياً يمكن أن يفتح سبلاً لإعادة التأهيل، فهو يمد السجناء بشيءٍ من الاتزان، ويعطيهم حافزاً للبقاء بعيداً عن المخدرات والكحول.

ويضيف: “لا أعتقد أنَّها آلية سيئة للتأقلم في حقيقة الأمر، لكنَّ البعض يظن ذلك. لو فكرت في الأمر، فإنَّها تمنحهم بعض الأمل من وجهة نظري”.

لا يوجد أي بيانات فعلية عن عدد النزلاء الذين اعتنقوا الإسلام في السجون، لكنَّ أفضل المعلومات المتاحة للجمهور تأتي من تعداد أُجرِيَ عام 2013 على سجناء نيو ساوث ويلز، الذي يشير، على عكس الشائع، إلى أنَّ المسلمين لا يزالون أقلية، فقد أظهر التعداد أنَّهم يُمثِّلون نحو 9.3% من تعداد سجن الولاية مقارنة بنسبة 3.2% في نيو ساوث ويلز.

في حين أنَّ الروايات المتناقلة تشير إلى ازدياد نسبة معتنقي الإسلام.

يزور روبي مايستراتشي، الذي يعمل في التواصل المجتمعي لدى المجلس الإسلامي في كوينزلاند، السجناءَ المسلمين في منطقة بريزبن الكبرى بصفة أسبوعية، ويعتقد أنَّ هناك اتجاهاً واضحاً بين المحتجزين نحو اعتناق الإسلام.

التفكير التأملي

يقول مايستراتشي: “من دون أدنى شك، تصلنا باستمرار أسماء جديدة لأفرادٍ اعتنقوا الإسلام حديثاً، أو أسماء آخرين يرغبون في اعتناقه. يُضاف اسم أو اسمان إضافيان على الأقل كل أسبوعين إلى قائمتنا”.

ويقول إنَّ السجن، كونه خالياً من الضغوط الاجتماعية والمالية، يشجع على التفكير التأملي.

ويضيف: “عندما يضطر هؤلاء الرجال إلى الجلوس وتأمل أفعالهم، أعتقد أنَّهم سيشعرون بندمٍ كبير على ما فعلوه، وأعتقد أنَّهم أثناء ذلك يبدؤون في رحلة السعي لالتماس غفران الناس والقوة العليا”.

ويشمل دور مايستراتشي توفير الإرشاد للسجناء المسلمين أثناء احتجازهم وبعد الإفراج عنهم، بمن فيهم المعتنقون الجدد، أو الذين يفكرون في اعتناق الإسلام، ووفقاً لقوله: “إنَّنا نبذل قصارى جهدنا لضمان أن يجدوا طريقة للعثور على وظيفة وعيش حياةٍ طبيعية، ويظلون بعيداً عن المتاعب ويبقون خارج السجن”.

الخوف من التطرف مبالغ فيه

لا يساور مايستراتشي أي قلق إزاء توجُّه السجناء المسلمين إلى التطرف، ويعتقد أنَّ خوف الناس من ذلك “مبالغٌ فيه في الأغلب”.

يقول: “آخر ما يقلقني بشأن هؤلاء الإخوة في الداخل، وفقاً لتعاملاتي المنتظمة معهم، هو أن يتطرفوا أو يتشددوا أو يستخدموا الدين بطريقةٍ خاطئة.. إنّني فقط لا أرى أي علامات تشير إلى أنَّ ذلك يمثل مشكلة حقيقية”.

اتجه بعض الخبراء إلى أبعد من ذلك لفهم ديناميات ظاهرة اعتناق الإسلام في السجون، إذ يعمل سجنان بالقرب من العاصمة الفلبينية، مانيلا، كمركز دراسة حالة للسلطات الإصلاحية الأسترالية.

تختلف ظروف السجنين -سجن مقاطعة مانيلا وسجن نيو بيليبيد- تماماً عن تلك الموجودة في أستراليا، وتتميز هذه المراكز بالاكتظاظ الشديد، ونشوب نزاعات دائمة بين عصابات المحتجزين، وبقاء السجناء لفترات تتخطى مدد احتجازهم، ومئات المجرمين الإرهابيين، معظمهم من جماعة أبو سياف والجماعة الإسلامية.

على مدار السنوات العشر الماضية، درس كلارك جونز، الباحث في الجامعة الوطنية الأسترالية، السجنين وآخرين غيرهما في 9 دول أخرى في جنوب شرق آسيا. كان يسعى إلى فهم كيف تتفاعل بيئة السجن مع اعتناق الإسلام والتطرف المحتمل، وكانت نتائج دراسته، التي سينشرها قريباً في كتاب، مدهشة.

اعتناق دين جديد أو الاتجاه نحو التطرف تزداد إذا وضع السجين وسط ظروف أكثر صرامة

وجد جونز، حسب تقرير الغارديان، أنَّ احتمالية اعتناق دين جديد أو الاتجاه نحو التطرف تزداد إذا وضع السجين وسط ظروف أكثر صرامة، لكن كلما كان المحتجز أكثر ورعاً، قلت احتمالية تحوله لمتطرفٍ، أو إساءة تصرفه وراء القضبان.

وكشفت النتائج عن وجود مناطق رمادية في الجدال حول تطرف السجون.

قال جونز إنَّ الدين ليس السبب الوحيد في تطرف السجناء، فالتطرف ينتج عن مجموعة معقدة من العوامل تشمل خصائص بيئة السجن، وثقافة السجناء، والحواجز الاجتماعية، والحاجة الأساسية للبقاء.

وأضاف: “في رأيي، بالنظر إلى ما حدث في الفلبين وفي بلدان أخرى في جميع أنحاء العالم، أنَّه كلما ازدادت الظروف المحيطة بالسجناء قسوةً، صاروا أكثر عدائية، ما يزيد في النهاية من فرص اتجاههم للتطرف”.

وتابع: “لا يعني التطرف بالضرورة أن تذهب وتفجر شخصاً ما، إنَّما يعني في كثير من الأحيان: “الانتقام من النظام، والانتقام من الأوباش الذين احتجزوني””.

ويوافق جونز على أنَّه من غير المفيد المغالاة في خوفنا من خطر التطرف في السجون، ويقول إنَّه لا توجد أمثلة حقيقية على أنَّ الأستراليين أصبحوا متطرفين وراء القضبان، أو أنَّهم يهمون بشنِّ هجماتٍ إرهابية.

ويوضح: “هناك أمثلة شحيحة جداً تُعد على الأصابع، تشير إلى أنَّ التطرف في السجون هو السبب وراء الأعمال الإرهابية”.

وفقاً لجونز وكينيدي، يفقد معظم الذين اعتنقوا الإسلام في السجن إيمانهم بمجرد إطلاق سراحهم وعودتهم إلى دوائرهم الاجتماعية المعتادة، لكنَّ جونز يحذر من تجاهل الخطر تماماً.

فيقول: “من الخطير القول بأنَّ التطرف لا يحدث”.

تقول حكومة نيو ساوث ويلز، إنَّ عدد السجناء المشتبه في تبنّيهم آراء متطرفة أو راديكالية قد زاد “قليلاً” خلف أسوارها، لكن زيادته تتماشى مع زيادة عدد السجناء بصورةٍ عامة. يقبع هؤلاء السجناء في مركز سوبرماكس الإصلاحي لإدارة المخاطر المرتفعة، وهو وحدة أمنية قصوى تقع داخل المجمع الإصلاحي المترامي الأطراف في غولبرن، جنوب غربي سيدني.

وتنوي حكومة الولاية استثمار نحو 47 مليون دولار على مدار 3 سنوات لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف في سجونها، وستذهب الأموال إلى برامج لفك ارتباط السجناء الذين وُجد أنَّهم أكثر عرضة لخطر التطرف.

وضمَّ البرنامج الفيدرالي لفكِّ ارتباط السجناء وإعادة إدماجهم، الذي يسمى “نموذج الدعم المتكامل الاستباقي”، 15 سجيناً من نيو ساوث ويلز، منذ أن بدأ في عام 2016.

وقالت المتحدثة باسم الخدمات الإصلاحية: “في السنوات القليلة الماضية، وضعت الخدمات الإصلاحية في نيو ساوث ويلز تركيزاً أكبر على التعرف على السجناء المعرضين لخطر التطرف”.

موظفون يراقبونهم

وأضافت وفق الغارديان: “يُراقب موظفون ذوو خبرة مدرَّبون تدريباً جيداً السجناءَ المشتبه في تبنِّيهم آراء متطرفة، أو الذين اتجهوا للتطرف بالفعل، عن كثب، ثم يفصلونهم عن السجناء الآخرين إذا لزم الأمر”.

لكنَّ جونز يعتقد أنَّ هناك مخاطر في عزل المجرمين الذي اتجهوا بالفعل للتطرف عن بقية السجناء، وهو النهج الذي لا تتبعه ولاية فيكتوريا بأستراليا، حيث يجري تفرقة المتطرفين عن بعضهم، أي نشرهم في أرجاء السجن.

وقالت متحدثة باسم المركز الإصلاحي في ولاية فيكتوريا، إنَّها تفرق السجناء “حيثما كان ذلك ممكناً عملياً”، و”وفقاً لمستوى تقديرهم للخطر والاحتياجات الفردية”.

وأضافت: “يهدف هذا النهج إلى منع تعزيز الآراء المتطرفة على يد السجناء الذين يتبنون آراء مشابهة. وبدلاً من ذلك، يشجع ولاء السجناء على مواجهة أيديولوجياتهم المتطرفة، وتعلم العيش باحترام مع غيرهم المنتمين إلى خلفيات وأديان مختلفة”.

وقالت إنَّ أي سجين يحاول إمالة الآخرين نحو التطرف يوضع سريعاً في بيئةٍ أكثر تقييداً ​​للحد من تأثيره.

وتتبع الفلبين النهج ذاته، حيث تدمج بعض سجونها السجناء الإرهابيين مع السجناء الآخرين، وتفصلهم سجونٌ أخرى عن بعضهم.

ويقول جونز إنَّ تكثيف عدد مرتكبي الأعمال الإرهابية في الجناح ذاته هو أمر خطير وله نتائج عكسية، ويمكن أن يزيد من خطر التطرف والهجمات، ويضيف أنَّ المملكة المتحدة قد تعلمت هذا الدرس حينما عزلت أعضاء الجيش الجمهوري الأيرلندي.

يقول جونز: “نحن نتجه حقاً إلى مسار خطير، وأوجه كلامي إلى المركز الإصلاحي في نيو ثاوس ويلز والحكومة”.

وأضاف: “ليست الفلبين فقط المعرَّضة للخطر، فبسبب أننا نحتجز المجرمين الإرهابيين بطرق مختلفة في أستراليا، وذلك بالنظر إلى النموذج الفيكتوري مقابل نموذج نيو ساوث ويلز، أود أن أقول إنَّنا سنرى نتائج مماثلة هنا في أستراليا”.

وتابع: “هذا لا يعني أن نتساهل مع المجرمين الإرهابيين، فهناك مجرمون إرهابيون يحتاجون إلى إجراءاتٍ خاصة”.

لكنَّ التزام حكومة نيو ساوث ويلز باستراتيجيتها أثبت فاعليته.

إذ قالت متحدثة باسم مركز الخدمات الإصلاحية في نيو ساوث ويلز، إنَّ استراتيجية الاحتواء والفصل أثبتت أنَّها “شديدة الفاعلية”، منذ بداية العمل بها في عام 2005.

وأضافت: “ليس ثمة دليل يشير إلى أنَّ إبعاد المتطرفين عن بعضهم وسيلة فعالة لاحتواء هذا الخطر. يمكننا وضعها في عين الاعتبار، وأحياناً ما يجري العمل بها في المركز عندما يكون هناك انخفاض واضح في عوامل الخطر المرتبطة بالفرد، فقد نُشر بعض مرتكبي جرائم الأمن حين قل مستوى خطرهم عن ذي قبل”.


الاخبار والمواد الواردة في موقع "سيدر نيوز" لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارته او العاملين انما تعبر عن رأي مصدرها الذي يتحمل كامل مسؤوليتها للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات: info@cedanews.net
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com