Home » العالم اليوم » ليس الخميني من زرع في رأس الإيرانيين حكاية أيادي خارجية تتلاعب بالبلاد.. القصة قبل نحو 2350 عام وإليك تفاصيلها

حمَّل المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي “أعداءَ” أجانب لم يُسمِّهم مسؤولية الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اجتاحت بلاده على مدار الأسبوع الماضي، مُعرِّضاً بذلك المتظاهرين لخطر اتهامات التجسس أو الخيانة.

يستحضر هذ الاتهام ذكرياتٍ قديمة لدى الكثير من الإيرانيين، الذين خضعت بلادهم لسنواتٍ طويلة للتدخُّل الأجنبي، بدءاً من الانقلاب الذي قاده الأميركيون والبريطانيون في الخمسينيات، وصولاً إلى الجهود الحديثة التي تبذلها الولايات المتحدة وإسرائيل لتدمير البرنامج النووي الإيراني. ولم يُسهم دعم الرئيس دونالد ترامب العلني للمحتجين إلا في تعزيز الشكوك حول تورط يدٍ أجنبية في الاحتجاجات، وفق ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

كيف يمكن للحكومات الأجنبية أن تدعم المحتجين ؟

وفي حين لا تُوجَد أي أدلة على وقوف حكوماتٍ أجنبية خلف الاحتجاجات، تحاول العديد من البلدان الآن أن تُقرِّر كيف يمكنها دعم هدفٍ تتشاركه مع الكثير من المتظاهرين، وهو الوصول إلى حكومةٍ إيرانية أقل فساداً وأكثر ديمقراطية وانفتاحاً.

حثَّت وزارة الخارجية الأميركية الثلاثاء 2 يناير/كانون الثاني على عدم تقييد الوصول إلى الشبكات الاجتماعية مثل إنستغرام، ومنصات التراسل مثل تيليغرام، التي استخدمها المحتجون لنشر وإيصال رسائل التجمُّعات المناوئة للحكومة. بل وشجَّعت الوزارة الإيرانيين على استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) لتجاوز الرقابة الحكومية، وهي النصيحة التي رأى الإيرانيون فيها تدخُّلاً في شؤونهم.

وقال دبلوماسيون ومحللون إنَّ ثمة نقاشات تدور في عواصم بريطانيا وإسرائيل وبلدان أخرى حول كيفية دعم المتظاهرين.

ويقول مسؤولو الاستخبارات الأميركية والمراقبون للشأن الإيراني إنَّ الاحتجاجات بدأت من تلقاء نفسها.

وعلى حد قولهم، لا تتطابق التظاهرات -المنتشرة على نطاقٍ واسع وغير متبلورة في شكلٍ مُنظَّم- مع الأسلوب الذي استخدمته الاستخبارات الغربية للقيام بعملياتٍ سرية في إيران، أي العمليات الممتدة كثيفة الموارد التي تُركِّز على الهدف المُحدَّد والقابل للقياس المُتمثِّل في تدمير برنامج الأسلحة النووية المزعوم.

السخط واسعٌ تجاه الحكومة

ويُضيفون أنَّ الأدلة في الوقت الراهن تشير إلى عاملٍ واحد مُحفِّز للاحتجاجات: السخط الواسع تجاه الحكومة.

وقال مئيرجافيدانفار المحاضر في الدراسات الإيرانية بمركز هرتسيليا للدراسات البينية في إسرائيل: “لستَ بحاجةٍ لاستخباراتٍ أميركية أو إسرائيلية أو بريطانية لإقناع الشعب في إيران أنَّ هناك نخبة حاكمة صغيرة تسيطر على اقتصاد البلاد وتُخرِّبه”.

وقال مسؤولٌ سابق في الاستخبارات الأميركية إنَّه من غير المعقول أن تتمكَّن وكالة أجنبية من تنظيم احتجاجاتٍ في عشراتٍ من المدن دون أن تكون الحكومة الإيرانية على درايةٍ بالأمر قبل حدوثه. وبالإضافة إلى ذلك، تتجنَّب وكالات الاستخبارات الغربية العمليات التي تعتمد على التظاهرات الجماهيرية وتنطوي على مخاطر عالية بالفشل ولا يمكن التحكم فيها بسهولة على حد قول المسؤول.

وقالت سوزان مالوني نائبة مدير برنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكنغز والمستشارة السابقة لمسؤولين كبار بوزارة الخارجية الأميركية في الشؤون الإيرانية: “بالتأكيد لا يملك الغرب عناصر داعمة على الأرض للقيام بمثل هذا النشاط، تماماً كما هو الحال مع خصوم إيران الإقليميين”.

إيران تتهم الخارج

ولكن لم يمنع هذا المنطق المسؤولين الإيرانيين من الإشارة بأصابع الاتهام إلى الخارج.

ففي يوم الأربعاء،3 يناير/كانون الثاني، أعلنت الحكومة إلقاء القبض على مواطنٍ مجهول الهُوية من دولة أوروبية لم تُحدّدها “خضع للتدريب على يد منظمات تجسس في أوروبا”، وذلك وفقاً لما أوردته وكالة تسنيم الدولية للأنباء.

واتَّهمت إيران أيضاً السعودية مُنافِستها الإقليمية الرئيسية بإثارة الاضطرابات. وصرَّح علي شمخاني أمين مجلس الأمن القومي الإيراني يوم الثلاثاء لمحطةٍ تلفزيونية لبنانية بأنَّ السعوديين مسؤولون عن 27% من كل الهاشتاغات المعادية لإيران على تويتر.

وقال: “الهاشتاغات والحملات الموجودة على الشبكات الاجتماعية بخصوص الوضع في إيران كلها في الحقيقة مُوجَّهة من السعودية والمملكة المتحدة وإسرائيل والولايات المتحدة”.

لكنَّ شمخاني لم يقدم أي دليل يدعم ادعائه.

ورفض مسؤولٌ استخباراتي أميركي الادعاء الإيراني بوجود يدٍ للسعودية في الاحتجاجات، قائلاً إنَّه سيكون من الصعب على السعوديين، أو حلفائهم في الإمارات، أن يُنظِّموا انتفاضةً في إيران. وأضاف المسؤول الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هُويته أنَّه لا يوجد أي بلدٍ عربي يمتلك مجموعة من المتحدثين باللغة الفارسية، أو روابط مع قوةٍ معارضة وكيلة، أو العمق البشري اللازم لمثل هذه العمليات.

مع ذلك، يمكن لأي عددٍ من الدول أن تحاول تقديم المساعدة للمحتجين بمجرد بدء الاحتجاجات.

مخاوف إيران متجذرة منذ آلاف السنين

المخاوف الإيرانية من التدخُّل الأجنبي عميقة ومتجذِّرة، وتعود إلى الإسكندر الأكبر، الذي غزا ما كان يُعرَف آنذاك بإمبراطورية فارس في عام 330 قبل الميلاد تقريباً. ولطالما اعتبرت المؤسسة الأمنية الحديثة في إيران أنَّ أكبر التهديدات للبلاد تأتي من الخارج، ويُعَد الاعتقاد بأنَّ الولايات المتحدة ترغب في تغيير الحكومة أمراً بديهياً. والدليل على ذلك، كما يعرف أي طفل إيراني في المدرسة، هي مؤامرة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عام 1953، والمعروفة باسم “العملية أجاكس”، التي أطاحت برئيس الوزراء الإيراني وأعادت تثبيت الشاه محمد رضا بهلوي.

ومنذ عام 2006 على أقل تقدير، قامت الولايات المتحدة وحلفائها بسلسلةٍ من الهجمات الإلكترونية والهجمات الأكثر تقليدية ضد أهدافٍ إيرانية، بهدف محاولة عرقلة برنامج البلاد النووي. ونجحت العمليات الأميركية المعروفة باسم “الألعاب الأوليمبية” و”نيترو زيوس” في تعطيل المئات من أجهزة الطرد المركزي الإيرانية اللازمة لتخصيب اليورانيوم.

وفي عام 2012، قال فريدون عباسي أبرز مسؤولي الطاقة النووية الإيرانيين إنَّ انفجاراتٍ منفصلة أرجعها إلى عملياتٍ تخريبية استهدفت إمدادات الطاقة لاثنين من مرافق تخصيب اليورانيوم الرئيسية في البلاد. ونجا عباسي نفسه بصعوبة مما وصفه المسؤولون الإيرانيون بأنَّه محاولة اغتيال في 2010، حين ألقى أشخاصٌ مجهولون يستقلُّون دراجةً بخارية في وسط طهران قنبلةً باتجاه سيارته.

وقال رئيس وكالة الطاقة الذرية الإيرانية في ذلك الوقت إنَّ المهاجمين قَتلوا عالماً كان يُدير أحد برامج الوكالة. وأُصيب عباسي وزوجته في الهجوم.

وحمَّلت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية تلك الهجمات. لكنَّ الولايات المتحدة نفت مسؤوليتها عن ذلك، ولم ترد إسرائيل على الاتهامات.

وحين واجهت إيران آخر حركاتها الاحتجاجية الكبرى المعروفة بالحركة الخضراء في عام 2009، ألقت الحكومة القبض على آلاف النشطاء والقادة السياسيين المناهضين للحكومة، مُتَّهِمةً إيَّاهم بأنَّهم جواسيس أجانب.

ووجَّهت قوات الأمن نفس الاتهام لمجموعات المتمردين.

حركة جند الله وأميركا

إذ اتُّهِمت حركة جند الله -وهي حركة سُنيّة من الأقلية العِرقية البلوشية في إيران أعلنت مسؤوليتها عن تفجيراتٍ أسفرت عن مقتل العشرات من الأشخاص- بأنَّ لها صلاتٍ مع حركة طالبان وتنظيم القاعدة والولايات المتحدة.

وفي عام 2010، بثَّ التلفزيون الرسمي الإيراني بياناً لزعيمٍ أسير من حركة جند الله قال فيه إنَّه حصل على وعدٍ من الولايات المتحدة بتقديم دعمٍ عسكري. ونفت الحكومة الأميركية أي صلةٍ لها بالحركة.

واستغلت حركة مجاهدي خلق الإيرانية المُعارِضة علاقتها مع العديد من كبار المسؤولين الأميركيين –مثل المديرين السابقين لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جيمس وولسي وبورتر غوس، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق لويس فريه- للمساعدة في حذفها من قائمة التنظيمات الإرهابية بواسطة وزارة الخارجية الأميركية. ودعا مسؤولون أميركيون آخرون واشنطن لدعم الحركة.

تُشجِّع مثل هذه التصريحات الشكوك داخل إيران في إمكانية أن يكون أي شخصٍ أجنبي جاسوساً. وحين سافر مزدوجو الجنسية بشكلٍ خاص إلى إيران لزيارة أفراد عائلاتهم وإجراء بحوثٍ أكاديمية أو توسيع أعمالهم، انتهى بهم المطاف في السجن بتهمة التجسس.

ففي عام 2017، خسر سياماك نامازي المسؤول في قطاع النفط ووالده الثمانينيّ الإيراني-الأميركي باقر استئنافهما على إدانتهما بـ”التعاون مع دول معادية”. وأُلقي القبض على زيو وانغ الطالب الصيني-الأميركي من جامعة برينستون في عام 2016 واتُّهِم بـ”التعاون مع حكوماتٍ أجنبية”، وهي التهمة التي نفاها وانغ.

وسواءٌ كانت هناك أي صحة لتلك الاتهامات أم لا، فإنَّ العواقب حقيقية تماماً. إذ يقول عُميد ميماريان المحلل السياسي الإيراني المقيم في نيويورك إنَّ وصف المحتجين بأنَّهم مُحرِّضون وجواسيس أجانب يُشكِّل تحذيراً للطبقة العامِلة والمواطنين الريفيين الذين يُمثِّلون جزءاً كبيراً من المتظاهرين.

ويضيف: “يبعث ذلك إشارةً بأنَّ الأمر سيكون مكلفاً جداً لك كي تنضم للتظاهرات. فقد يعني ذلك دخول السجن لسنواتٍ أو ما هو أسوأ. لكن من السذاجة إلقاء اللوم على الأعداء الخارجيين. فالمظالم حقيقية، والاحتجاجات حقيقية، إنَّها تُظهِر أنَّ الناس لم يعد لديهم الكثير ليخسروه”.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com