ورد الآن
الرئيسية » العالم » انهيار أمريكا في المستقبل القريب… هل هو واقع أم خيال؟

أمريكا نحو 50 ألف مصنع توقفت عن العمل في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الأخيرة، ونحو 25 مليون مواطن أمريكي تعجز الدولة عن منحهم فرصة عمل لائقة.
هذه الأرقام عرضها، عام 2012، الكاتب والمخرج الأمريكي بيتر نافارو Peter Navarro، في فيلم وثائقي شهير يحمل عنوان “الموت بأيدٍ صينية” Death by China.
الخوف من صعود الصين
ويقدّم نافارو مجموعة أخرى من الحقائق كارتفاع مديونية الولايات المتحدة للصين (هي حالياً نحو 1.3 تريليون دولار من أصل نحو 19 تريليون دولار). ويعتبر أن هذه الأرقام هي نتيجة الغزو الممنهج للبضائع الصينية غير القانونية والمدعومة حكومياً للسوق الأمريكية منذ عام 2001.
بيتر نافارو ليس الوحيد الذي تحدث عن مؤشرات تدل على أضرار جسيمة لحقت بالاقتصاد الأمريكي وتهدد ازدهاره، بسبب الصعود السريع والمستمر لجمهورية الصين الشعبية.
هنالك أيضاً ويليام كريستول William Kristol، الكاتب المعروف بتوجهاته الفكرية التي تنتمي إلى معسكر “المحافظين الجدد”. فقد سبق له أن وصف، في جريدة “ويكلي ستاندارد” Weekly Standard، الصين الشعبية بالبربرية المنظمة التي يجب أن يتخذ السياسيون في أمريكا مواقف أكثر شدّة تجاه مخاطرها على بلادهم.
ينتمي ويليام كريستول وبيتر نافارو إلى فئة المفكرين الأمريكيين الذين يُطلق عليهم لقب الـ”بلو تيم”، وهي فئة تحذّر من التوسع المتسارع للاقتصاد الصيني على حساب نظيره الأمريكي، ومن تزايد القوة العسكرية الصينية باعتبارها ستكون خطراً قد لا يمكن احتواؤه وستوثر على المصالح الأمريكية في دول العالم الثالث.
أمريكا كدولة من العالم الثالث
وكانت صحيفة هافنجتون بوست قد نشرت مقالاً يعرض 11 كتاباً لمفكرين غربيين، منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى الآن، يتحدثون فيه عن الانحسار المتزايد للطبقة الوسطى في أمريكا.
حتى أنه صدر كتاب بعنوان “أمريكا كدولة من العالم الثالث” Third World America لأريانا هافنجتون Arianna Huffington وفكرته المحورية هي أن أكثر ما يميّز دول العالم الثالث هو تضاؤل حجم الطبقة الوسطى أو اختفاؤها، وهذا ما بدأت الولايات المتحدة تنحدر نحوه منذ عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان.
وعام 2009، أكدت نان موني Nan Mooney في كتاب بعنوان Not keeping up with our parents أن الأعمال النموذجية المناسبة لأفراد الطبقة الوسطى في أميركا كالعمل في الفنون والتعليم والوظائف الخدمية لم تعد تدرّ على أصحابها مداخيل لائقة، في حين صار الحصول على مثل هذه الوظائف يتطلب من الفرد دفع تكاليف باهظة في التعليم العالي.
هل تتحقّق النبوءة؟
قبل عشر سنوات من انهيار الاتحاد السوفياتي تنبّأ المفكر الأوروبي إيمانويل تود Emmanuel Todd بذلك. وعام 2003، أصدر كتاباً تحت عنوان “ما بعد الإمبراطورية” After the Empire تحدث فيه عن سقوط القوة الإمبريالية الأمريكية وفقدانها خاصية كونها أهم المتحكمين بالسياسات الدولية.
يؤكد تود في خاتمة كتابه على أنه ليس من الضروري أن يعني انهيار أمريكا اختفاءها من على خريطة العالم أو تفككها جغرافياً أو حتى تحوّلها إلى دولة فقيرة، بل يعني أن تنفلت خيوط اللعبة السياسية الدولية من بين أيديها، أو بمعنى آخر أن تتحول من المهيمن الأول إلى مجرد طرف فاعل مثلها مثل دول أخرى.
ويشير تود إلى أن أمريكا كانت تتوقع أن تتحول إلى قوة عظمى وحيدة تسيطر على الكوكب وتتحكم في شؤونه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن ما حدث هو أن قوى أخرى صعدت خاصةً بعد تكوّن الاتحاد الأوروبي والتطور الصناعي الكبير الذي أحرزته اليابان، وهذا حال دون ظهور عالم أحادي القطبية.
ورأى أن الصعود المستمر لهذه القوى واحتمالات تحالفها مع قوى أخرى مناهضة للولايات المتحدة كروسيا والصين يجعل من الصعب استمرار الحال على ما هو عليه. فإذا أخذت أوروبا على سبيل المثال في اعتبارها تعزيز القيمة العالمية لليورو أكثر، فربما تصبح عملتها في يوم ما نداً قوياً لسيطرة الدولار على الأسواق الدولية.
تكتيكات أمريكا الذكية
ويعتبر تود أن الولايات المتحدة تلجأ إلى بعض التكتيكات الذكية للإبقاء على نفسها قوةً رئيسية، من خلال ممارسة بعض الأدوار المزيّفة ومن ثم إقناع العالم بضرورة الإبقاء عليها في موضع الصدارة من أجل ممارسة هذه الأدوار.
ويقول إنها تظهر أحياناً في مظهر الراعي الأول للديمقراطية في العالم، فتشنّ الحروب على ديكتاتوريات ضعيفة للتأكيد على هذه الصورة، وتهدد بالحرب دولاً قليلة التأثير بوصفها محور الشر في العالم. ولكنّها من ناحية ثانية تتحالف مع أنظمة سلطوية. وأخيراً عدّت نفسها الراعي الأول لمحاربة الإرهاب.
وبرأي تود، إن “لجوء أمريكا إلى مثل هذه الأساليب لا يثبت سوى عجزها عن تقديم ما كانت تقدمه في السابق للعالم”، فأمريكا “لم يعد لديها بالفعل ما تقدمه سوى إثارة الحروب والقلاقل”.
هل هذا حقيقي؟
مقابل الكتابات الكثيرة التي تتحدّث عن أفول القوة الأمريكية، هنالك كتابات كثيرة تتحدث عن استمرار أمريكا في لعب دور القوة الأبرز في العالم.
يلخّص أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة جهاد عودة هذه الكتابات بتأكيده أن أمريكا بالفعل لن تبقى القوة الوحيدة المتحكمة بالسياسات الدولية، ولكنها ستحتفظ في المدى المنظور بمقام الصدارة.
ويرى أن طبيعة القوة الأمريكية معقدة ولها عدّة أبعاد. فهي مزيج من القوى الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية بالإضافة إلى سلطة جهاز إعلامي مؤثر جداً وشبكة مصالح مع الدول الصناعية الكبرى.
ويعتبر أن تلاحم هذه القوى يجعل أمر قرب انهيار أمريكا المزعوم صعباً. ففي حالة تراجع مؤشرات أحد هذه الأبعاد وهو أمر يحدث بالفعل من حين إلى آخر، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، فإن الأبعاد الأخرى لمنظومة القوة تعمل على تعويض ذلك.
ويرى أستاذ العلوم السياسية العراقي كمال عبد المجيد أنه لا يمكن الحديث عن أفول أمريكا من منطلق النظريات التي تتحدث عن انهيار الامبراطوريات القديمة. فالامبراطورية الرومانية انهارت حينما انقضّ عليها نظام أكثر تطوراً منها على المستوى الاقتصادي وهو الدولة العثمانية. وكذلك انهارت الأخيرة إثر هجوم أمبراطوريات أكثر حداثة حلت بثورتها الصناعية محل النظام القديم القائم على الإقطاع الزراعي. أما في حالة الولايات المتحدة، فلم يظهر إلى الوجود نظام اقتصادي أقوى من هذا الذي تنتهجه.
كذلك، فإن من مصلحة الدول الأوروبية الكبرى الإبقاء على دور الولايات المتحدة كذراع قوي يمهّد الطريق أمام الشركات الضخمة لاجتياح دول العالم الثالث، وشبكة المصالح هذه ربما تحول دون الأفول المتوقع لأمريكا في المستقبل القريب.


Tags:

الاخبار والمواد الواردة في موقع "سيدر نيوز" لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارته او العاملين انما تعبر عن رأي مصدرها الذي يتحمل كامل مسؤوليتها للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات: info@cedanews.net
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com