Home » اراء, سوريا » إيران الانهيار القريب

بدأ تأثير العقوبات الأمريكية على إيران سريعاً جداً , فمن انهيار كارثي للاقتصاد الإيراني إلى استجابة غالبية الحلفاء الاقتصاديين لهذه العقوبات والإعلان فوراً عن الانسحاب من السوق الإيرانية , حيث أعلنت أكثر من مئة شركة أجنبية استعدادها لمغادرة إيران ,ما يُفاقم هول الوضع في إيران وهذا ما جنته إيران على نفسها , فإيران لم تستجب لمطالب المجتمع الدولي بالالتزام بكينونة الدولة وعدم التدخل بشؤون الغير وإثارة القلائل ونشر الفوضى وإنشاء الكيانات الموازية داخل الدول ودعم الإرهاب بكافة أشكاله (المسلّح والاقتصادي) إضافةً إلى تأجيج النزاعات الطائفية في المنطقة وخلخلة استقرار المجتمعات المستقرة لعقودٍ من الزمن .
إيران تُراهن على تغيير المسار الاقتصادي …
تذهب إيران بعيداً في مخيلتها وتحاول أن تبدو واثقة بالنجاة من هذه الأزمة معتمدةً في ذلك على حلفاء “بصيغة إسعافية” وتعوّل في حلولها هذه على بعض الدول مثل (روسيا – الصين – الهند – وكوريا الشمالية) الأمر الذي يُظهر تخبطاً كبيراً بالتحالفات الإستراتيجية وارتجاجاً في منطقية التفكير لدى الجانب الإيراني .
– فروسيا لن تُغامر بوضعها الدولي الجديد واعتبارها شريكاً مهماً للأسرة الدولية في قضايا وملفات حساسة جداً , فضلاً عن أن روسيا تبحث عن مكاسب وشراكات (جيوسياسية و جيواقتصادية) جديدة , وقمة هلسنكي الأخيرة خير دليل على ذلك وإذا ما اختارت روسيا الانحياز لإيران فهي حتماً ستفقد كل هذه الشراكات .
– وأما الصين والتي ربما تُعتبر طوق النجاة الوحيد لإيران ( ولو بشكل آني ) لأنها تعتبر إيران مصدراً مهماً للطاقة النفطية , حيث أن الصين تستورد ربع الناتج النفطي الإيراني , ومازال الموقف الصيني ضبابياً وحساباته معقدة جداً (حتى الآن) بسبب الرسوم الجمركية المفروضة على الصين من قبل الولايات المتحدة , على تبادل تجاري يصل لأكثر من 500 مليار دولار, ولكن وبالحسابات الاقتصادية فالصين حتماً لن تستطيع إنقاذ الاقتصاد الإيراني وذلك لارتباط الصين الكبير بالمصارف الأمريكية وسندات الخزينة الأمريكية , ولكنها (أي الصين) ستحول الورقة الإيرانية لوسيلة ضغط على الإدارة الأمريكية لاستثمار الكثير من المكاسب الجيو اقتصادية , معتمدةً في ذلك على اعتراف الرئيس الأمريكي ترمب في إحدى المناسبات حين قال: (لقد خسرنا الحرب الاقتصادية مع الصين ولكننا نبحث عن نصرٍ آخر) , ومن هنا ستقبل الصين ولو بشكل بطيء هذه الشراكة الاقتصادية الأمريكية لدرء الخطر التنافسي المحتمل في قيادة شرق أسيا والقادم من الهند “المدعوم أمريكياً” , وتأجيل الرغبة الأمريكية بتحويل الهند إلى مركز (قيادة الشرق) بدلاً من الصين مع توفير كافة الشروط لذلك .
– أما الهند ودورها القادم على المسرح العالمي خصوصاً في أسيا والمحيط الهادئ فقد طلبت من الإدارة الأمريكية إذناً وبعض الوقت للتخلي عن إيران وهو ما يُعتبر استجابة تامة للعقوبات الأمريكية , لأن الهند لن تُضحي بتبادل اقتصادي كبير مع الولايات المتحدة بلغ أكثر من مئة مليار دولار (وهو في صعود مستمر) وبرنامج الإبتعاث لطلابها الذي تخطى مئة ألف مبتعث هندي سنوياً في الجامعات الأمريكية يُساهمون بشكل كبير في تطوير نهضة الهند العلمية و الصناعية والاقتصادية , وهاهي تخرج باكراً من الحسابات الإيرانية .
– أما كوريا الشمالية العائدة إلى الأسرة الدولية عن طريق البوابة الأمريكية (ولو بشكل مشروط) فمصالحها مع الولايات المتحدة الأمريكية أكبر بكثير من إيران وهي حتماً ستتخلى عن إيران مقابل رفع العقوبات الأمريكية عنها مع إعادة تأهيلها دولياً .
تركيا والسياسة الحمائية …
لا شك بأنَّ تركيا تلعب دوراً مهماً في حماية التوازن الإقليمي وتتطلع لأن تكون دولة توازن عالمي , مستفيدةً من موقعها الجغرافي الهام واقتصادها القوي وازدهار صناعاتها العسكرية والتجارية والإستراتيجية ومركزها كثاني قوة في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة , وإذا ما نظرنا إلى الماضي القريب سنجد أنَّ تركيا لعبت دوراً محورياً في مساعدة إيران (مصرفياً وتجارياً ونفطياً) قبل إبرام صفقة الاتفاق النووي , ولكن تركيا الأمس ليست تركيا اليوم , فتركيا الأمس كانت تبحث عن رافدٍ مالي قوي “بمواصفات مُعيّنة” يُساعدها في نهضتها الاقتصادية والصناعية وكان لها ما أرادت , وأما تركيا اليوم فهي العضو الهام في الـ (G20) وهي الدولة الطموحة لدخول الاتحاد الأوربي ودولة التوازن الإقليمي وصاحبة التحالفات الإستراتيجية العالمية واللاعب الأساسي في “المعضلة الشريرة” كما أسمتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون في كتابها (خيارات صعبة) , بكل هذه المؤهلات ستكون تركيا هي الرابح الأكبر من هذه العقوبات ضد إيران , فتركيا الماهرة بالموازنة بين دبلوماسية المصالح ودبلوماسية المواقف , ستكون جانب استرضاءٍ أمريكي لزيادة الضغط على إيران , وهاهي الزيارات الدبلوماسية التركية لواشنطن قد بدأت منذ الأمس , فأمل الانحسار الإيراني في المنطقة سيسمح لتركيا بالتمدد سياسياً ولعب دور أكثر أهمية مما سبق وأما اقتصادياً فملف إعادة الإعمار سواءً في سوريا أو العراق قد أصبح على طاولة الاهتمام العالمي وتركيا تتلهف له بشدة , وما عليها الآن إلا إعداد التراتيل لأضحية هذا العام .

المهندس / فهد الرداوي
الأمين العام
لتيار التغيير الوطني السوري

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com