ورد الآن

«بيروت» … القصة العربيّة بعيون أميركيّة شديدة الانحياز والجهل

عزف شجي على الكمان، ولقطات لمدينة ما يفترض أنها «بيروت»، مع صوت خارج الصورة، يتحدث عن تعايش اليهود والمسلمين والمسيحين، وما يسببه ذلك من فوضى. الصوت لديبلوماسي أميركي يدعي مايسون ـ جون هام ـ يقيم حفلة، مع التشديد على المظهر «العربي»، شخص بملابس خليجية، امرأة في إطلالة «كلثومية»، مفردات عربية على لسان زوجة الديبلوماسي نادية (تلعب الدور الفرنسية من أصل جزائري ليلى بختي).

بناء قصة ما…

جاءت «الحفلة» في هذا الفيلم المعنون «بيروت»، كمشهد استهلالي بديلاً رمزياً للمؤتمرات الدولية والرسمية، التي يلتقي فيها الأضداد حذرين ومؤطرين بالرسميات، بينما الحفلة تجعلهم متحررين في حوارات ودّية. ويصبح الديبلوماسي الأميركي في مثابة الرئيس والحكم بين سائر الضيوف الأضداد، والأكثر فهماً لتعقيدات العاصمة اللبنانية وكواليسها. لكن علينا أن نأخذ في حسباننا أن الحوار «الودي والعفوي» ليس ودياً ولا عفوياً. بل ليس ثمة حوار لتبادل الرؤى، وحده الديبلوماسي يعطي خلاصة تصوّراته التي سيضعها الشريط ، لاحقاً، موضع التحقق. بدءاً من إشارته الأولى تظهر فداحة الأغلاط التاريخية، إذ يتحدث عن بيروت وتعايش «اليهود والمسيحيين والمسلمين»، مُصراً على التصنيف الديني، وحين يجد نفسه مستفيداً أكثر من تصنيف الجماعات والمجموعات قوميّاً، كفلسطينين وإيرانيين مثلاً، يلجأ إلى ذلك، لكن بما يخدم الدعاية الإسرائيلية.

صحيح أنه في بعض اللحظات التاريخية للمنطقة كان لليهود وجود في شكل عابر، بما في ذلك مملكتهم الصغيرة جداً (يهوذا والسامرة)، لكن منطقة الهلال الخصيب كلها، ولقرون طويلة، كانت – من قبلهم ومن بعدهم – بلاد الساميين (الشاميين)، ومنهم الكنعانيون (الفينقيون). بمعنى أن المنطقة تنتمي إلى الشعب ذاته (بغض النظر عن تغيّر الديانات والمذاهب واختلافها)، فإعادة بناء القصة كتعايش فوضوي ودموي بين ثلاثة أديان، تهدف الى غرس موطئ قدم للقصة التوراتية المبالغ جداً في تاريخيتها!

هكذا يواصل مايسون محاضرته على ضيوفه كخبير تاريخ وأديان، مُعرّفاً لبنان بأنه «سكن من دون مالك»، وأن الشيء المشترك بين «المستأجرين» «موهبتهم في الخيانة»، لذلك استمرت الحروب والقتل والفوضى بينهم طيلة عشرين قرناً!

من الصعب القبول بمنطق أن لبنان كانت سكناً بلا مالك، لأنه ببساطة – كان وما زال – ملك شعبه السامي… كما لا يمكن القبول بأنه منطقة قتال وفوضى منذ ميلاد المسيح.

لكن هذا ما يريده وما يتصوّره مايسون، قبل أن يتطرق إلى الفلسطينيين بوصفهم «لاجئين» طرقوا الباب في ليلة ماطرة عاصفة، للاحتماء، فاختلف في شأنهم «المستأجرون»، وبعد إدخالهم اكتشفوا أنهم لا يريدون سوى حرق المنزل «الإسرائيلي» المجاور!

طريقة دمج الفلسطينيين في الفيلم تؤكد أنهم «الطارئون» على «المنزل» وليس الإسرائيليين. وتشير إلى أن عدوانيتهم تتواكب مع رغبتهم في حرق من استقبلوهم! وهنا ينهي الديبلوماسي حواره قائلاً لضيفه غير المرئي (جمهور الفيلم): «مرحباً بك في بيروت»!

تلك خلاصة القصة، كما عرضها المشهد الاستهلالي في الدقائق الأولى، قبل أن تظهر إشارة الى أن العام هو 1972.

بيروت القندهارية!

إذاً، تبدأ أحداث الفيلم عقب عملية ميونخ ضد الإسرائيليين في أولمبياد 1972، حيث يكتشف مايسون أن الصبي الفلسطيني (كريم) الذي تبنته زوجته نادية، هو شقيق رافد أبو الرجال أحد المتورطين في العملية. وخلال مقطع بوليسي، تهاجم مجموعة مقنعة بيته ويتم خطف كريم وقتل نادية، وسط فوضى وغموض، ثم يقفز الزمن عشرة أعوام، ليظهر مايسون في بوسطن كمفاوض تجاري، مع أنه يعيش حياة أقرب إلى العزلة والسكر.

بهذه الطريقة طرح الشريط «ثلاث مقدمات»، قبل أن تنطلق حبكته، عندما يستيقظ «الماضي» طالباً عودة البطل إلى بيروت.

ولم يوفّق المخرج براد أندرسون في اختيار المغرب كفضاء للتصوير، إذ عجز كلياً عن تقديم أية صورة جادة لبيروت «ست الدنيا»، على رغم أن الفيلم يحمل اسمها! أو لمطارها البدائي كأنه في صحراء أفغانستان زمن طالبان.

ربما الشيء الوحيد المقبول درامياً، الإشارة إلى صراعات الاستخبارات في كواليس العاصمة التي أضحت وكراً للجواسيس.. عمليات خطف واغتيال، دخان ودمار وفوضى ما بعد الحرب الأهلية، على رغم افتقار الصورة المعتمة معظم الوقت، الى أية قيم جمالية مرتبطة بالمكان.

وفي مشهد دال على الفوضى البصرية والثقافية، تظهر على الشاطئ شابة ترتدي ثياب البحر ويمر أمامها «جملان».. وفي الجوار امرأة في نقاب أسود، وسيارة عسكرية! وهكذا يفيدنا الفيلم بأنه على رغم الدمار، فإن الحياة لم تمت على شاطئ البحر وفي علب الليل وحفلات السفارات!

ثمة رسالة مقبولة درامياً وإنسانياً، عما خلّفته الحرب من أهوال، لكنها ضلّت طريقها بسبب عجز الفيلم أساساً عن رؤية جمال بيروت وخصوصيتها، حتى وهي تحت وطأة الحرب والاحتلال، فتقريباً كل تفصيلة بصرية، كانت في مثابة تزييف أو اختلاق لبيروت قندهارية لا وجود لها إلا في خيال صناع الشريط!

بين كريم وكال

على رغم الطابع التشويقي للفيلم، بدا بطيئاً كأنه يبحث لنفسه عن مسار وإيقاع، فالاستخبارات الأميركية دبّرت عودة البطل بعد أن كان منسياً، للتفاوض في شأن صديقه القديم «كال» الذي كان يدير نشاطاً استخباراتياً واسعاً، إلى أن وقع في قبضة جماعة فلسطينية. فهل الهدف إنقاذ حياته أم الخوف مما لديه من «معلومات»؟ هل «كال» من طلب توسيط صديق الأمس؟

ماذا سيكون رد فعل مايسون حين يصل إلى مخبأ الخاطفين ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام كريم، ابنه بالتبني الذي فقده قبل عشر سنوات، وقد أصبح شاباً خطراً يطلب منه استبدال كال بأخيه رافد؟

عطفاً على استهلال الفيلم، عن الفلسطينيين الذي دخلوا لحرق منزل الجار الإسرائيلي، تبلغ العقدة ذروتها برفض الجانب الإسرائيلي مقايضة رافد الفلسطيني مقابل كال الأميركي. (على رغم أن الاستخبارات الأميركية ليست متأكدة من وجوده في حوزة الإسرائيليين)، لكن إقحام إسرائيل في صلب الحبكة، يحقق ثلاثة أهداف: أولها، تكريس قصة رافد الإرهابي حيث يُسرد للأميركان (ولجمهور المشاهدين) العديد من عملياته الإرهابية ضد إسرائيليين «أبرياء» في مواقع كثيرة جداً وليس فقط في ميونخ!

وثانيها، تعميم نموذج الفلسطينيين كـ»إرهابيين»، سواء على نحو فردي، أو كجماعات ومنظمات.. وليس كمناضلين لديهم قصة أخرى لما يجري في المنطقة.

وثالثها، تمرير صورة إسرائيل كمدافعة عن نفسها يحق لها اعتقال أمثال رافد وتصفيتهم، كما يحق لها بالطبع احتلال لبنان مع انفلات خطر الجماعات المعادية لها، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية.

نظرة استشراقيّة… صهيونيّة

لا يتمتع الفيلم بقيمة فنية كبيرة. وعلى رغم إدانته الخفيفة لكواليس الجاسوسية، في ما يتعلق بأميركا وإسرائيل وغيرهما.. لكن الصورة على مدار الشريط، ليست مجرد نظرة استشراقية مثلما وردت في مئات الأفلام الهوليوودية التي تكرس صورة نمطية للعرب كهمج وخونة وحيوانات شهوانية، بل هي نظرة صهيونية لديها برنامج سياسي محدد.

فلا توجد أسئلة جادة عما تفعله استخبارات الدول الكبرى في بيروت أساساً، ولا من يمول تلك الجماعات البائسة بالأسلحة والتقنيات الأميركية والأوروبية! فهذه الجماعات الطافية على السطح، ليست سوى «ضحايا وأدوات» لشبكات استخباراتية كبرى يتحكم في مفاصلها أقوياء بقفازات ناعمة وأقنعة باسمة.

وعلى المتفرّج أن يصدق مع نهاية الشريط، أسطورة الديبلوماسي الأميركي بوصفه «البطل المنقذ» الحزين لما ارتكبه «المستأجرون» من جرائم في حق بلدهم… كما عليه أن يصدق طيلة 109 دقائق، أنه كان يشاهد شوارع بيروت وحاراتها، على رغم الحكمة المعروفة بأن أي فضاء مزعوم لبيروت، لا يصدح فيه صوت فيروز، لا يعول عليه!
الحياة

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com