Home » العالم اليوم, مميز » البقرة الأم ورشفة الشراب.. أشياء لا تعبر عنها الأرقام ولذلك تحتاج لمقاييس غريبة

هل تستطيع أن تحدد درجة حرارة الفلفل الحار، أو شدة نسيم البحر، أو قوة أعراض المرض. إنها أشياء لا تُقاس بالأرقام، ولكن البشر وضعوا لها مقاييس مختلفة تُعرف بـ “المقاييس النوعية»، التي قد تبدو غريبة وعامية في أحيان كثيرة، حسبما ورد في تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC.

إلى أي مدى تُعَدُّ قطعة الألماس أكثر صلابة من معدن الكوارتز؟ إذا كانت الهنيهة زمناً طويلاً، فهل اللحظة أقصر منها، ويبدو الوارهول (مقياس لفترة الشهرة) أسرع من كليهما؟

عالم المقاييس مليء بالغرائب، ولكن في كل الأحوال تساعدنا المقاييس في قياس العالم المادي؛ فنحن نعتمد بمعظم الأحوال لمقارنة الكميات على مقاييس كمية؛ أي قياسات رقمية تكشف عن التكرار والكمية.

مثل البوصة والقدم والياردة والميل؛ والأونصة والكوارت واللتر والغالون؛ والثواني والدقائق والقرون والسنين الضوئية، جميعها مقاييس كمية. لكن، ماذا عن المقاييس النوعية؟

“البقرة الأم».. المقاييس النوعية مضحكة وغريبة ولكنها ضرورية أيضاً

المقاييس النوعية تُعنى بقياس خصائص ملحوظة، وإن لم تكن بالضرورة رقمية، ويمكننا استخدامها طوال الوقت.

يحسب مؤشر البقرة الأم قيمة الأرض بناءً على عدد الأبقار الحوامل التي يمكن أن تتحملها

أحياناً تكون المقاييس النوعية مضحكة، وكثيراً ما تكون بالغة الغرابة، لكنَّها لا تقل أهمية عن المقاييس الكمِّية فيما يتعلق بتخيُّل العلاقات بين الخصائص ووضع معايير للأفكار.

تتراوح تلك المقاييس بين حرارة الفلفل الحار، ومروراً بقساوة المعادن وأنسام المحيط، ووصولاً إلى شيء يُسمّى مؤشر البقرة الأم (الذي استُخدِمَ بالسابق في معاملات العقارات بجنوب غربي الولايات المتحدة الأميركية؛ وهو مؤشر يحسب عدد البقرات الحوامل التي يمكن لفدانٍ من قطعة أرض ما أن يغذيها).

لماذا يلجأ البشر إليها رغم أنها قائمة على التخمين؟

تسمح لنا المقاييس النوعية بتمييز المتغيرات في ظل شُح المعلومات الكميِّة أو انعدامها تماماً.

وغالباً ما تكون تلك الوحدات غير المعتادة للقياس عامِّية، وتسمح بعقد تقييمات ومقارنات سريعة فقط.

حيث أن الغراب يطير، فهي طريقة أنيقة لوصف أقصر طريق بين الأماكن

وتقوم المقاييس النوعية على التخمين أو مقاييس شعبية مثل حساب أقصر مسافة مباشرة بين نقطتين فيما يُعرف باسم “As the crow flies»، أو “كما يطير الغراب».

فمن دونها سنعاني المرض فترة أطول

ومع ذلك، لا تزال المقاييس النوعية تثبت فائدتها وأهميتها مرةً تلو الأخرى.

إذ من دونها كنا سنعاني لتصوير الأفكار ذات الصلة بالألم (يمكن للطبيب أن يطلب من مريض أن يحدد شدة الأعراض التي لديه)، أو درجة شدة أحوال الطقس (مثلما يفعل مقياس بوفورت).

ويساعدنا التاريخ، عند حسابه من حقبة عشوائية مثل حقبة قبل الميلاد أو بعد الميلاد، في فهم الزمن، في حين يوجهنا قياس الاتجاه بالدرجات من الشمال الحقيقي أو الشمال المغناطيسي في العالم المادي.

ورغم أنها أصعب من الكمية فإننا نحتاجها دوماً

وتعد المقاييس الكمِّية أسهل في تقييمها؛ إذ إنَّها في واقع الأمر مقارنات بمعيارٍ معلوم.

فالمقاييس من قبيل كيلومتر مربع، أو ملعقة صغيرة من السكر، أو محاضرة مدتها ساعة، مقاييس غير متغيرة بشكلٍ أساسي.

درجة الحرارة تتبع درجات محددة، ولكن من الصعب رؤية التغييرات بين الدرجات

أما المقاييس النوعية فهي غير ثابتة. ومع ذلك، فلا المقاييس الكمية ولا النوعية دقيقة بنسبة 100%؛ فكلاهما مقيدٌ بمساحة الشك في تعريفات الوحدات نفسها.

وإذا نظرنا إلى جوهر أي وحدة قياس حقيقية، فسنجد أنَّها عشوائية. ومع ذلك، تستمر الحاجة الإنسانية الكامنة في التقييم وتحديد الكم والمقارنة، وبذلك نسعى على الدوام لإيجاد طرق جديدة لوصف معايشتنا للعالم.

نسيم البحر يبدأ قياسه من الزجاج

في عام 1805، أراد السير فرانسيس بوفورت، المسَّاح البحري الإيرلندي في سلاح البحرية الملكية البريطانية، أن يجد طريقة لقياس أنسام المحيط بشكل أكثر دقة.

وسجَّل في مفكرته عن كل يوم قضاه على متن سفينة “إتش إم إس وولويتش» قوة الرياح وظروف البحر، بدءاً من المد الهادئ ووصولاً إلى العواصف العنيفة. واليوم يُستخدم مقياس “بوفورت 0» للدلالة على سكون سطح المحيط وكأنَّه من الزجاج، في حين يعني مقياس “بوفورت 12» وجود أمواج متلاطمة ورياح عاصفة وموجات بقمم بيضاء وانعدام الرؤية إلى حدٍ بعيد.

وبين هذين الحدين توجد الأنسام اللطيفة والأنسام المنعشة والأنسام المعتدلة (أجل، جميعها قوى مختلفة لنسيم المحيط). ربما يكون بوفورت أول من وضع مقياساً نوعياً حديثاً: أي مقياسٌ يحمل فيه ترتيب القيم دلالة، وإن كان الحد الفارق بين كل قيمة وما يليها غير معروف على وجه الدقة.

الحد الفاصل بين “الخبير» و»المتوسط» يخبرك عن الفرق بين نوعي المقاييس الكمية

بشكلٍ عام، يمكن تقسيم المقاييس النوعية إلى فئتين: القياسات الترتيبية (التي يمكن فيها ترتيب القيم بترتيب ذي معنى)، أو القياسات المُدرَّجة (التي يمكن فيها ترتيب القيم بطريقة ذات معنى، مع وجود أهمية للفرق بين القيمتين).

على سبيل المثال، يفوق الزلزال الذي تبلغ شدته 6 درجات على مقياس ريختر في قوته هزة أرضية صغيرة شدتها 3 على المقياس نفسه. وهو ما يعني أنَّ ترتيب شدة الزلزال يحمل أهمية، وأنَّ الفواصل ثابتة أيضاً، أي إنَّ مقياس ريختر مقياسٌ مُدرَّج.

أما الدرجات على غرار “مبتدئ» و»متوسط» و»متقدم»، فهي ترتيبية. مَن يستطيع أن يحدد الفرق الدقيق بين مبتدئ وخبير، أو موضع انتهاء أحد التصنيفات وبداية الآخر؟ بعبارة أخرى: المقاييس الترتيبية تسمح بوجود فرق بين العناصر، لكنَّها لا تحدد نسبة هذا الفرق بينها.

فوجود تقييم “راضٍ تماماً» في مقياس خدمة العملاء لا يعني زيادة بـ3 أضعاف عن تقييم “راضٍ بعض الشيء»؛ وحتى الفرق بين درجتي الحرارة 10 و20 درجة مئوية ليس قياساً بديهياً، وإن كان كمياً. يحاجج البعض بأنَّ تلك القيود تجعل المقاييس النوعية أقل فاعلية بطبيعتها.

كما أنها تختلف من شخص لآخر

“ثمة أشياء يمكننا قياسها، وأشياء لا يمكننا قياسها. وحتى مع الأشياء التي يمكننا بالفعل قياسها، فإنَّ هذه القدرة محدودة بدرجةٍ معينة»، حسبما يقول أندرو هانسون، الباحث الأول في المختبر الفيزيائي الوطني في المملكة المتحدة.

يعمل هانسون باحثاً في علم القياس الناعم (soft metrology)؛ أي إنَّه يدرس القياسات ذات الصلة بالمقاييس الحسية مثل اللون والضوء، وهي قياسات كمية وذاتية في آنٍ واحد.

لا يمكن لأي شخص أن يرى الضوء فوق البنفسجي أو تحت الأحمر، لكن حتى الظلال والدرجات التي تبدو على الطيف المنظور تظهر بشكلٍ يختلف بين شخصٍ وآخر؛ وهو فرق له تبعاته على أرض الواقع.

فألوان إشارات المرور ليست متماثلة لدينا

لنأخذ -على سبيل المثال- إشارات المرور، التي ينبغي أن تبدو إما حمراء وإما خضراء وإما صفراء.

الطريقة التي نرى بها سطوع تلك الإشارات الملونة غير خطّية

فالطريقة التي نرى بها سطوع تلك الإشارات الملونة غير خطّية: فالتغييرات الرقمية في المدخلات (الواط) لا تُترجم دائماً إلى العين المجردة أو الخبرة البشرية.

ويشرح هانسون: “لكي يتم إقرار مقياس، يجب أن يتفق الجميع على وحداته والفروق بين درجاتها».

ويبدو أنَّ المقاييس النوعية تحظى بقبول وموافقة على الصعيد العالمي، على الرغم من أن تلك المقاييس ليست دائماً خطية أو حسابية.

النموذج الأشهر.. كيف يقاس الفلفل الحار؟

لنأخذ -على سبيل المثال- مقياس سكوفيل. يقيس هذا المقياس، الذي سُمِّي باسم صاحبه الصيدلي الأميركي ولبر سكوفيل، حرارة الفلفل الحار.

غير أنَّ المقياس لا يقيس في واقع الأمر مقدار الحرارة أو الكابسيسين في الفلفل؛ بل يشير إلى عدد عمليات التخفيف اللازمة لإخماد حريق اشتعل بفعل الكابسيسين.

فلفل الهابانيرو -على سبيل المثال- ينبغي تخفيفه ما بين 3500 إلى 8000 مرة، في حين لا يلزم تخفيف الفلفل الحلو العادي على الإطلاق. ولأنَّ مذاق الكابسيسين يختلف بين لسانٍ وآخر، خرج ائتلاف تجارة التوابل الأميركي بحلٍّ يقضي بقياس حرارة الفلفل باستخدام وحدات سكوفيل للحرارة، وهي طريقة وُضِعَت كمعيار موحد عام 1998. وأشد أنواع الفلفل حرارة في العالم لا تخرج من بين نوعي كارولاينا ريبر ودراغون، الذي وصلت درجته إلى 3 ملايين وحدة سكوفيل.

ومقياس الشراب يتغير من مدينة أميركية لأخرى

بعد كل هذا الحديث عن الحرارة، ربما حان الوقت للحديث عن شرابٍ بارد.

والرشفة هي مقياس حجم الشراب في الولايات المتحدة والذي يتغير بين مدينة وأخرى وولاية وأخرى حسب التشريع المعمول به فيها.

لكن، ربما يتغير حجم زجاجة الويسكي بين حانة وأخرى، أو حتى شدتها.

وجرى تحديد معيارٍ موحد لقياس درجة الكحولية في المشروبات مؤخراً (فحتى القرن العشرين، كانت المشروبات تخضع للتقييم بخلطها مع البارود واختبار الخليط لإثبات أنه قابل للإشعال).

وعادةً ما يُستخدم مقياس “الرشفة» لتقييم المشروبات القوية حين تكون الكمية المقدمة والمستهلكة أقل من المقاييس الشائعة لـ»المشروب» الكحولي وهو»الكأس المقدمة»، وكلاهما مقياس نوعي في حد ذاته.

واستدل اللورد كيلفن، الذي سُميت إحدى وحدات القياس باسمه، بالقول: “إذا عجزنا عن قياس شيء بالأرقام، فهذا يعني أنَّ المعرفة التي لدينا غير كافية وضئيلة». لكن في بعض الأحيان لا تفي الأرقام بالغرض، وحينها تتدخل المقاييس النوعية.

والأغرب استخدام قاعة ملكية لقياس القمامة والسفن لحساب جَمال النساء

تلك المقاييس هي ما يتيح لنا التعبير عن حجم بالوعة الحوض في صورة “حافلة ذات طابقين». وهي التي تسمح لنا باستخدام تعبيراتٍ من قبيل “قاعة ألبرت الملكية» لوصف مقدار النفايات الموجودة في مكب قمامة (يبلغ حجم هذه القاعة الكبيرة في لندن ما بين 3 إلى 3.5 مليون قدم مكعبة).

أصبحت Royal Albert Hall مختزلة لمساحة كبيرة – لأنه من السهل رؤيتها

بل إنَّ هذه المقاييس تساعدنا في قياس مقدار الجمال. ويكفي استخدام وحدة هيلين واحدة لإطلاق 1000 سفينة (وهي وحدة مشتقة من هيلين طروادة).

والهيلين هي وحدةٌ قياس روحيةٌ مستقاة من الإلياذة بناء على وصف هيلين الطروادية، بأن لديها “وجهاً أَطْلَقَ 1000 سفينة». وهكذا تُستخدم هيلين لقياس كميات الجَمال من حيث تأثيره المفترض في الواقع.

في حين يستخدم مقياس “موه» لقياس صلادة المعادن ومقاومتها للخدش. والقياس، كمياً كان أو نوعياً، أمر أساسي لجميع جوانب النشاط البشري.

فهل يأتي اليوم الذي نعبر فيه عن سعادتنا وآلامنا بالأرقام؟

“القياس هو مقارنة شيء غير معلوم بشيء معلوم»، حسب هانسون.

وكلما كان القياس أفضل، كان العلم أفضل والهدر أقل والدقة أكبر في مجالاتٍ مثل الهندسة والرعاية الصحية، وهو ما يعني بدوره جودةً أفضل للحياة. ربما نتمكن يوماً ما من التعبير عن أفكارٍ مثل الألم والسعادة في صورة أرقام، لنحوّل بذلك القياسات النوعية إلى مقاييس كمية حقيقية.

لكن في الوقت الراهن، تساعدنا القياسات النوعية في ترجمة الأفكار التي يستحيل التعبير عنها في صورة حسابية من المنظور التخيلي: مثل طول مربع سكني، أو مساحة متنزه غراند كانيون، أو فتحة براد الشاي أو سرعة ضربة البرق، أو مقدار همسةٍ في الظلام.

اقرأ أيضاً:

ما سنذكره معقد بعض الشيء لكن الفيزيائيين يعتقدون أن هذه النظرية قد تكون “نظرية الكون»

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com