Home » العالم اليوم, مميز » سجون أوروبا تُولِّد الإرهاب.. النموذجان الألماني والبلجيكي يقدمان وجهتي نظر مختلفتين عما يمكن فعله لتلافي هذه المشكلة

عندما ذهب بنيامين هيرمان إلى السجن بتهمة الاعتداء والسرقة في عام 2003، كان مراهقاً كاثوليكياً من الضواحي الهولندية. وعندما سُمِحَ له بالخروج لقضاء يومين في المنزل في شهر مايو/أيَّار، كان قد اعتنق بوضوح أفكار الحركات الإسلاموية. وفي غضون ساعات من إطلاق سراحه المؤقت، قتل اثنتين من ضابطات الشرطة واستخدم أسلحتهما المسروقة لقتل سائق سيارة على الطريق.

هذا التحوَّل الذي حدث لهيرمان ليس أمراً شاذاً، إذ أصبحت سجون أوروبا معقلاً للتطرف الإسلاموي خاصةً مع عودة 1500 من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من الشرق الأوسط ومواجهة الملاحقة القضائية، بحسب ما تحكيه أماندا إريكسون في مقال لها بصحيفة The Washington Post الأميركية.

توماس رينارد، الخبير البلجيكي في شؤون الإرهاب والباحث في معهد إيغمونت الملكي للعلاقات الدولية في بروكسل، قال: “لم يكن لدينا أبداً هذا العدد الكبير من الأشخاص المقبوض عليهم بتهم تتعلق بالإرهاب، ولم نر أبداً مثل هذا العدد الكبير من هؤلاء الأشخاص في السجن معاً. بوضعهم معاً في مكانٍ واحد، نحن نقوم بتسهيل قدرتهم على تجنيد آخرين. وهذا شيء سيظل معنا لفترةٍ طويلة».

وقالت إريكسون إن اثنتين من زملائها، وهما سعاد مخينيت وجوبي واريك، قضتا شهوراً في زيارة السجون في جميع أنحاء أوروبا لفهم كيف يتحول الأشخاص إلى متطرفين، وما تحاول الدول في القارة القيام به لمنع حدوث ذلك.

يتضمن مقالهم نظرةً داخل زنزانات السجون في بلجيكا وألمانيا، اللتين تبنَّتا استراتيجياتٍ متباينة بشكلٍ حاد. وتحدثت نشرة Today’s WorldView، التي تصدرها صحيفة The Washington Post الأميركية والمُخصَّصة للشؤون الخارجية، مع واريك عن تقاريره، وكذلك عن تقارير مخينيت.

تسأل Today’s WorldView جوبي واريك: أنت تكتب أنَّ السجون أصبحت آخر ساحة قتال في المعركة المستمرة ضد الإرهاب المستوحى من الحركات الإسلاموية. لماذا تساعد السجون بشكلٍ خاص على نشر التطرف؟

وكانت إجابته أن السجون على مدار تاريخ الحركة الإسلاموية الحديثة عملت كحاضناتٍ للجماعات الإرهابية.

فعاليات إحياء إحدى عمليات العنف التي وقعت في مدينة برزكس

وأضاف أنه عندما ينقطع الأفراد المتطرفون عن الأسرة والتأثيرات المعتدلة الأخرى ويتعرضون لما يرون أنَّه عقابٌ غير عادل، غالباً ما يصبحون أكثر غضباً وأكثر أصولية. ويجدون أنفسهم داخل السجون محاطين بالشباب المضطرب الذين يبحث عن هويةٍ وقضية.

بالتالي، يصبح السجن بالنسبة للمتطرفين فرصةً لتعميق التزامهم الأيديولوجي، بينما يساعد أيضاً في تدريب وتجنيد الجيل القادم.

التطرف ليس أمراً جديداً، ولا تزال جهود إعادة التأهيل مستمرة منذ سنوات. ما الجديد أو المهم في كلا الموضوعين في عام 2018؟

رد واريك موضحاً أن الأمر الجديد يتعلق جزئياً بمسألة نطاق وحجم هذا التطرف. إذ يضم العدد الحالي من السجناء في أوروبا مئاتٍ من الذين سافروا إلى سوريا للقتال في صفوف تنظيم داعش أو تنظيم القاعدة، أو ليكونوا جزءاً من دولة الخلافة.

وأوضح أنه سُجن كثيرون ممن عادوا إلى ديارهم على الفور، وهناك خطورة كبيرة من أنَّ يسعى بعضهم إلى تجنيد آخرين، أو يحاولوا تنفيذ هجمات بعد إطلاق سراحهم. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ النسخة الأيديولوجية الإسلاموية التي يتبناها بعض هؤلاء العائدين هي أكثر تطرفاً وعنفاً، مقارنةً بما رأيناه في الماضي.

في قصتك، أنت تركز على السجون في بلجيكا وألمانيا. كيف تبدو المشكلة في الأجزاء الأخرى من أوروبا؟

قال واريك إنهما ركزا على بلجيكا وألمانيا لأنَّ كلا الدولتين شهدتا سفر أعدادٍ كبيرة من مواطنيهم إلى سوريا والعراق.

كان لدى بلجيكا على سبيل المثال نسبة أكبر من المهاجرين المنتمين لداعش بالنسبة لعدد السكان في أوروبا. لكن تواجه العديد من البلدان الأخرى نفس المشكلة، وتحاول تجربة حلول مختلفة.

الشرطة الفرنسية خلال إحدى عمليات المداهمة

طوَّرت فرنسا على سبيل المثال جهاز استخبارات يعمل داخل سجونها لمحاولة اختراق الخلايا الإرهابية وتعطيلها. وتسعى بلدانٌ أخرى إلى منع عودة هؤلاء المتطرفين إلى أوطانهم على الإطلاق. وتدرك كل دولة تماماً العواقب السياسية المحتملة إذا غادر عضو سابق في داعش السجن ثم ارتكب عملاً إرهابياً.

كيف حاول المسؤولون الأوروبيون محاربة التطرف؟

أجاب واريك أن ما اكتشفاه هو أنَّ البلدان ليست لديها حلولٌ جاهزة، لذلك هي تخترع أساليب ومناهج جديدة للتعامل مع المشكلة في الوقت الحالي. تختلف الحلول بشكلٍ كبير من بلدٍ أو منطقة إلى أخرى في كثيرٍ من الأحيان.

على سبيل المثال، طوَّرت بلجيكا برنامجاً يُعرف باسم “DeRadex»، يعزل أكثر السجناء تطرفاً عن بقية السجناء الآخرين، ولا يسمح لهم إلا بالتواصل المحدود ببعضهم فقط. لا يسعى نهج بلجيكا إلى “القضاء على التطرف» في حد ذاته، فهي تجادل بأنَّ السجون ليست مجهزةً فعلاً لتغيير أيديولوجية الفرد، ولا يمكنها إلا أن تأمل في تثبيط العنف.

في المقابل، ترفض ألمانيا فكرة عزل السجناء الذين يتبنون أيديولوجياتٍ أصولية، وتختار بدلاً من ذلك برنامجاً مكثفاً للمرقبة والرصد والتدخل لمنع التطرف من الحدوث. ويقول المسؤولون في كلا البلدين إنَّهم لا يملكون حتى الآن بياناتٍ كافية لمعرفة أيٍ من الأساليب تنجح حقاً.

على مدار فترة إعداد تقريرك، وجدت أنَّ المسؤولين الأوروبيين أصبحوا أكثر عدوانية بشأن سجن أشخاصٍ لهم صلات بالإرهاب. لكن في المستقبل القريب، سيخرج كل هؤلاء الرجال والنساء تقريباً من السجن. إذا كانت تكتيكات نزع التطرف لا تعمل، فما هي أكبر المخاطر عند إطلاق سراح هؤلاء الأشخاص؟

كان رده أن هذا ما يؤرق نوم المسؤولين الأوروبيين في مجال مكافحة الإرهاب ليلاً. هناك حوالي 1500 عائد، نساء وأطفال وكذلك رجال، في جميع أنحاء أوروبا. وقد عاد بعضهم بالفعل إلى أحيائهم، وأولئك الموجودون في السجن يقضون عقوباتٍ تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات في الحالات التي لا يوجد فيها دليل قاطع على السلوك العنيف.

يقول الخبراء إنَّ هناك احتمالية كبيرة بأن يبقى عددٌ قليل من هؤلاء السجناء على نفس القدر من الالتزام بالولاء لتنظيم داعش وأيديولوجيتها وقت إطلاق سراحهم.

ما الموقف المُتَّخذ من جانب السياسيين الأوروبيين؟

قال إن الدول الأوروبية اهتزت بعمق جراء الهجمات الإرهابية عامي 2015 و2016، وكذلك بسبب أزمة اللاجئين. كانت الضرورة السياسية لوقف الإرهاب مهما كان الثمن وراء العديد من القوانين الجديدة الصارمة التي أقرتها البرلمانات الأوروبية خلال السنوات الثلاث الماضية.

هم يحاولون بشكلٍ أساسي ضمان أنَّ أي شخصٍ ينضم إلى الجهاد في العراق أو سوريا سيُتهم بجريمةٍ ويوضع في السجن. تحظى هذه القوانين بشعبيةٍ كبيرة لكنَّها لا تفعل الكثير لمعالجة تحدي التطرف طويل الأجل الذي تواجهه العديد من هذه البلدان. سيتضمن الحل سنواتٍ من الاستثمار في مجالاتٍ مثل التنمية الاقتصادية والتعليم، وحتى الآن لم يظهر أي توافق سياسي بشأن هذا النوع من الإصلاحات.

المقالة سجون أوروبا تُولِّد الإرهاب.. النموذجان الألماني والبلجيكي يقدمان وجهتي نظر مختلفتين عما يمكن فعله لتلافي هذه المشكلة ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com