Home » العالم اليوم, مميز » كواليس تكشف لأول مرة عن حرب الخليج.. طلاب أميركيون سافروا لبغداد قبل ساعة الصفر وهذه مهمتهم التي دمرت العراق

في خريف عام 1990، انطلقت حلقة دراسية غير اعتيادية في إحدى جامعات واشنطن. إذ طُلب من طلابها أن يجمعوا ما يمكنهم من معلوماتٍ عن المباني المنتشرة في كل أنحاء العراق، من قصور إلى مخازن ومستودعات، ومن متاحف إلى مخابئ.

يُرجَّح أنَّ الطلبة أُخبروا بأنَّ عملهم كان محاولةً لتوثيق الأعمال المعمارية التي قد تُنسى في غياهب التاريخ خلال الحرب الوشيكة، بل والمساعدة في المحافظة عليها. وكانت القوات الأميركية تحتشد في الخليج العربي، وكان غزو العراق وشيكاً.

بيد أنَّ ما لم يعرفه هؤلاء الطلبة أنَّ برنامجهم التدريبي كان جزءاً من عمليةٍ تجريبية أميركية لجمع المعلومات الاستخباراتية سعت وراء جمع الوثائق المعمارية الحساسة، مثل المخططات والرسوم البيانية والصور، عن الأهداف المحتملة في عراق صدام حسين. وبدلاً من إنقاذ هذه البنايات استُخدمت أبحاث الطلاب للمساعدة في تدميرها بفاعليةٍ أكبر.

بيانات الطلاب هذه ساعدت أميركا في توجيه صواريخها

صدام حسين

عندما انطلقت عملية عاصفة الصحراء بعد أشهر قليلة في يناير/كانون الثاني 1991، كان هناك سببٌ لتمكّن القوات الأميركية من توجيه كل صاروخ نحو نافذة محددة في بغداد: فقد عرفوا تماماً أين تقع هذه النافذة. وساعد طلبة الهندسة المعمارية في واشنطن بكل عفوية في استهداف هذه المباني.

تفاصيل هذه القصة التي ينشرها موقع the dailybeast عرفتها من محلل متقاعد عمل في إحدى وكالات الاستخبارات الدفاعية الأميركية، تحدث بصورةٍ غير رسمية لذلك ستبقى هويته مجهولة.

لم تكن هذه تفاصيل تافهة!

وفسّر الرجل المسألة بقوله إنَّه قبل بدء عمليات المعركة، أطلقت الدوائر الاستخباراتية للولايات المتحدة جهوداً للحصول على مخططاتٍ لـ»كل مبنى في العراق». فقد أرادوا معرفة موقع وتجهيزات كل غرفة ورواق، وكل نافذة وحافة.

لم تكن هذه تفاصيل تافهة. إذ أشار المحلل إلى أنَّ هذا النوع من المعرفة المعمارية كان بالتأكيد سبباً مهماً، وإن جرى التغاضي عنه، في أنَّ الذخائر الأميركية كانت دقيقةً بهذا القدر الذي كانت عليه في المقام الأول.

فالقنابل الذكية الموجهة بالليزر والأقمار الصناعية للنظام العالمي لتحديد المواقع عززتها المعلومات الاستخباراتية المعمارية على الأرض، لتحقق ما كان في هذا الوقت الهجوم الصاروخي الأكثر دقةً في تاريخ العسكرية. كان بمساعدة مجموعة من طلاب الدراسات العليا في واشنطن ما جعله ممكناً.

وبحسب مصدر معلوماتي يُحتمل أن تكون الدورة التدريبية قد دُعِّمت بما أطلق عليه “موازنةً مُساعِدةً للجهود الدبلوماسية».

كان العالم في حالة تقلب فقط سقط جدار برلين قبل عام

وأشار إلى أنَّ دوائر الاستخبارات في هذا الوقت كانت على وشك إعادة هيكلتها. فالعالم كان في حالة تقلب. سقط جدار برلين قبل أقل من عام. وكان الاتحاد السوفييتي يقف على آخر ساق لديه، مع انسحاب بولندا من حلف وارسو وإعلان أستونيا استقلالها خلال ذلك الربيع. بل وحتى التاريخ نفسه كان مُشرفاً على نهايةٍ، حسب الاصطلاح سيئ السمعة للمفكر السياسي الأميركي فرانسيس فوكوياما.

أبحاث مهمة قبل التكنولوجيا الرقمية

وفي هذه الأعوام التي سبقت انتشار التحول إلى التكنولوجيا الرقمية، كانت أبحاث الطلبة كلها تقريباً معتمدةً على مخططاتٍ ورقيةٍ ملموسة ووثائق تشييد مطبوعة. بل إنَّه في مرحلةٍ ما -حسبما يزعم المصدر- أقدمت المجموعة على زيارة ميدانية خارجية إلى الشركات الهندسية الأوروبية التي صممت منشآت صناعية من أجل صدام حسين.

كانت المخططات تُنسخ وتُضاف إلى الأرشيف، وكانت الأوراق البحثية تُكتب وتُستعرَض. وفي هذه العملية تراكمت لدى هؤلاء الطلاب خبرة بسيطة لكنَّها حقيقية حول الهندسة المعمارية العراقية في القرن العشرين.

يقول المحلل: “ابدأ بسؤالٍ جوهري: كيف تُدمر مخبأً؟ ومن ذلك انحدرت سلسلة من الأسئلة الاستخباراتية. على سبيل المثال. كنا في حاجة إلى أكبر كم ممكن من المخططات والرسومات المعمارية لأي شيء شُيِّد في العراق، ونعرف أنَّهم (في العراق) لم يكن لديهم قطاع إنشاءات. فكيف نعثر على المعلومات في مكانٍ آخر؟».

إحدى الاستراتيجيات أيضاً عقد مؤتمر زائف!

يشير المصدر إلى أنَّ إحدى الاستراتيجيات كانت عقد مؤتمر زائف عن التصميمات المعمارية، يركز مثلاً على التشييد والتصميمات في الشرق الأوسط، ثم يجلسون بهدوء في الخلفية ويستغلون عملية التبادل التي تعقب ذلك للحصول على المعلومات.

قد تبدو مثل هذه الخطة شديدة التعقيد، لكنَّها على ما يبدو مألوفة. إذ نشرت صحيفة The Guardian البريطانية في عام 2017 ما صرَّح به الصحفي دانيال غولدن حينما قال إنَّ “وكالة الاستخبارات المركزية أنفقت ملايين الدولارات على عقد المؤتمرات العلمية حول العالم». وزعم أنَّ الوكالة “ترسل ضباطاً إليهم، وتستضيفهم عبر شركاتٍ وهمية في منطقة واشنطن، ما يُمكّن دوائر الاستخبارات من استغلال المعرفة الأكاديمية، وتنظم مؤتمرات زائفة لتصل إلى مُنشقِّين محتملين من البلاد المعادية». فإذا كانت هناك مؤتمرات زائفة، فمن المحتمل أن تكون هناك ندوات طلابية زائفة كذلك.

تدعم مزاعم غولدن ورقةٌ بحثية نُشرتها المجلة الداخلية لوكالة الاستخبارات المركزية عام 1959، وهي مجلة Studies in Intelligence. يصف فيها الكاتب أنتوني زايكوفسكي تكتيكاً يسمى “استغلال الجامعة».

لا يوجد اجتماع ينعقد “صدفة»

يعني استغلال الجامعة بالنسبة لوكالة الاستخبارات المركزية استغلال أستاذ جامعي، بل وربما قسماً بأكمله، يكون عمله المنشور أو سفره الدولي متعلق بخصمٍ محدد بطريقةٍ ما. يفسر زايكوفسكي كيف يجب أن يستغل عميلٌ مبدع لدى وكالة الاستخبارات المركزية المجلات التجارية والمؤتمرات الصحفية لتكون مصادر معلومات، ليس فقط من خلال قراءة الأوراق، بل أيضاً جمع مواد على شاكلة مخططات وخرائط الطوابق.

ينبغي أيضاً أن يضمن العميل لأي أستاذٍ جامعي مستهدف عدم ذكر اسمه. ويسمى هذا “حماية المصدر»، ويمكن أن يكون هذا بكل بساطة في صورة اجتماعات حتى لا يسمعهم مصادفةً الزملاء الرافضون للامتثال لمهامٍ كتلك.

أمَّا بالنسبة للأستاذ الجامعي الذي يقود تلك الدورة التدريبية في مجال الهندسة المعمارية في واشنطن، فيقول المصدر: “ربما لم يلق أي شخصٍ حتى نظرة على منهجه»، وبالتالي فلن يعلم أي شخص ما الذي يجري تحديداً.

بل يمكن أيضاً أن تكون الدورة التدريبية تلقت منحةً لأسبابٍ لم تُفسر كاملةً على الإطلاق، ما يعني أنَّ الأستاذ والطلبة على السواء ربما كانوا على غير علمٍ بالسياق الأوسع المتعلق بأبحاثهم، بما في ذلك الهوية الخاصة بمن كان يتتبع تلك الأبحاث بفعالية.

الطلاب صدقوا فكرة أن ما يقومون به للتعرف على القيمة الثقافية للمباني العراقية

المفارقة أنَّ الظروف الثقافية في تلك الفترة على الأرجح منحت الحلقة الدراسية طابع أنشطة مناهضة الحرب. ولعل هؤلاء الطلبة صدقوا أنَّ عملهم كان لديه هدف يهيمن عليه الوازع الأخلاقي: الغرض من ورائه التعرف على القيمة الثقافية للمباني العراقية، بل ومن أجل جلب الخزي على الجيش الأميركي كي لا يشن هجوماً عليها في المقام الأول.

وهنا يَبْرُز سؤالٌ مثير للاهتمام: هل أدرك الطلاب في أي مرحلة أنَّهم خُدعوا؟ هل ساورتهم الشكوك أو استوعبوا التلميحات؟ أو حتى لاحظوا أي شيء مألوف يتعلق بالأهداف بمجرد بدء عرض الحملة الجوية الأولية على قناة CNN، التي غطاها وولف بليتزر في شبابه.

ربما درسوا مؤخراً رسوماً بيانية لهذا المصنع أو المجمع الحكومي، أو أي بناية يشاهدونها الآن على الإعلام الدولي بينما يجري نسفها. هل اعتقدوا أنَّها محض مصادفة؟

العلاقة واحدة بين الجاسوسية والهندسة المعمارية

دائماً ما كانت توجد علاقة مثمرة بين الهندسة المعمارية والجاسوسية. ففي كتابه Oblique Drawing، يتذكر المؤرخ ماسيمو سكولاري قصةً من حصار فلورنسا عام 1529. عمل مهندس معماري آنذاك يدعى نيكولو داي رافايللو دي بيريكولي، كان معروفاً أيضاً باسم تريبولو، مع أحد المساعدين ليجمع نموذجاً مفصلاً من الفلين لتحصينات المدينة. لم يكن هذا بكل بساطة عملاً أكاديمياً من أجل الدفاعات العظيمة التي جُددت في العشرينات على يد شخصيةٍ مرموقة لا تقل عن مستوى ميكيلانجيلو.

بدلاً من ذلك، هُرِّبَ نموذج تريبولو بنجاح “من المدينة المحاصرة في قطعٍ عديدة أُخفيت داخل حزمٍ من الصوف»، حسبما كتب سكولاري. وبعد ذلك استُخدمت في المساعدة لرسم خطة من أجل تنفيذ هجوم عسكري أكثر نجاعة. لقد كان نموذجاً معمارياً خفياً يخدم حرب الحصار.

يبدو أن الطالب يستطيع الوصول إلى ما لا يقدر عليه غيره

يمكن إخفاء الأسرار العسكرية على مرأى من الجميع، أو بعبارةٍ أخرى يمكن إخفاؤها في مجلد من المخططات داخل حقيبة ظهر لطالب دراسات عليا حسن النية. إذ إنَّ البراءة المفترضة لطالب يأمل في إجراء بحثٍ عن الأعمال الداخلية لأحد المباني تحمل قيمة لأجهزة الاستخبارات لا يجب التقليل من شأنها.

ويمكن أن يكون الفضول بشأن المباني وهياكلها، سواءٌ كانت محطات تنقية مياه أو توليد طاقة أو كباري أو مباني للمكاتب الحكومية، أمراً مريباً في السياق العسكري، لكنَّه ضروري تقريباً في أي مجال تعليمي يتعلق بالهندسة المعمارية. ونتيجةً لهذا، يمكن لأحد طلاب الهندسة المعمارية أن يطلب الدخول إلى الأماكن التي قد تؤدي أي استفساراتٍ يطرحها أي شخص آخر غير ذي علاقة بالهندسة المعمارية إلى إثارة القلق.

بالرغم من أنَّ وكالة الاستخبارات المركزية لديها بلا شك مصادر أفضل من مجموعة غير مدربة من طلاب الدراسات العليا، فالحقيقة كذلك أنَّ استخدام الطلاب للوصول إلى بنايات أو أعمال بنية تحتية في البلاد الأجنبية يحتمل ألا يتطلب أي موازنة، وألا يشكل خطراً حقيقياً يتعلق باكتشاف تلك المساعي.

وعلى كل حال، إذا كان الطلبة أنفسهم لا يعلمون من يستخدم أبحاثهم، فكيف يمكن أن يُلقى القبض عليهم؟ وبطريقةٍ أخرى، لماذا لا نسخر جهود مدارس الهندسة المعمارية الأميركية من أجل معرفة المزيد عن الأهداف المحتملة على الأراضي الأجنبية؟

المحلل المتقاعد تهرّب بعد تصريحاته الأولى

عندما عاد الصحافي للتواصل مع المحلل المتقاعد في وكالة استخبارات الدفاع الأميركية بعد أسابيع قليلة كي أتابع قصته حول الحلقة الدراسية الخاصة بحرب الخليج، بدأ الرجل بالتهرب، بل ووصل الأمر إلى أنه قال إنَّه لا يتذكر أنَّه أخبره بهذا.

وأشار إلى أنَّه ربما أخطأ في الحديث، قبل أن يغير نهجه فجأةً ويقول عكس ذلك بشكل أو بآخر، فيضحك بهدوء ويمزح بأنَّه كان يتقدم في السن، ومن يدري، لعله يقول أشياء لا يفترض أن يقولها. لم يكن لهذا إلا أن يجعلني أكثر فضولاً.

وقدم طلباً رسمياً بموجب قانون حرية المعلومات إلى وكالة الاستخبارات المركزية عن أي سجل لمثل هذه الحلقة الدراسية؛ ليردوا بعد سبعة أشهر قائلين إنَّهم لا يمكنهم “الإنكار ولا التأكيد على وجود أو عدم وجود السجلات» المرتبطة باستفساري. (أضافت الوكالة: “الحقيقة نفسها المتعلقة بوجود أو عدم وجود مثل هذه السجلات هي حالياً وعلى نحو ملائم لا تزال سرية»، وهو بكل تأكيد ما فسرته بأنَّه دليل على أنني كنت في الحقيقة أسعى وراء شيءٍ ما».

وكلما تعمق كاتب التقرير في البحث، وقراءة التواريخ العسكرية المتعلقة بحرب الخليج جنباً إلى جنب مع التغطية الصحفية التي تعود إلى هذه الفترة، زاد اهتمامه برواية الرجل. تبدو الأدلة الظرفية على أنَّ مثل هذه الحلقة الدراسية حدثت بالفعل مقنعة، ويُعزى جانب من هذا إلى أنَّ القصة المتعلقة بالطريقة التي حاولت من خلالها الولايات المتحدة تعقب التفاصيل المعمارية لمخابئ صدام حسين تبدو بالفعل شيئاً خرج من رحم رواية جاسوسية.

الشائعات التي تثبت تلك الرواية

على سبيل المثال، مدير إنشاءات سابق للشركة الألمانية المنحلة Boswau & Knauer، التي صممت مخبأ لصدام حسين في الثمانينيات. عندما أجرى مقابلةً خلال حرب الخليج الثانية، اعترف الرجل أنَّ وكالة الاستخبارات المركزية حاولت الاقتراب منه في عام 1991 وطلبت منه تسليم وثائق تشييد حساسة. ويقول الرجل إنَّه امتثل لطلبهم. وانتشرت أيضاً شائعات تشير إلى أنَّ الشركات اليوغوسلافية، بما في ذلك شركتا Yugoimport وEnergoprojekt، سلمت مخططات طوابق إلى الاستخبارات الأميركية. وقال كريستوفر ديكي، محرر الأخبار العالمية في موقع The Daily Beast، خلال مقابلةٍ مع مجلة Newsweek في عام 2003: “وضعت واشنطن ضغطاً كبيراً على الحكومة في بلغراد لتسليم مخططات للمجمعات الموجودة تحت الأرض”. بالرغم من ذلك، لا يمكن التحقق مما إذا كانت الحكومة اليوغوسلافية فعلت ذلك أم لا.

وهذه الشركة البولندية أيضاً لعبت دوراً في ذلك

فضلاً عن أنَّ شركة Miastoprojekt، وهي شركة بولندية انتدبتها الحكومة العراقية في الأساس خلال عقد الستينيات كي تصمم خطة رئيسية جديدة لجميع ربوع بغداد، كان لديها أيضاً مهندسون فرُّوا إلى الولايات المتحدة بدلاً من العودة إلى بولندا. وشرح لي المؤرخ لوكاش ستانيك، وهو باحث في أعمال شركة Miastoprojekt في العراق ومستقر في جامعة مانشستر، أنَّه قابل مهندساً بولندياً مهاجراً صمم الأجزاء الداخلية لمخابئ صدام حسين السرية قبل الفرار إلى الولايات المتحدة. وهناك يمكن أن يصير المهندس المعماري بكل سهولة مصدراً قيماً للاستخبارات البشرية.

وفي تقرير لوزارة الدفاع الأميركية تحدث عن “الاستخبارات البشرية»

وفي تقرير وزارة الدفاع الأميركية إلى الكونغرس الصادر في أبريل/نيسان 1992، وحمل عنوان ” Conduct of the Persian Gulf War» ، ذُكرت “الاستخبارات البشرية» تحديداً باعتبارها مصدراً رئيسياً للمعلومات في استهداف المنشآت المعمارية خلال الحرب. وأوضح التقرير: “إضافةً إلى المخططات والخرائط، وفرت مصادر الاستخبارات البشرية رسوماتٍ مفصلة من الذاكرة، وكانت قادرة على تحديد المواقع الرئيسية على الخرائط والصور، واستُهدفت لاحقاً هذه المواقع»، وتضمنت هذه النصائح “مواقع المخابئ الموجودة أسفل المرافق».

اللافت للنظر أنَّ بولندا صارت لاحقاً عضواً في الائتلاف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة لتنفيذ عملية عاصفة الصحراء. هل يعني ذلك أنَّ الاستخبارات الأميركية ربما تكون اطلعت على أرشيفات الخرائط والمخططات الخاصة بشركة Miastoprojekt؟ إذا كان الأمر هكذا، فيمكن إذاً أن تكون تحت تصرفها خرائط شديدة التفصيل، وصور، بل وحتى رسوم بيانية للتصميمات الداخلية للبنايات. وثمة أدلة مقنعة تشير إلى أنَّها تمكنت من ذلك. ففي خريف عام 1990 على سبيل المثال لجأت الولايات المتحدة إلى بولنداً طلباً للمساعدة في إنقاذ ستة عملاء استخباراتيين أميركيين حوصروا في العراق. وجاء في صحيفة The Washington Post وصف لهذه العملية أنَّ “عملاء بولنديين، بحثوا عن معلوماتٍ من شركات التشييد البولندية التي كان لها أعمال رئيسية في العراق، وأمدّوا كذلك الولايات المتحدة بخرائط تفصيلية لبغداد وتفاصيل عن المنشآت العسكرية المنتشرة في العراق».

هناك مخططات لـ 100 منشأة بأحجام متنوعة

صورة من كتاب “كل بناية في بغداد”

ثم انضم السويسريون. ففي فبراير/شباط 2003، كشفت صحيفة Neue Zürcher Zeitung السويسرية عن أنَّه في خريف عام 1990، حاولت السلطات السويسرية أن تحصل على مخططات وخرائط من شركة Cepas Plan AG في زيورخ، التي اضطلعت بأعمال موسعة في العراق تحت حكم صدام حسين. تضمنت المخططات العراقية التي لدى الشركة “أكثر من 100 منشأة بأحجام متنوعة»، والأهم من هذا أنَّها تضمنت على أقل تقدير واحداً من المخابئ الأكثر إفزاعاً التي امتلكها نظام صدام حسين.

وعلى ما يبدو، أعطى السويسريون هذه المخططات إلى الولايات المتحدة ضمن جهود حسنة النية للمساعدة في جهود الحرب الأميركية. حتى إنَّ المقال يشير على وجه التحديد إلى أن التفاصيل المعمارية من هذه النوعية كانت مفيدة لـ»مبرمجي صواريخ كروز»، لتكرر نفس الحديث الذي أخبرني به في الأساس مصدري من وكالة استخبارات الدفاع الأميركية عن القنابل الأميركية الذكية. غير أنَّ مهندساً من شركة Cepas Plan يقول إنَّ الشركة لم توافق أبداً على التخلي عن المخططات، لكنَّ الولايات المتحدة حصلت على الوثائق في كل الأحوال؛ إذ قال المهندس: “لا أعرف كيف وصلت الوثائق إلى أيدي الأميركيين».

في هذا الوقت، شعرتُ أنَّني مثل شخصية في مسلسل تلفزيوني، أعلق قصاصات الأخبار والصور على الجدار وأربط بينها بخيطٍ ملون. هل كنتُ أتوصل إلى شيء، أم أنني أُلفق قصة؟ بدا أنَّ الربط بين كل ذلك يؤكد الأساسيات التي بُنيت عليها رواية مصدري بدون إثبات أي شيء حقاً، أتحرك ذهاباً وإياباً على خيطٍ بين أبحاثٍ تاريخية ونظريات مؤامرة.

تفصيلة رئيسية: إذا حدثت هذه الحلقة الدراسية في الحقيقة، أين عُقِدَت؟

هناك أرشيف صور اسمه “كل بناية في بغداد”

عندما ناقش كاتب التقرير القصة مع زملائه من مجال الهندسة المعمارية برز احتمالٌ مراراً وتكراراً، وهو أنَّ مصدر معلوماته ربما يكون قد أخطأ في اسم الكلية.

فعلى كل حال، لعل السبب في عدم وجود أي مدرسة في واشنطن لديها سجل لهذه الحلقة الدراسية أنَّها لم تُعقَد في واشنطن من الأساس. اقترح زملائي جامعات برينستون، أو هارفارد، أو حتى ييل، فهي لا تضم وحسب آليات مرموقة في مجال الهندسة المعمارية، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بميلاد جهاز الاستخبارات المركزية.

عندما وصل صدام حسين إلى سدة الحكم في عام 1979، تعهد ببناء بغداد جديدة، لتكون مدينةً يتردد صداها عبر الزمان، ويضع نفسه بين أعظم حكام بلاد ما بين النهرين. حتى هذه النقطة، كانت الحكومة العراقية تعمل مع شركاتٍ من أوروبا الشرقية، مثل شركة Miastoprojekt، لتُشيِّد بناياتٍ تُجسِّد المُثل العليا للحداثة الاشتراكية. بالرغم من هذا، كانت لدى صدام طموحاتٌ هائلة أكثر من هذا. ففي عام 1980، أفرج صدام حسين عن المعماري رفعت الجادرجي من سجن أبوغريب، وهو نفس سجن أبو غريب الذي اشتهر لاحقاً باعتباره مكاناً لتعذيب المعتقلين تحت إدارة جورج بوش الابن. بالرغم من أنَّ الجادرجي حُكم عليه بالسجن مدى الحياة لرفضه العمل على مشروع لصالح الحكومة في السبعينيات، طُلب منه أن يصمم بغداد صدام الجديدة، لتكون مدينةً تحتفي بصدام وحزب البعث، وبنفس القدر تؤسس أيضاً بناياتٍ ذات قيمة معمارية خالدة.

المعماري رفعت الجادرجي

بالرغم من انزعاجه من المعاملة التي كان يحظى بها في ظل نظام البعث، كان الجادرجي يوثق بهدوء عمله والنطاق الأوسع الخاص بمدينة بغداد عبر مجموعةٍ موسعة من الصور والوثائق المعمارية، قبل أن يفر هو وزوجته إلى الولايات المتحدة عام 1983. وهناك صار الجادرجي زميلاً في جامعة هارفارد، حيثُ كانت معرفته الموسوعية لبغداد الحديثة، ناهيك عن ذكر تجربته المباشرة مع صدام حسين، مورداً لا مثيل له للطلبة وأعضاء هيئة التدريس، إضافةً إلى أي شخص، أياً كانت نواياه الحقيقية، يأمل أن يعرف المزيد عن المباني في العراق.

يُعتَبَر مارك واسيوتا مؤرخاً عمرانياً وأستاذاً جامعياً، وزميلاً سابقاً لي في جامعة كولومبيا، فضلاً عن أنَّه كان أمين متحف مشاركاً في معرض أُقيم عام 2016 يصور أرشيف أعمال الجادرجي، ويسمى “كل بناية في بغداد» (وهو عنوان يُذكِّر على نحو غريب بتعليق مصدر معلوماتي بأنَّ الولايات المتحدة سعت وراء مخططات لـ»كل بناية في العراق»). أكد واسيوتا أنَّ الجادرجي لم يصل إلى هارفارد خالي الوفاض. وسواءٌ كان الجادرجي هرب من العراق وفي حوزته هذه المخططات مخبأة في حقائبه، أو أنَّها هُرِّبت وحسب من بغداد بعد سنواتٍ من هذا، أَبقى الجادرجي نسخاً سلبية من صور المدن العراقية، وهو كنز دفين للمعلومات البصرية لمكانٍ سيغزوه الجيش الأميركي قريباً.

وفي حين كان واسيوتا يشك في أنَّ الجادرجي كان على الأرجح يُستخدم كأداةٍ استخبارية دون علمه، بدا لي أنََّه لو كان هناك مهندسٌ معماري أُعِد “للاستغلال الجامعي» على غرار أسلوب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية خلال حرب الخليج، فهذا المهندس سيكون رفعت الجادرجي. لم يكن الجادرجي نفسه يحتاج إلى معرفة ما إذا كان طلاب الدراسات العليا الذين يتحدثون إليه كانوا، في الحقيقة، بيادق أبرياء في لعبة استخبارات أميركية أكبر، أو إذا ما كان أحد أعضاء مجتمع الاستخبارات الأميركي ينتظر في إحدى قاعات المحاضرات في إحدى الليالي ليسأل أسئلةً تبدو أنَّها غير ضارة بعد محاضرةٍ ما. وكما ذكر دانيال غولدن في صحيفة The Guardian، فقد أخبره ضابط في وكالة الاستخبارات المركزية ذات مرة أنَّه عندما يتعلق الأمر بالاستغلال الجامعي “كلما كان الأكاديميون لا يعرفون شيئاً، كان ذلك أكثر أماناً للجميع”. (محاولاتي للاتصال بـ»الجادرجي»، الذي يبلغ من العمر حالياً 91 عاماً ويعيش في لندن، كلها باءت بالفشل).

صورة من الأرشيف الذي حصل عليها المعهد الأمريكي

في عام 2017، حصل مركز توثيق أغا خان في معهد ماساتشوستس الأميركي للتكنولوجيا على الأرشيف المعماري الخاص بالجادرجي، بالإضافة إلى مجموعة تضم أكثر من 100 ألف صورة التقطت في العراق على مدار 60 عاماً من قِبل الجادرجي ووالده كامل. معاً، تُقدم هذه المجموعات سجلاً للحياة اليومية في العراق لمعظم القرن العشرين. وتحدثت معي شارون سميث مديرة المركز حول عمل الجادرجي، وحذَّرتني من أنَّه في الثمانينيات، كانت الغالبية العظمى من صوره ومُخططاته المعمارية ما زالت في الخارج، في بغداد، وفي منزل الجادرجي الأخير الذي تبناه في لندن، وفي المؤسسة العربية للصورة في بيروت. ولم يُصمم الجادرجي قط أي مخابئ أو أعمال أخرى للبنية التحتية العسكرية، لذلك، من وجهة نظرها، لم يكن من المحتمل أن يكون هو المصدر الذي كنتُ أبحث عنه.

ومع ذلك، ذكَّرتني شارون أنَّ مركز توثيق أغا خان يُدير أيضاً موقعاً على الإنترنت يُدَّعى Archnet. أُنشئَ الموقع في عام 1999، وهو مُخصص لعمارة العالم الإسلامي ويستضيف “الكثير من المُخططات والرسوم البيانية والخرائط وبيانات نظم المعلومات الجغرافية». وفي سبتمبر/أيلول 2012، أخبرتني شارون أنَّ أخصائي بيانات من القوات الجوية الأميركية اتصل بها ليطلب إذناً بتنزيل المكتبة الرقمية الخاصة بموقع Archnet بأكملها، كل خارطة طابق، وكل صورة، وكل خريطة تخطيط مدينة، وكل بيانات نظم المعلومات الجغرافية التي جُمعَّت على الموقع على مدار العقدين الماضيين. وبعد أن رفضت شارون هذا الطلب، قلل الرجل طلبه إلى المباني الموجودة على أرض جارة العراق، إيران فقط، وهو ما لا يبشر بالخير. وأكدت شارون أنَّها رفضت طلبه مُجدداً.

وإذا بدا الأمر في البداية وكأنَّه من المبالغة افتراض أنَّ الجيش الأميركي قد يقوم بجمع معلوماتٍ معمارية مفتوحة المصدر عن الشرق الأوسط من مصادر أكاديمية، يبدو أنَّ قصة شارون تؤكد أنَّه، على العكس، هذه المُمارسة مُستمرة حتى اليوم.

يشغل ديف ديبتولا منصب عميد معهد ميتشل للدراسات الفضائية في مدينة أرلينغتون في ولاية فيرجينيا الأميركية. كان ديبتولا جنرالاً متقاعد في سلاح الجو الأميركي، وأحد “مهندسي الحرب الجوية» في العراق. وفي عام 1991، خلال عملية عاصفة الصحراء، خدم ديبتولا “كواحدٍ من مُخططي الهجوم الرئيسي» للقوات الأميركية في الخليج. ومن بين جميع المصادر التي تحدثت معها ووصل عددها العشران، والوثائق التي اكتشفتها، بدا لي أنَّ ديبتولا كان الشخص الوحيد الذي سيكون قادراً على تأكيد وجود، أو عدم وجود، دورة الدراسات العليا التي وُصفت لي. وبالتأكيد، سيكون هو الشخص الذي استخدم أبحاث هذه الدورة.

قال لي ديبتولا عبر الهاتف: “عندما قرأتُ رسالتك الإلكترونية لأول مرة، ظننتُ، كما تعلم، أنَّ هذا يبدو جنوناً بعض الشيء». لكنَّه أضاف أنَّ المعلومات المعمارية عن هدف هي أمرٌ مهم بشكلٍ لا يمكن إنكاره. من الصعب تدمير شيء إذا كنتَ لا تعرف ما هو فعلياً. وضرب لي مثالاً بضربةٍ صاروخية أمر بها لتدمير مبنى عمليات الدفاع الجوي في بغداد. كان ديبتولا قد صمم هذه الضربة مُستنداً إلى معلوماتٍ مُحددة تلقّاها حول بنية المبنى، بدءاً من سمك جدرانه الداخلية وصولاً إلى إجمالي كمية الصخور المُستخدمة في مزيج الخرسانة الخاصة بالمبنى، لهذا فالتفاصيل المعمارية مُهمة.

وعلى الرغم من أنَّ ديبتولا أكد أنَّ هذا النوع من المعلومات الاستخباارتية كان شيئاً يعتمد هو عليه، وبالتالي يعتمد عليه الجهد الحربي الأميركي بأكمله، أخبرني أيضاً أنَّه ليس لديه فكرة حقيقية عن المصدر الأصلي لهذه المعلومات. خلال الهجوم الأولي في يناير/كانون الثاني 1991، كانت الأمور تسير بسرعة. وأخبرني أنَّه ما كان مُهماً وقتها ليس كيفية جمع معلومات الاستهداف أو من جمعَّها من أجله، ولكن هل كانت هذه المعلومات دقيقة أم لا. وقال مازحاً إنَّه ما كان يمكن أن يستفيد منه حقاً في ذلك الوقت هو وسيلة لاستخدام Google Earth.

أمَّا العقيد المُتقاعد جون واردن، الذي كان شريك ديبتولا في وزارة الدفاع الأميركية خلال عملية استهداف عاصفة الصحراء، فيُعد على نطاقٍ واسع أحد أكثر الباحثين النظريين في الحرب الجوية تأثيراً في العالم اليوم. قال لي واردن عندما سألته عن ندوة طلاب الدراسات العليا: “رأيي أنَّ احتمالية عدم حدوث ذلك هي 99.9٪». ومن ناحية أخرى، قال إنَّ اكتشاف ما كان داخل المباني، سواءٌ محتوياتها أو تصميمها الهندسي، كان أولويةً مُلحة لعمليات الاستخبارات الأميركية.

وأكد واردن أنَّ عملاء الولايات المتحدة اتصلوا بالمقاولين الفرعيين الذين عملوا على بناء مرافق في العراق. وقال إنََه في الواقع اقترح حتى تعقب مهاجرين عراقيين عملوا كعمال نظافة في بغداد من أجل استخدام معرفتهم الوثيقة بالمساحات الداخلية في المباني للمساعدة في التخطيط لضربات جوية تابعة لقوات التحالف. وقال لي: “كان هناك، بيقينٍ شبه تام، حارس لكل مبنى في بغداد، إلا أنَّه لم يحاول أي أحد الوصول إليهم».

وبينما وصف واردن هذه الخطة، أدركتُ أنَّها جعلت فكرة استغلال عملاء الاستخبارات الأميركية للبحث الذي أجراه الطلاب تبدو معقولةً للغاية. وقلتُ لواردن هذا. فردَّ قائلاً: “من المستحيل عملياً إثبات أنَّ هذا لم يحدث. هناك الكثير من الأشياء التي تُدفن في عالم الاستخبارات ليصبح الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون عنها هم رجال الاستخبارات، ولا تُستخدم أبداً لأنَّهم لم يخبروا أحداً عنها. أي شيءٍ ممكن».

في النهاية، اتفق الرجلان: خلال التحضيرات لعملية عاصفة الصحراء، كانت المعلومات الهيكلية التفصيلية حول المباني والمدن العراقية هي بالضبط ما كان يحتاجه الجيش الأميركي. لقد حصلوا عليها. وفي النهاية استخدموها. والمصدر الفعلي لمعلومات الاستهداف هذه، سواءٌ كانت ندوة معمارية في واشنطن العاصمة أو جاسوساً في وزارة حرب صدام، كان بالنسبة لديبتولا شيئاً يجب لشخصٍ آخر أن يقلق بشأنه.

وقال لي ديبتولا: “لم تكن لديّ المصادر، ولم أكن مُهتماً. أنا غير مهتم بالمصادر والطرق. أنا مُهتم بالمعلومات».

المقالة كواليس تكشف لأول مرة عن حرب الخليج.. طلاب أميركيون سافروا لبغداد قبل ساعة الصفر وهذه مهمتهم التي دمرت العراق ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com