Home » العالم اليوم, مميز » ألمانيا لم تعد تحب صورتها كبلدٍ منفتح مُرحِّبٍ بالمهاجرين.. كيف كشفت «قضية أوزيل» أن صورة برلين المثالية «مجرد سراب»!

مشهدٌ لمجموعةٍ من المهاجرين مجتمعين في حديقةٍ بإحدى الضواحي يُقيمون حفل شواءٍ. صوت المعلق يقول: “ما الشيء المشترك الذي يجمع هؤلاء الرجال والنساء؟ إن أبناءهم يلعبون في المنتخب الوطني لألمانيا».

جاء هذا الإعلان الذي أطلقه الاتحاد الألماني لكرة القدم عام 2008 في وقتٍ كانت الرياضة الألمانية فيه تفخر بتنوُّعها العرقي. وأشار تقرير لصحيفة The Financial Times البريطانية، إلى أن انتشار أبناء الأقليات في أعلى مراتب عالم كرة القدم، كان يعد مصدر فخرٍ عظيمٍ لدولةٍ بذلت جهداً كبيراً للعمل على دمج واحدةٍ من أعلى نسب المهاجرين في أوروبا في مجتمعها.

أوزيل “رمز» لنجاح الإدماج بألمانيا

ويوضح التقرير أنه ليس ثمة شخصٌ يُجسِّد نجاح تلك الجهود أفضل من مسعود أوزيل، لاعب خط وسط نادي الأرسنال الإنكليزي، البالغ من العمر 29 عاماً، ابن المهاجر التركي، والذي كان ضمن المنتخب الذي منح ألمانيا كأس العالم في البرازيل عام 2014.

مسعود أوزيل رفقة الرئيس التركي طيب أردوغان

ومنذ ثمانية أعوام، التُقِطَت صورةٌ تظهر فيها المستشارة أنجيلا ميركل وهي تصافح اللاعب في غرفة تغيير الملابس، بعد فوز المنتخب الألماني على نظيره التركي بثلاثة أهدافٍ نظيفةٍ. حينها اعتبرته مجلة Der Spiegel “أيقونةً للدمج» في ألمانيا.

لكن الوضع الآن اختلف

اعتزل أوزيل اللعب دولياً هذا الأسبوع، متعذِّراً بـ»العنصرية والازدراء» لأصوله التركية. وقال إن وسائل الإعلام الألمانية كانت قد صنعت منه كبش فداءٍ، للأداء الكارثي للمنتخب في بطولة كأس العالم 2018.

يُذكر أن قرار أوزيل المثير للجدل بالتقاط صورةٍ له مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في مايو/أيار الماضي، قد رُوِّج له -بصورةٍ مُغرِضة- على أنه “تفسيرٌ مباشر للهزيمة في روسيا». ويقول أوزيل: “أكون ألمانياً فقط حين نفوز، أما حين نخسر، فأنا مهاجر».

وكان تصريح أوزيل مُزلزلاً على مستوى ردود الفعل. وجدت ألمانيا نفسها فجأةً تقف وجهاً لوجهٍ أمام حقيقة أن عملية الدمج لم تكن بذلك النجاح الذي لا تشوبه شائبة كما كان يُعتَقَد.

كتب جعفر عبدالكريم، الصحافي من أصولٍ لبنانيةٍ في صحيفة Die Zeit قائلاً: “لعل كثيراً من المهاجرين الشباب يتساءلون: كيف لنا أن ننجح إذا كان مسعود أوزيل لم ينجح؟».

وألمانيا تغيرت بعُمق، ثم تغيرت مرة أخرى!

لقد امتدت مسيرة أوزيل الدولية البالغة تسع سنواتٍ خلال فترةٍ تغيَّرَت فيها ألمانيا بعمق، ثم تغيَّرَت مرةً أخرى. في ظلِّ ولاية ميركل عكست الدولة صورةً مثاليةً لنفسها كأمةٍ متصالحةٍ مع نفسها ومع المهاجرين. ولا شيء يبرز ذلك أكثر من التعديل القانوني الذي صدر عام 2014، ليسمح للألمان بحمل جنسية مزدوجة.

فقد أدى وفود مليون مهاجرٍ إلى ألمانيا بين عامي 2015 و2016 إلى ردة فعل ضد الهجرة، وإلى صعود مذهل لحزب “البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف. يبدو أن ألمانيا لم تعد تحب صورتها كبلدٍ منفتحٍ مُرحِّبٍ بالمهاجرين.

أوزيل وزميله في المنتخب الألماني غاندوغان رفقة الرئيس التركي

تلَّخَصَ هذا المزاج العام في تعليق ألكسندر غاولاند، رئيس حزب البديل من أجل ألمانيا حول اللاعب الألماني ذي الأصول الإفريقية جيروم بواتينغ عام 2016، حين قال: “قد يحبه الناس، لكن هذا لا يعني أنهم يقبلون العيش إلى جواره».

لكن هذا لا شيء، مقارنةً بموجة الإساءة العنصرية التي تعرض لها أوزيل وإلكاي غوندوغان. وبعد خروج ألمانيا من الدور الأول في بطولة كأس العالم، غرَّدَ جينس ماير، العضو البرلماني بحزب البديل من أجل ألمانيا، قائلاً: “بدون أوزيل كنا سنفوز»، وفوق صورةٍ للاعب مكتوب عليها: “هل أنت سعيد يا سيادة الرئيس؟»، قال الناشط اليميني المعروف يورغان إلسيسر: “على اللاعبَيْن التركيَيْن في المنتخب أن يعودا إلى الأناضول».

ربما كان الأمر الأكثر إثارةً للقلق هو المقال الذي كتبه مؤخراً قائد المنتخب السابق لوثر ماتيوس، الذي قال فيه: “كثيراً ما شعرت بأن أوزيل ليس مرتاحاً في ارتداء قميص المنتخب الألماني».

ما أعاد إلى الأذهان ذكريات “مخيفة» في بريطانيا

هناك شيءٌ في كل هذا يعيد إلى الأذهان بشكلٍ مخيفٍ ذكريات الجدل الذي دار في بريطانيا عام 1990، حول “اختبار الكريكيت»، حين قال الوزير المنتمي لحزب المحافظين نورمان تيبيت، إن ولاء البريطاني الآسيوي يمكن قياسه بمعرفة الفريق الذي يشجعه في مباريات الكريكيت الدولية. تلك هي نفس وجهة النظر التي يتبنَّاها منتقدو أوزيل.

تقول إسراء كُوتشوك رئيسة مؤسسة Allianz Cultural Foundation، إنها رسالةٌ خبيثةٌ موجهةٌ للألمان الأتراك. وتضيف: “هناك ذلك الإحساس بأنك إذا راودك شعورٌ بالانتماء الثقافي (لتركيا) فإنك لست مواطناً ألمانياً وفياً». وتقول إن هذه لم تكن الحال في الماضي.

هذا ما جعل قضية أوزيل مثيرةً لإحباط الكثيرين من أمثال إسراء، التي تقول: “لقد خسرنا أكثر بكثيرٍ من كأس العالم».

رغم محاولات الحكومة الألمانية التقليل من الحادث

إذ قالت متحدثة باسم المستشارة أنجيلا ميركل، الإثنين 23 يوليو/تموز 2018، إن حوالي 3 ملايين شخص من أصول تركية يعيشون في ألمانيا اندمجوا بشكل جيد، وذلك رداً على إعلان مسعود أوزيل، لاعب منتخب ألمانيا لكرة القدم، اعتزاله اللعب الدولي بداعي العنصرية.

المتحدثة باسم ميركل أكدت أن المهاجرين مُرحّب بهم في ألمانيا، وأضافت أن المستشارة الألمانية تقدر أوزيل، بحسب وكالة رويترز.

وقالت المتحدثة، التي وصفت أوزيل بأنه لاعب رائع قدَّم الكثير للمنتخب الوطني، إن ميركل تحترم قرار أوزيل باعتزال اللعب الدولي.

ودخول تركيا على الخط

كما دخلت تركيا على خط النقاش حول قضية مسعود أوزيل، فقد أشاد وزراء أتراك بقرار أوزيل بسبب “العنصرية»، واعتبر أحدهم أن لاعب وسط أرسنال الإنكليزي سجَّل “هدفاً ضد فيروس الفاشية»، وردَّ على كل ما تعرَّض له قبل، وخلال نهائيات كأس العالم، التي ودَّعتها ألمانيا من الدور الأول وتنازلت عن اللقب.

وقد حظي قرار ابن الـ29 عاماً بتأييد رسمي تركي، حيث غرّد وزير العدل عبدالحميد غول: “أهنئ مسعود أوزيل الذي سجّل بقراره ترك المنتخب الألماني أجمل هدف ضد فيروس الفاشية».

أما وزير الرياضة التركي محمد كاسابوغلو، الذي حذا حذو غول ونشر صورة أوزيل المبتسم مع أردوغان، فقال: “نحن نؤيد بصدق الموقف المشرف الذي اتخذه شقيقنا مسعود أوزيل».

وفي تغريدة سبقت إعلان أوزيل تركَه المنتخب الألماني الذي توّج معه بكأس العالم قبل أربعة أعوام، قال إبراهيم كالين، المتحدث باسم أردوغان، إن اضطرار اللاعب إلى الدفاع عن لقائه بالرئيس التركي “مؤسف لأولئك الذين يدَّعون أنهم متسامحون ومتعددو الثقافات!».

اقرأ أيضا

أردوغان لأوزيل: صورتنا لم تعجبهم.. عاملوك بعنصرية لا نقبلها

كثيرون تضامنوا مع مسعود أوزيل لكن طريقة تعاطف أهالي قريته التركية مختلف تماماً

“لست وحدك يا أوزيل».. العالم يتعاطف مع صانع أهداف الألمان الأول ضد “العنصرية»

المقالة ألمانيا لم تعد تحب صورتها كبلدٍ منفتح مُرحِّبٍ بالمهاجرين.. كيف كشفت “قضية أوزيل» أن صورة برلين المثالية “مجرد سراب»! ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com