ورد الآن

الكثيرون يقفون بجانبك وقت الشدة ويتخلّون عنك وقت خفوت نجمك.. هذا ما تعلمته كلاعبة تنس عالمية

قبل مباراتي الأولى بعد عودتي من الإيقاف، بدا لي أن جميع الأشخاص الموجودين في حياتي لا يريدون إلا معرفة شيء واحد: كيف كنتُ سأشعر. وسواء كان هؤلاء الأشخاص هم أصدقائي أو أفراد عائلتي، أو حتى الحوارات الصحفية القليلة التي أجريتها قبل الحدث، كان هذا هو السؤال الذي طُرح عليّ أكثر من غيره: ماريا، كيف ستشعرين؟

وكانت إجابتي دائماً لا تتغير: ليس لدي أي فكرة.

كانت هذه هي الحقيقة المجردة. لم تكن لديَّ أي فكرة! هل ستشعر بالتوتر أم بالحماسة؟ أم بالثقة أم بالحذر؟ أم بالسعادة أم بالحزن؟ أم بالحب أم بالكره؟ أم بالارتياح أم بالخوف؟

من ناحية، هي مجرد فكرة بسيطة؛ أن تصف أو حتى تتنبأ بشعور، سؤال بسيط. لكن من ناحية أخرى.. شعرت بأنه لا سبيل لمعرفة الإجابة. بدا الأمر كأن كل المشاعر في العالم قائمة بتلك الليلة في شتوتغارت، عندما عدتُ إلى الملعب بعد 15 شهراً أمضيتها بعيدةً عن اللعبة.

أعتقد أن حدسي في البداية كان أن أستعد لجميع المشاعر. في البداية، أعتقد أنني كنت أقول: حسناً، كيف سأتصرف إذا شعرتُ بهذا؟ وكيف سأتصرف إذا شعرت بذلك؟ وما إلى ذلك. ولم لا؟ فبعد كل شيء، هذه هي وظيفتي؛ أن نستعد لكل مباراة، وأن أتدرب لتقديم أفضل ما لدي.

لكني أظن أنني سريعاً ما أدركتُ أن أي إعداد مشابه سيكون عديم الجدوى، وأن هذا الموقف كان من بين تلك الأمور، وأنه بغض النظر عن المحاولات التي قمت بها، لن يكون هناك ببساطةٍ سبيل للتدريب على ما هو آتٍ. يمكن أن أحاول التخمين، أو التخيل، أو يمكنني أن أحاول تخيُّل كل سيناريو ممكن في رأسي. ولكن في النهاية، ليس هناك سبيل للمعرفة، وأدركتُ أنني لا أملك خياراً: كان عليّ أن أخرج إلى الملعب، وآخذ نفَساً عميقاً، ولا تكون لدي أي فكرة، كان عليّ أن أخطو نحو المجهول.

لطالما كانت علاقتي مع عدم اليقين علاقة معقدة.

بصفتي لاعبة تنس –أوقن بأن هذا ينطبق على العديد من الوظائف الأخرى- أجد أنني باستمرار في قلب هذه المعركة، هذا الشد والجذب، بين اليقين وعدم اليقين في عالمي. كما توجد الأمور اليقينية بالطبع مثل الروتين؛ والذهاب إلى الصالة الرياضية باستمرار، والتدريب، والسفر الدائم، والنوم في سرير بعيد عن المنزل، وركوب السيارة وحدي 30 دقيقة إلى الملاعب في حين أستمع إلى موسيقى عالمية عشوائية، والتقويم السنوي الذي يبدو كأنه حلقة مفرغة تعود إلى البداية قبل أن تطرف عيناك.

لكن هناك أيضاً، على هذا النحو الغريب، أوجُه من عدم اليقين في الروتين: كل بطولة لها كُراتها الخاصة، ولها أرضية مختلفة، وفي كل يوم يظهر خصم جديد، وطقس خاص. كيف تستعد لكل ذلك؟ هل كان لديك مؤتمر صحافي؟ كيف سار الأمر؟ متى ستكون مباراته القادمة؟ وضد من؟ وما هي بطولتك القادمة؟ أين تقفين من أهدافك الحالية؟ وغير ذلك.

بعد 15 عاماً من هذا الروتين، وبعد 15 عاماً من اليقين وعدم اليقين على حد سواء، ماذا يمكنني أن أقول؟ لقد مر وقت طويل. إنه بالفعل أغرب شعور: الساعة، والجدول الزمني، والتقويم، وكيف أنها لا تتوقف أبداً. ومع ذلك، كيف يبدو دائماً كأن الأمور تبدأ من الصفر.

حتى في هذه اللحظة بعينها، وأنا أستعد لمباراتي الأولى بعد 15 شهراً، لم يتغير شعوري. جزء مني كان يشعر بأنني مررتُ بهذا من قبل: فقد أجريت جراحةً بكتفي في عام 2008، وقمت بمعظم التدريب طويل المدى نفسه، ومن تلك التجربة وحدها، كنت واثقة بأنه بإمكاني أخذ إجازة ممتدة والعودة إلى مستواي مرة أخرى.

لكنَّ جزءاً آخر منى كان يعلم أن هناك شيئاً فريداً في هذه الإجازة تحديداً. شيء يتعلق بالإيقاف -التحكيم والمراقبة والأثر العاطفي- يصعب مقارنة ذلك بأي شيء آخر.. ويكاد يكون من المستحيل التيقن من أي شيء معه، حتى تتجاوز الأمر وتتخطاه. تلك الأشهر الـ15 أظهرت لي أن هناك مستويَين عليَّ العودة إليهما: المستوى الجسدي، والعقلي أيضاً.

هناك الأمور المعروفة والأمور المجهولة.

هناك العودة؛ ومن ثم هناك الإيمان بها.

في الليلة التي سبقت المباراة التي شهدت عودتي إلى اللعب، في شهر أبريل/نيسان 2018، كنت أتحدث مع والدتي.

عادة ما تسافر والدتي معي، إلا أنها لا تحضر أبداً المباريات. جدياً، ربما لم تحضر أمي سوى 3 مباريات خلال 10 سنوات. ولا تسير الأمور بشكل سيئ. أعتقد وحسب أن أجواء البطولة، وغرف استراحة اللاعبين، والمشاهدة من المدرجات، وهذا كله… لا يناسب أمي وليست هذه هي أماكنها المفضلة. (تضع الأمهات القواعد الخاصة بهنّ). لكن على أية حال، في الليلة التي سبقت المباراة، كنت أنا وأمي نخوض نوعاً من الحديث العادي، كما تعلمون، ذاك النوع من الحديث حول من يعرف ماذا، بالطريقة التي تتحدث بها الأمهات والبنات. وبينما نوشك على الانتهاء من حديثنا، وكنت بصدد العودة إلى غرفتي في الفندق لقضاء الليلة هناك… حسناً، فقط سألتها، دون سابق إنذار: “أمي، هل ترغبين في القدوم إلى المباراة غداً؟».

لست متأكدةً مما حدث لي. كانت هذه من اللحظات التي لا تعرف تماماً ما تريد أن تقوله إلى أن تبدأ بالتفوه به، ولا تدرك حتى تماماً ما تقوله؛ إلى أن تنتهي من الكلام.

فكرت أمي بضع ثوانٍ. ثم نظرت إليّ وقالت: “تعرفين ماذا؟ نعم بالتأكيد، سأحضر».

وقلت لها: “حسناً!».

كانت تلك اللحظة الصغيرة، هذا الشيء البسيط، والذي بالكاد يسمى محادثة؛ ولكن بمجرد حدوثها، كنت أعلم أنها تعني الكثير لي. أعتقد أنني كنت أعرف بالفعل مدى اختلاف هذه المباراة عن أي مباراة أخرى لعبتها من قبل. وبدلاً من الهروب والاختباء من هذه الحقيقة، أعتقد أن جزءاً مني قرر تقريباً… مواجهتها بشكل مباشر، كان الأمر مثل: حسناً، أعلم ذلك، هذه المباراة ستكون مختلفة. لكن على الأقل بطريقة ما، الآن، ستكون مختلفة لصالحي.

ودَّعت أمي وقلت لها: “تصبحين على خير»، وأخبرتها بأنني سأراها غداً.

نمت بعمقٍ في تلك الليلة أكثر من نومي بأي ليليةٍ أخرى منذ سنوات.

الآن سأعترف لكم بشيء ما؛ أحب أن أحظى بالقليل من الغموض.

لم أكن قَط ذاك الشخص الذي يريد أن يعرفه الجميع، أو أن يكون محبوباً من الجميع، أو حتى أن يفهمه الجميع. أحيانا أتساءل، بشكلٍ واعٍ عن الذات، عمَّا إذا كان ذلك يؤرخ لي، وما إذا كان هناك شيء ما قديم الطراز في ذلك. لاحظت شيئاً مؤخراً، في غرفة تبديل الملابس، هو كيف أن -تقريباً- كل اللاعبين في البطولة لديهم العادات نفسها التي يمارسونها بعد المباراة تماماً، والمتمثلة في: الذهاب إلى الملعب، والتوجه إلى غرفة تبديل الملابس، ثم على الفور -أعني حرفياً أنهم قبل حتى أن يغيروا ملابسهم أو حتى قبل أن يأخذوا حماماً- يمسكون هواتفهم، ويدخلون إلى “تويتر»، ثم يبحثون ويتصفحون التغريدات التي جرت الإشارة إليهم فيها.

هذا أمرٌ بدأت ألاحظه منذ بضع سنوات، وقد أدهشني حقاً. فهذا الأمر يبدو مثل ماكينة رأي، أو آلة تحقق من الأهلية، ويبدو أن الجميع مُستهلكون بواسطتها. ومن يدري، ربما هناك أمور تفوتني. ربما هذا أمرٌ رائع. لكن هذه لم تكن قَط طريقتي.

هل أرغب في أن يغرد الناس عني، أو التحدث عني أو الاهتمام بشأني، أو القدوم ومشاهدتي وأنا ألعب؟ بالطبع. لن أكذب بهذا الشأن: عملت بجد لكي أصل إلى ما وصلت إليه، ودائرة الضوء هي جزء مما وصلت إليه. أرغب دائماً في اللعب بالمباريات الكبرى، وأعلم دائماً أن هذه المباريات تجذب انتباهاً كبيراً. لم أرد يوماً حياة تجري وقائعها في الملعب رقم 18، الملعب الرئيسي بالنسبة لي هو ما يمنحني شعوراً بأنني في منزلي. لكن بالوقت نفسه، هناك فرق بين الاهتمام والقبول، وهنا يكمن الاختلاف بالنسبة لي. لست بحاجة لمعرفة ما يقوله الناس عني. معرفة أنهم يفعلون ذلك كانت دائماً تكفيني على ما أعتقد.

لكن هناك شيء ما، لاحظته من خلال هذا الأمر، وهو أن هناك تداخلاً بين نظرة الناس إليك باعتبارك تحمل لغزاً، ورؤيتهم لك باعتبارك منيعاً. وهذا أمر فكرت فيه كثيراً مؤخراً؛ لأن الحقيقة هي أنني أشعر بالضعف طوال الوقت ولستُ مختلفة عن أي شخص آخر. والجدران التي بنيتها حول نفسي ليست حصينة بالقدر الذي يظنه الناس. ما زالت الأشياء تعبر من خلالها، وما زالت تبعث فيّ مشاعر معينة.

وأعني هذا الأمر من نواحٍ مختلفة:

المنظور الأول هو، أنني لست غافلة، أعلم ما قاله العديد من أقراني عني وكيف انتقدني بعضهم في الصحافة. إذا كنت بشرياً تحمل في صدرك قلباً طبيعياً فلن تتمكن على الإطلاق من تجاهل مثل هذه الأشياء بالكامل. ولا أعتقد يوماً أن الأمر لن يصبح غريباً ومؤلماً.

لكن في الوقت ذاته، لطالما حاولت الحفاظ على سلوك سمح تجاه النقاد بوجه عام، أياً كانوا، وكلما ظهروا أمامي. لم أرغب قط في الرد على الأشخاص الذين يشوهونني عن طريق تشويههم؛ ولطالما كان ذلك مهماً بالنسبة لي. كنت أرغب دائماً في الرد على ذلك بإظهار سمو الأخلاق، وهو أحد الأمور التي تعلمتها من والدتي، أحد أكثر الأشخاص الذين أعرفهم سمواً ورُقياً. كما رغبت دوماً في مواجهة هؤلاء الذين ينتقدونني من خلال القيام بالشيء الصحيح، ومن خلال تعريفهم وتعريف الجميع بأن اختيار القيام بالأمر الصحيح من ضمن الخيارات.

وهذا لا يعني أنه خيار سهل. ثق بي؛ بل العكس هو الصحيح. فقد يكون من السهل جداً عليّ أن أدخل إلى مؤتمر صحافي، وأن أجلس لأجيب عن تلك الأسئلة المتعلقة بالأمور التي قالها نظرائي عني، وأن أنتقدهم وأهاجمهم. والمنافس بداخلي. في الحقيقة، قد لا يعرف الكثير من الناس عني هوسي بالملاكمة. منذ أن كنت طفلة صغيرة، احتلت هذه الرياضة المرتبة الثانية بعد التنس في الرياضات التي افتُتنت بها. كنت أشاهد الملاكمة على شاشة التلفاز. كنت أتدرب على الملاكمة من أجل تمارين القلب. وكان جزئي المفضل هو نفسه دائماً: طريقة الدخول إلى الحلبة. كانت هذه الرياضة تثير شعوراً بالهدوء، والحدة في آن واحد، كانت رياضة متناغمة ومنسجمة. في أثناء هذه المؤتمرات الصحافية، كنت أفكر في أنه كم من السهل بالنسبة لي أن أتخيل أنني كنت أدخل من أسفل تلك الأحبال وأنزلق إلى الحلبة كي أتبارى، وأرقص في الأرجاء، وأتلقى بعض اللكمات وربما أسدد بعض اللكمات ثم نرتاح بقية اليوم.

لكن ليس لديَّ أي اهتمام بذلك. إن لعبة التنس هي التي تطلق المقاتلة التي بداخلي. لقد اتخذت هذا القرار كفتاة صغيرة، والتزمت به منذ ذلك الحين، أما السلبيات الموجودة خارج ملعب التنس، فهي ليست من الأمور التي أتمتع بها. من الصعب توضيح ذلك، ومن الأصعب أن نفهم -أتفهم ذلك- أنها من الأمور شديدة الذاتية. ولكن في النهاية، أحمل في قلبي الكثير من الاحترام والإعجاب للمحيطين بي، حتى نقادي.

وفي نهاية المطاف، أتمنى أن يغيروا رأيهم وأن يبادلوني المشاعر نفسها.

لكن هناك أيضاً منظور آخر للهشاشة تعلمت عنه الكثير خلال الأشهر القليلة الماضية، ولا علاقة لذلك بالنقد، ولا علاقة له بأقراني، فهو مرتبط بجمهوري.

إن الانفتاح على المعجبين، وحتى على فكرة الإعجاب، لم يكن من الأمور المعتادة بالنسبة لي. لا يعني ذلك أنني لم أُقدِّر جمهوري؛ بل العكس من ذلك تماماً. أعتز بجمهوري، وأعرف مدى أهميتهم في نجاحي. أعرف كل ذلك.

لكن هناك معرفة، ثم هناك معرفة أخرى.

وآمل ألا تحملوا ذلك ضدي عندما أقول إن الأمور لم تكن كذلك حتى مررت بهذه الفترة من الإيقاف، وعدت بعد ذلك، وأعتقد أنني بدأت بالفعل في فهم ما تعنيه القاعدة الجماهيرية بالنسبة لي، ليس فقط كفكرة؛ بل على المستوى الأعمق، على المستوى الإنساني.

عندما أقول “المستوى الإنساني» أعني: لنأخذ مفهوماً مثل الولاء. بالنسبة لي، الولاء هو إحدى أقوى السمات التي يتمتع بها المرء. وعندما يتعلق الأمر بالعلاقات، يمكن للولاء أن يكون كل شيء. وعندما تمر بالشدائد، أعتقد أنه من المنصف القول إنك تعرف حينها الأوفياء من حولك. هناك الكثير من الأشخاص الذين يقفون إلى جانبك عندما تكون في القمة، ولكنهم سيتخلون عنك بسرعة عندما تتبدل الأحوال. وهو أحد الأمور المضحكة في الحقيقة؛ لأنك تفكر فيهم -على الأرجح- باعتبارهم أصدقاء أو شركاء أو ما شابه. لكن الأشخاص الذين تأثرتُ كثيراً بولائهم على مدار العامين الماضيين؛ هم جمهوري.

بعد انتشار الأخبار.. ظلوا بجانبي. وبعد صدور الحكم.. ظلوا بجانبي. وفي أثناء الإيقاف.. ظلوا بجانبي. وعندما عدت إلى الساحة…

أعني لن أنسى ذلك أبداً.

أحب عادة أن أصل إلى البطولة باكراً. إلا أنه في أول بطولة لي بعد العودة، واجهت حظاً سيئاً: لأن توقيفي انتهى في يوم مباراتي الأولى نفسه، ولم أتمكن من التدريب في الموقع حتى يوم اللعب نفسه، ما يعني أن تدريبي الرسمي الأول في الملعب الرئيسي الداخلي لن يكون إلا قبل ساعات قليلة من المباراة، وما يعني أيضاً أنه سيكون هناك الكثير من الصحافيين في محل تدريبي هذا الصباح. وهذا يعني أن الأمر سيكون… صعباً حقاً.

ولكن، جرى الأمر على ما يرام. كان عدد الصحافيين حول أحد الملاعب الخاصة بالتدريب أكثر مما أظنني رأيت في حياتي كلها.. لكن التدريب نفسه جرى على ما يرام. على الرغم من ذلك كان هناك شيء ما يكاد يكون عدائياً حول الأمر، أعني أن الموقف برمته كان متوتراً قليلاً، ومصطنعاً قليلاً. وكان يصعب في هذا الوضع أن تشعر بالكثير من البهجة.

ذهبت في وقت لاحق بعد ظهر ذلك اليوم، إلى أحد ملاعب التدريب الأصغر، لممارسة بعض الإحماء قبل المباراة وضربت عدة كرات. لا شيء أكثر من مجرد جلسة تدريبية 25 دقيقة، ليس أمراً كبيراً. لكني حين بلغت ذلك المكان.. لا أدري حتى ماذا أقول. أعني تلك اللحظة، وإطلاق العنان لمشاعري، والذي لا يمكنني حقاً وصفه. سريعاً، وبعد أن رآني جمع من معجبيّ الذين اجتمعوا حول الملعب لمشاهدة التدريب، وكانوا يحملون كل تلك الأعلام الروسية.. ولافتات “مرحباً بعودتك، يا ماريا» التي صنعوها، وكانوا فقط يصفقون ويصيحون مشجعين لي طوال الوقت.

عادةً ما أكون مركّزة بشدة في أثناء التدريب، خاصة عندما يقترب موعد المباراة؛ لكن في تلك اللحظة، عليَّ أن أعترف بأنني فقدت تركيزي قليلاً. مجرد فكرة أن كل هؤلاء المشجعين يختارونني أنا، من بين كل اللاعبين، ثم يقفون بجانبي، بعد كل ما حصل، ثم يتحملون مشقة صنع هذه اللافتات.. وبعد ذلك كله يسافرون إلى هنا، يأتون إلى هنا، إلى هذا الملعب بالتحديد… ليقوموا بتشجيعي، وإخباري بأنهم هنا من أجلي.

فجأة، بدأت تلك اللافتات تشغلني بشدة، وبطريقة لم أعهدها من قبل. كنت أضرب الكرات في الملعب، لكن كل ما كنت أفعله في رأسي، هو تخيل أولئك الفتيات وهنّ في منازلهنّ، يبحثن عن الصمغ المناسب، وعن الملصقات اللامعة المناسبة، عن القلم المناسب، ويقررون بالضبط ما سيكتبنه.

وبفعلهن كل ذلك من أجلي، وأتمنى لو أنني أستطيع شرح ذلك على نحو صحيح، لكن كان ذلك شعوراً غامراً فجأةً بالنسبة لي، وكان مؤثراً بحق. لقد ذكرني ذلك حقاً، بعد ذاك التدريب، أمام كل هذه العدسات، بأولئك الذين ألعب حقاً هذه اللعبة من أجلهم.

أشعر الآن بأن دوري جاء، أخيراً، لأرد لهم دَينهم؛ لأنه إذا كان هناك هدف ما أريد أن أحققه في المرحلة القادمة من حياتي المهنية أكثر من أي شيء آخر، فأظن أنه هو أن أصبح لاعبةً وشخصاً يستحق التشجيع بحق، من أجل هؤلاء المشجعين الذين ظلوا مخلصين بشدة لي والذين سوف يشجعونني تحت أي ظرف.

من المضحك حقاً كيف تتغير الأمور.

أظن أنه ربما يحمل الناس عني تلك الفكرة، التي مفادها أني تلك الفتاة التي تمتلك كل شيء. وبسبب هذا، ربما يصعب كثيراً إسعادي.

لكني سأخبركم عن تلك اللحظة القريبة من قلبي في حياتي، تلك اللحظة تحديداً، والتي شعرت فيها بأني سعيدة بحق.

كان ذلك قبل شهرين، في صباح أحد أيام منتصف مايو/أيار 2018. كنت ألعب في بطولة روما للماسترز، وكنت قد فزت بمباراة الدور الأول بمجموعات متتالية. كانت هذه هي بطولتي الثالثة بعد العودة، وبدأت أشعر بأني أستعيد ثقتي ببطء. الآن وبعد تأملي للماضي، ربما كان من الخطأ لعبي في 3 بطولات على التوالي، بعد أن قضيت 15 شهراً بلا لعب. (حسناً، لا بل ربما عند النظر إلى الوراء، كان الأمر أشبه ما يكون بما بالك يا ماريا؟ فيم كنتِ تفكرين؟)، لكني كنت متحمسة للغاية من أجل العودة. هل سبق أن قضيت الليل كله مستيقظاً، فقط لأنك كنت تفعل شيئاً ممتعاً تحبه، ولا تريد أن ينتهي الليل؟ هذا كان شعوري تقريباً وأنا ألعب البطولات الثلاث على التوالي، وكأن جسدي كان قادراً على متابعة التحرك فقط بسبب شدة الحماسة. وعلى كل حال، بعد لعبي مجموعتين في روما، كان ينتابني شعور عظيم.

كانت مباراتي في الدور الثاني من البطولة مباراة ليلية، في وقت الذروة على الطراز الإيطالي؛ في السابعة والنصف مساءً. لذلك كان لي أن أستمتع بوقتي الصباحي قليلاً. تناولت الإفطار في غرفتي بالفندق، كانت غرفتي تطل على ذلك المنظر الرائع من فوق تلة على المدينة، والفاتيكان، والكولوسيوم… ها هم هناك.. أعني، تكاد يداك أن تلمسهم. كان الجو جميلاً في مايو/أيار 2018 بإيطاليا. كانت العصافير تزقزق. وفوق هذا كله: كان من المقرر أن يُتخذ قرار في أي لحظة بخصوص عودتي إلى المشاركة في بطولة فرنسا المفتوحة، وقد انتابني شعور رائع حيال ذلك.

ربما أجعل هذه اللحظة تبدو أفضل مما كانت عليه في الواقع؛ لأنه ولأخبركم الحقيقة، لم يكن ذلك صباحاً غير اعتيادي بالنسبة لسفريّة من أجل اللعب. تستيقظ صباحاً في مدينة أجنبية، تتناول فطورك، ثم تستعد للتدريب. ليس أمراً غريباً. لكن في ذلك اليوم، حتى هذا الوضع الروتيني، أعطاني شعوراً مميزاً.

فجأة، لم أعد أشعر بأني كنت أفعل ذلك طيلة 15 عاماً. ولكن بدلاً من ذلك، وبطريقة غريبة، شعرت وكأني أعيش هذه اللحظات، مجدداً، للمرة الأولى في حياتي. متحمسة إلى وجودي في فندق، فخورة بوصولي للدور الثاني وأنتظر بحماسةٍ أخباراً عن عودتي إلى بطولة فرنسا المفتوحة، كانت مجموعة من المشاعر لم أَخبَرها منذ مدة. لكن على كل حال، أذكر أني استيقظت ذلك الصباح سعيدة بكل شيء، شاعرةً بأن هذا المكان الذي أنا فيه كان مكاناً رائعاً.

ثم بعدها، بالطبع، تحطم كل شيء فوق رأسي. فمع نهاية ذلك اليوم، كنت قد خسرت مباراتي (بعد اضطراري إلى الانسحاب بسبب إصابتي)، كنت خارج بطولة روما، وكنت خارج بطولة فرنسا المفتوحة، وكنت أيضاً، رغم أني لم أكن أعلم ذلك وقتها، خارج بطولة ويمبلدون. في الواقع، الشيء الوحيد الذي كنت بداخله مع نهاية ذلك اليوم كان جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي “MRI»، على وشك أن أكتشف أني كنت مصابة بتمزق من الدرجة الثالثة في عضلة الفخذ. من المضحك كيف تنقلب الحياة، أليس كذلك؟ إذا كانت الطيور ما زالت تزقزق، فلم أكن أستطيع سماعها.

لأصدقكم القول، كانت معنوياتي منخفضة بشدة بعد هذا كله. بدا الأمر قاسياً للغاية، فبعد ابتعادي عن الملاعب طيلة 15 شهراً، وبعد أن بدأت أشعر بأني أتخذ خطوة للأمام، ها أنا أُجبَر على اتخاذ خطوتين للخلف. يجب الآن أن أفوّت بطولة فرنسا وبطولة ويمبلدون، كليهما، للسنة الثانية على التوال، وأتوقف عن اللعب مجدداً. بدا الأمر كأن أحدهم يمزح معي مزحة سخيفة. أعلم أن هناك من ينتقدونني، يقرأون هذا الآن، ويفكرون في الأمر كما لو أنه كان بمثابة عاقبة أخلاقية. ولو أرادوا أن ينظروا إلى الأمر بهذه الطريقة فهذا حقهم. لكن الأمر يقيناً لم يبدُ كذلك وقتها. لم أشعر وقتها بأن ثمة عاقبة أخلاقية بتلك الليلة، في ذلك الألم، داخل جهاز الرنين المغناطيسي. في تلك الليلة، أردت فقط أن ألعب، كان شعوراً سيئاً، وظل سيئاً فترة طويلة.

لكن في النهاية، أظن أنه انتابني شعور جميل. ليس بخصوص الإصابة بالطبع، لكن ما أتى بعدها. وما أتى بعدها هو أني أعدت اكتشاف أو ربما أعدت تأكيد شيء ما عن نفسي، وهو أني أعشق ذلك الشعور، الشعور بعدم اليقين في المستقبل، الشعور الذي يدفعني إلى الخروج مرة تلو الأخرى إلى المجهول. أحب هذا الشعور.

أدركت حينها، أني على قدر حنيني إلى الراحة وإلى نمط حياتي القديمة كلاعبة تنس، فقد كان حنيني للمشقة، وللتغيير، أكبر. انتابني الحنين إلى شعوري بأن التنس يعطيك، من الصعب حتى أن أفكر في التعبير المناسب. ربما هو الحب صعب. كيف يعزلك التنس ويرهقك ويختبر عزمك، بأعنف الطرق الممكنة. لكن إذا استطعت أن تجتاز كل هذا.. حينها سيكافئك بطرق منقطعة النظير.

إذا أحببت التنس بما يكفي، ففي نهاية المطاف سيحبك التنس أيضاً.

وعلى الرغم من أن العامين السابقين كانا شديدي القسوة، أكثر بكثير مما كان بإمكاني أن أتخيل… شغفي للعبة لم يذبل قَط؛ بل ازداد عنفواناً.

أستعد الآن لبطولة أميركا المفتوحة، إحدى بطولاتي المفضلة. سألعب في ستانفورد، ثم بتورونتو، وسوف أعطي اللعبة كل ما أملك. ثم سأرى بعد ذلك -على الأرجح- ما سيحدث في الصيف. أنا على يقين بأني سأفوز بعض المباريات وسأخسر بعضها الآخر. وعلى يقين أيضاً بأن عشرات من منتقديّ -كما هو الحال مع الآلاف من معجبيّ- سيأتون. ولكن، في النهاية من يدري؟ حين يتعلق الأمر بالتنس، خيراً كان أو شراً، هناك شيء واحد فقط أنا على يقين تام منه: أني اشتقت إليه.

– هذا الموضوع مترجم عن موقع The Players Tribune.

المقالة الكثيرون يقفون بجانبك وقت الشدة ويتخلّون عنك وقت خفوت نجمك.. هذا ما تعلمته كلاعبة تنس عالمية ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

,
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com