ورد الآن

هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن للرئيس ترمب فعلها كي يحد من الهجرة الشرعية لأميركا

سافرت العام الماضي (2017) إلى جنوب غواتيمالا، مصدر واحدة من كبرى موجات الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. من الواضح تماماً ما الذي يجعل الناس يرحلون: غواتيمالا بلد غارق في النزاعات السياسية، والعنصرية المتوطنة ضد السكان الأصليين، والفقر وعنف العصابات المتزايد.

لكن هناك بُعد آخر أقل شهرة في موجة الهجرة هذه. يصعّب الجفاف ودرجات الحرارة المتصاعدة على الناس كسب قوتهم أو حتى النجاة بحياتهم، مما يفاقم من الموقف السياسي المحتدم لـ16.6 مليون شخص يعيشون هناك.

في بلدة جومايتبيك التي تقع في قلب المحور الجاف بأميركا، اصطحبني مجموعة من المزارعين لرؤية محصول البن الخاص بهم. كان محصول البن مسؤولاً عن معظم دخل أهل البلدة، لكنه هلك بفعل وباء يُدعى “صدأ البن»، أو la roya. مثلُ هذه الآفات ليست بالضرورة نتيجة مباشرة لتغير المناخ، لكنها تتفاقم بفضله، ويؤثر roya اليوم على النباتات في المترفعات الأعلى؛ بسبب ارتفاع حرارة تلك المرتفعات. ما يزيد الأمر سوءاً، هو أن ضغط الجفاف جعل هذه النباتات أكثر عرضة للوباء.

أخبرني أحد المزارعين الشباب ونحن نقف في الظل المتناثر لنباتات البن الخاصة به وهو يشير إلى الأوراق الذابلة المليئة ببقع آفة الـroya، قائلاً: “لم يعد بإمكاننا كسب عيشنا من محصول البن وحده بعد الآن». شرح لي أن الشباب من أمثاله إما أنهم ينتقلون إلى المدن ويحاولون كسب عيشهم هناك وسط عنف العصابات المتزايد الذي يجتاح المدن، وإما أنهم يتجهون شمالاً إلى الولايات المتحدة، على حد قوله.

قبل وقت طويل من كارثة فصل العائلات غير المعقولة عند حدودنا الجنوبية، جعل الرئيس ترمب من المعركة ضد المهاجرين غير الشرعيين شعاراً للحشد لحملته الانتخابية وإدارته. يريد سجن المزيد من المهاجرين، من بينهم الأطفال، كإجراء رادع، ووصم كل المهاجرين غير الشرعيين، ليس باعتبارهم مجرمين عنيفين محتملين فقط؛ بل ومرجَّحين كذلك. في الوقت نفسه، تولى هو وفريقه محاربة البيئة، فاعلين كل ما بوسعهم للتراجع عن عقود من التشريعات التي تهدف إلى حماية هوائنا ومياهنا وأرضنا. في يونيو/حزيران 2017، انسحب ترمب من اتفاق باريس للمناخ. في هذه الأثناء ، يقوم سكوت برويت، مدير وكالة حماية البيئة، بنزع أحشاء الوكالة التي يديرها بشكل محموم، ساعياً لتفريغها من مضمونها.

واليوم، وفقاً لوكالات الغوث الدولية أُجبرَ أكثر من 68 مليون شخص حول العالم على ترك منازلهم، غالباً بسبب الحرب أو الفقر أو الاضطهاد السياسي. من موقعي ككاتبة، أركز بشكل كبير على قضايا الهجرة القسرية. أُجبرَ مئات المهاجرين الذين قابلتُهم خلال السنوات القليلة الماضية، سواء في غامبيا أو باكستان أو السلفادور أو غواتيمالا أو اليمن أو إريتريا، على المغادرة بسبب أزمات سياسية حادة في بلادهم. لكني لاحظت أيضاً شيئاً آخر خلال سنوات عملي كمراسلة؛ إذا تحدثت مع هؤلاء المهاجرين مدة كافية، فستسمع عن بُعد آخر ضيّق ولكنه عميق لهذه الأزمات التي يخلفونها وراءهم مهاجرين: التدهور البيئي وتغير المناخ.

يقدر المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه منذ عام 2008، شُرِّد ما يقرب من 22.5 مليون شخص من منازلهم بسبب أحداث مرتبطة بتغير المناخ وأحوال الطقس المتطرفة. تشمل هذه الأحداث المجاعة المتفشية في دارفور؛ والرياح الموسمية والفيضانات في بنغلاديش؛ والإعصار الكارثي في بورتوريكو. كلما حاد المناخ عن طبيعته أكثر اضطر أناس أكثر إلى مغادرة منازلهم.

في واقع الأمر، تعزز إدارة ترمب من الظروف التي تزيد من الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة وأماكن أخرى، وذلك عبر رفضها أخذ مسألة تغير المناخ والمسؤولية عن كوكبنا بالجدية اللازمة.

خارج منشأة لشباب اللاجئين في جزيرة صقلية، أخبرني مجموعة من المراهقين الغامبيين الذين عبروا البحر الأبيض المتوسط قادمين من ليبيا، بأن الزراعة أصبحت عسيرة جداً في بلادهم؛ بسبب تمدد منطقة الساحل القاحلة أكثر وأكثر عبر القارة، لتبتلع أراضي الناس الزراعية. في اليمن أدت ندرة المياه، التي استمرت أعواماً، إلى نشوب الصراع الوحشي الدائر في البلاد.

بدأت السلفادور، إحدى أكثر الدول القاتلة في العالم، مؤخراً، فقط، بالتعافي من موجة جفاف زادت مخاطر العنف المستشري وحجمه بالبلاد. في كتابي عن هجرة الشباب من السلفادور والذي جاء بعنوان “إخوتي البعيدون-The Far Away Brothers»، أروي قصة عائلة وجدت نفسها في مواجهة زعيم عصابة يسيطر على البلدة التي يقطنون فيها. رحل الأخوان التوأمان في العائلة عن البلدة بسبب وضع جائزة على الإتيان برأسيهما، لكن التحديات ظلت تطارد أولئك الذين قرروا البقاء. تناقصت المحاصيل التي تنتجها حقول العائلة باستمرار، واكتسبت البندورة لونا شاحباً وباهتاً، ولم تنمُ المحاصيل الأخرى على الإطلاق. لم يعد بإمكان العائلة أن تعتاش من الزراعة؛ لذا فكر المزيد من أطفالها في التوجه شمالاً. لم يفعلوا ذلك بعد، لكن تقريباً كل يوم تخبرني واحدة من البنات بأنها تفكر في البدء بترتيبات الرحيل.

تُفاقم الكثير من العوامل من آثار الجفاف في أميركا الوسطى، من بينها تدمير الغابات المتواصل، وإرهاق المزارعين لأراضيهم. لكن وفقاً لـClimatelinks، وهو أحد المشاريع التابعة لوكالة التنمية الدولية الأميركية، فقد ارتفع متوسط درجات الحرارة في السلفادور بمقدار 2.34 فهرنهايت منذ خمسينيات القرن العشرين، وأصبحت موجات الجفاف أطول أمداً وأفدح أثراً. ارتفع معدل مياه البحر بمقدار 3 بوصات من خمسينيات القرن الماضي، ومن المتوقع أن يرتفع بمقدار 7 بوصات أخرى بحلول عام 2050. بين عامي 2000 و2009، ضرب 39 إعصاراً السلفادور مقارنة بـ15 إعصاراً في الثمانينيات. ومن المتوقع أيضاً أن يزداد هذا الرقم سوءاً.

عندما كنت أُعِدُّ تقريراً عن المهاجرين الذين يعيشون بالأحياء العشوائية الفقيرة في كينيا، سألت مجموعة من الرجال عن سبب مغادرتهم منازلهم بالمناطق الريفية في إثيوبيا. كانوا يعملون في الزراعة هناك، مثل العديد من الأجيال التي سبقتهم، لكنهم أخبرني بأنه لم يعد بإمكانهم كسب عيشهم من المحاصيل أو حتى إطعام عائلاتهم بشكل مناسب.

على غرار السلفادور وغامبيا وبنغلاديش وغواتيمالا، تعرضت إثيوبيا لأضرار فادحة؛ بسبب تغير المناخ، على الرغم من أنها لا تحتل أي مركز في قائمة الدول الـ100 الأولى المسؤولة عن انبعاث الغازات الدفيئة في العالم. لكن مشكلةَ تغيُّرِ المناخ بالطبع، أنها مشكلة عابرة للحدود.

هيَّأ الخطاب المعادي للمهاجرين الذي تبثه إدارة ترمب، المسرحَ لوضعٍ مثيرٍ ودقيقٍ، لكنه يحمل في طياته عواقب بشرية وخيمة وأحياناً مميتة (انظر مجدداً إلى الأطفال الذين فُصلوا عن آبائهم عند الحدود). لكن ترمب يعني ما يقوله: يريد للهجرة من الدول الفقيرة أن تتوقف. يعتبر أن مشاكل تلك الدول تخصها وحدها وليست مشاكلنا. ولا يلقي بالاً لقرون من التدخلات الخارجية الكارثية في أماكن مثل السلفادور وباقي الأميركيتين والعالم العربي وجنوب الصحراء، أو للأخطار المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ.

إذا أراد الرئيس ترمب حقاً قطع الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة على المدى البعيد، يجب عليه أن يأخذ مسألة تغير المناخ على محمل الجد. أمام إدارة ترمب خياران، إما أن تستمر في تحييد وكالة حماية البيئة وازدراء الجهود العالمية لحماية المناخ، وإما العمل بعقلانية للحد من الهجرة الدولية عبر مواجهة تحديات احترار الكوكب.

لا يمكنه أن يسلك الطريقين معاً.

– هذا المقال مترجم عن موقع جريدة The New York Times.

المقالة هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن للرئيس ترمب فعلها كي يحد من الهجرة الشرعية لأميركا ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

,
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com