ورد الآن

لا يظهر سوى عيونهن تحت النقاب ولكنهن لا يكترثن.. هنا عاصمة الدراجات النارية العربية

تتحوَّل إشارة المرور إلى اللون الأخضر، لتتحرك السيارات المتوقفة مُحاطَة بكوكبة من الدَّراجات النارية التي تظل وسيلة النقل الأشهر والأكثر استعمالاً في المدينة السياحية الأولى بالمملكة المغربية، مراكش.

اعتاد السُّياح الأجانب مثل المغاربة الزائرين للمدينة الحمراء التي تقع وسط البلاد، بعيداً عن العاصمة الرباط بـ 282 كيلومتراً، على رؤية الدراجات في كل مكان يقصدونه، يقودها الرجال كما الشابات والنساء ممن يرتدين أزياء عصرية أو الجلاَّبة التقليدية

وبعيداً عن النَّظرة النمطية التي يحملها السائحون الغربيون والعرب عن مدينة تلفُّها أساطير الشرق، يصطدم الزائرون بإقبال المراكشيات على قيادة الدراجات النارية بمختلف أحجامها والتنقل بها بكل أريحية لا تخلو من جرأة، حتى أنهن يكدن يُشكِّلن أغلبية من يقودون وسيلة النقل هذه المفضلة لدى أهل مراكش.

عاصمة الدراجات النارية

لا تخلو منازلهم من الدراجات النارية

لا تخلو بيوت المراكشيين من دراجة نارية واحدة على الأقل والتي يطلق عليها محلياً اسم “الموتور»، فكل فرد من أفرادها من العاملين أو الطَّلبة لا يستطيع بأي حال من الأحوال الاستغناء عن دراجته لقضاء أغراضه وضمان تنقل سريع وسلس بين أرجاء المدينة الحمراء الشاسعة.

هدير مُحركاتها يملأ الشوارع الرئيسية للمدينة، ولا يختلف الأمر كثيراً داخل الأزقة الضيقة بالمدينة العتيقة قريباً من ساحة “جامع الفنا»، ما جعل رشيدة البالغة من العمر 28 سنة والتي تعمل داخل أحد البازارات تؤكد على أن الدراجة النارية عملية أكثر داخل الأزقة الضيِّقة، “أقود الدراجة منذ أيام الجامعة ولا أستطيع الاستغناء عنها» تقول الشابة لـ “عربي بوست».

سيف ذو حدين

هن لا يتكرثن لآراء الناس حول نقابهن

لا تقتَصر خدمات درَّاجة رشيدة على التنقل صوب العمل قاطعة أزيد من 10 كيلومترات، بل تعمل الأم على نقل طفلتها صوب المدرسة كل صباح، فليس من الغريب في مراكش أن تشاهد أسرة بأكملها تتنقل على متن دراجة نارية، غالباً ما يتكفل الأب بالقيادة فيما تمسك به زوجته وبينهما طفل أو طفلة!

وبات من المعروف لدى سائقي السيارات القادمين لمراكش من مدن مغربية أخرى، أن السياقة داخل المدينة تصير مهمة صعبة بسبب الازدحام عموماً ولكثرة الدراجات النارية وطريقة سياقتها من طرف البعض ممن لا يحترمون قانون السير ولا يلتزمون أقصى اليمين بل يعمدون إلى المرور ما بين السيارات ومن أمامها بطريقة مُتمايلة.

أما رشيدة فلا تنفي أن في قيادة الدراجة مخاطرة كبيرة، متذكرة بأسف تعرضها لحادث سير قبل سنتين إذ تسبب سقوطها عن الدراجة بكدمات ورُضوض وخدوش متفرقة إلا أن خوذة الرأس حمتها من إصابة مميتة ربما، تتابع بضحكة احتفاء “نعم نسبب المتاعب لأصحاب السيارات ونضطرهم لتغيير طريقة قيادتهم، لكن في حال وقعت حادثة، أكبر الأضرار تلحق بأصحاب الدراجات بكل تأكيد».

ملائكة الدراجات

جغرافية المدينة الحمراء المُنبسطة، وبساطة أهلها، جعَل من سوق الدراجات النارية سوقاً مُنتعشة وتجارة مربحة، وفق ما أكده لطفي شطيبة، مالك محل لبيع الدراجات بمنطقة الدَّاوديات، متحدثاً لـ»عربي بوست» أن نسبة كبيرة من زبائنه نساء وشابات من مختلف الأعمار والمستويات التعليمية قبل أن تصل سيدة ترتدي النقاب للمحل وتشرع في سؤال لطفي عن أثمنة الدراجات.

تدعى فاطمة الزهراء وتبلغ من العمر 32 سنة، وتقود دراجة نارية منذ 3 سنوات، “زوجي علمني القيادة وكان يخرج برفقتي كل مساء ليلقنني المبادئ الأساسية، لم يأخذ الأمر مني وقتاً طويلاً» تؤكد المتحدثة.

لا يُرى منها إلا عيناها، وبلباس أسود طويل، لا تجد فاطمة الزهراء أن شيئاً قد يمنعها من ممارسة ما تريد فعله، مشيحة بوجهها حين سؤالها عن مضايقات المارة بالشوارع، تتابع الشابة بصوت هادئ ولكنة مراكشية غير خافية، “نهائياً، المجتمع المراكشي منفتح على قيادة السيدات للدراجات النارية، لم أتعرض يوماً لأي مضايقة بسبب الدرَّاجة خاصة، بل إن امتلاكي لها سهّل علي التنقل إلى الأماكن التي أريدها وجنَّبني ويلات التحرش داخل وسائل النقل العمومي».

نظرة إيجابية إذن ترافق النساء اللواتي يقدن دراجات نارية بعيداً عن كل انتقاد أو انتقاص، فكم من والد أو زوج رافق ابنته أو زوجته مقتنياً لها دراجة نارية، يقول بائع الدراجات لافتاً في نفس الوقت إلى أن سعر وسيلة النقل هذه مقارنة مع أسعار السيارات عامل مؤثر في لجوء المراكشيين والمراكشيات لاستعمالها، موضحاً لـ»عربي بوست» أن ماركة “الدُّوكير» تبقى الأكثر رواجاً ويتراوح سعرها بين 7500 درهم (780 دولاراً)، و11 ألف درهم (1156 دولاراً).

مجتمع متقبِّل.. ورجل منفتح

طبيعة المدينة أيضاً ساعدت على انتشار الدراجات

سببان اثنان يفسران استعمال الدراجات النارية في المدينة الحمراء، وفق الباحثة في علم الاجتماع الدكتورة مرية أخطيرة، يتمثل أولهما في العامل الجغرافي، ذلك أن مراكش تُعد من أكبر المدن المغربية التي تشغل أحياؤها مساحات كبيرة ومتباعدة من حيث الموقع. كما أن شوارع هذه المدينة تُمكِّن سائقي الدراجات من المرور بسهولة أكثر من مستعملي السيارات الذين يجدون أنفسهم عالقين وسط الازدحام وإشارات المرور.

وأبرزت المتحدثة لـ»عربي بوست»، أن السبب الثاني ذو طبيعة سوسيو ثقافية لأن انفتاح المدينة السياحي على ثقافات أخرى على طول السنة لا يمكن إلا أن يؤثر إيجاباً على نظرة المجتمع للمرأة. كما أن الحفاظ على الأمن الذي يحاول رجال الشرطة توفيره داخل مدينة مليئة بالسياح يشجع المرأة المراكشية على ركوب الدراجة النارية من أجل التنقل دون أن تتعرض للاعتداء أو التحرش.

أما عن تقبُّل الرجل المراكشي لقيادة قريباته للدراجات النارية، فاعتبرت الدكتورة مرية أن الرجال بالمدينة أكثر انفتاحاً من غيرهم عموماً، حيث أن تنشئتهم الاجتماعية ساعدت في جعلهم أشخاصاً قادرين على التعايش مع ثقافات أخرى. وربما الهيمنة الذكورية أقل حدة عند المجتمع المراكشي لأن شخصية المرأة المراكشية جد قوية، تختم الباحثة حديثها.

المقالة لا يظهر سوى عيونهن تحت النقاب ولكنهن لا يكترثن.. هنا عاصمة الدراجات النارية العربية ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

,
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com