ورد الآن

ولنا في الخسائر عبرات

عندما فقد إحدى ساقيه شعر بعدم اتزان غير معقول صعب احتماله، في البداية أنكر فقدانه إياها، وحاول أن يتغلب على خسارته المؤكدة بأن يتعامل بصورة طبيعية وكأن شيئاً لم يحدث، وكي يثبت لنفسه أنه لم يخسر أتى بكرة كان بالأمس يركلها، وأخذ يسدد بساقه أهدافاً في مرمى خالٍ، هدفاً تلو الآخر حتى أتت لحظة ما، تلك اللحظة التي انقطع فيها حبل أوهامه وتذكر، تذكر أنه دون ساق ودون توازن، وتذكر أنه وحده من يشعر بهذا الألم غير المنطقي.

وبناءً على ذلك وبكل بساطة سقط، وظل يسقط مرة بعد الأخرى بالرغم من ركوده التام على الأرض، فهو في الحقيقة لم يسقط بجسده إلا مرة واحدة، ولكن سقطاته كانت تتكرر -داخله- بقدر شدة إنكاره السابق وقسوة لحظة استيقاظه من خيلاته، صاحبنا ليس كما تظنون به، فهو فقط خائف من أن يواجه كل هذا الألم وحده، ولذلك يهيئ له عقله النكران على هيئة خيالات حتى يحميه من ذاك الألم العبثي، وهو لا يعلم أن هذه ليست إلا البداية، كما أنه لا يدري أن غده بيده قد يكون أجمل أو أقبح.

هذا المشهد ما هو سوى سرد بسيط الكلمات لما يمثله الفقد في نفوس البشر في أول مراحله، فالفقد هو ضياع الشيء وغيابه وخسارته، ومن تعرّض لخسارة ما يوقن بأنه من الآن فصاعداً عليه أن يتعلم العيش مع هذه الخسارة، عليه أن يواكب الفقد ويجاريه، فالفقد قد صار له ظلاً ولا مفر مما عنه زال واندثر، فالساق المبتورة لن تنبت مكانها ساق أخرى بالرغم من قدرة الله التامة على إعادة خلقها من جديد، وإحياء الروح بها، ولكن لله حِكماً، يخلق الأقدار وييسرها إلى مَنْ يحبهم حتى يعلمهم درساً، أو يغنيهم بفضيلة عن غيرهم، أو يرفع من عليهم ذنباً كاد لو استمر أن يودي بآمالهم، والعبرة في كل ذلك هي أن تصبر، ولا أرى للصبر سبيلاً سوى نداء خفيّ بين العبد وربه، يطمع فيه المخلوق أن يلهمه خالقه الصبر الجميل الذي يرضاه ويحبه.

ومن رحمة الله الحليم المجيب أنه هيأ لنا نوعاً فريداً من الخسارة، خسارة مؤقتة تجثم على روح المؤمن حتى توقظه وتعيد النبض لأطراف إيمانه التي تجمّدت في خضم الملهيات والمغريات، هذه الخسائر تحرق القلب ندماً وحيرة وطلباً في معرفة ممر العبور الآمن إلى حيث يريد الله، ولكن الله لا يترك عباده أبداً، ولا يصيبهم إلا بأحسن الأقدار وأبهاها، وينزل عليهم رحماته، ويبارك لهم في خطواتهم، ويزرع في قلوبهم الأمل بأن ما يدعونه ليلاً نهاراً آتيهم في الوقت الذي قدّره الله المقتدر، لن يستطيع أيٌّ منا أن يفهم حكمة الله ومشيئته، وإذ أدركنا شطراً منها فذلك سيكون من فضل الله ومنّه علينا.

وهذه الخسائر المؤقتة التي أتحدث عنها فيها تذكرة وإعادة تقويم لسلوك المؤمن. فحينما تتعلم الدرس، وتتوب عن الذنب، وتعود عودة تقية مخلصة، وتتخلص من مواطن ضعفك وتصير مضغتك أصلح وأنقى، سيعيد لك القدير ما بكيت بالأمس لفراقه في ألطف صوره، وسيجمع الله بحلمه وعدله الشتات كله، وسيأتيك بخير مما كنت تسعى إلى وصوله في لمحة بصر، فالله يردّ الغائبين إلى مواطنهم، ويبسط للتائهين طرائقهم، ويجبر للمنكسرين خواطرهم، ولا يريد أحدنا شقياً ولا تعساً.

احترموا آلام الآخرين ولا تزيدوهم فوق الهمّ هماً، دعوا لهم من فسحات الوقت جلّ ما يحتاجونه للعلاج والمداواة، وأعطوهم هذا الأمان الذي يفسح المجال للتعبير عن أيٍّ مما يشعرون به متى أرادوا، وإذا أحببتموهم بصدق فلا تتركوهم في ظلمات الفقد وحيدين، كونوا ودودين لطفاء بقلوبهم، عطوفين رحماء بجوارحهم، حاضنين مواسين لعبوس وجوههم، وتذكروا يا أحباب أن الحب ليس كلمات براقة مزدانة بالورود والابتسامات فحسب، فالحب الأصيل يكمن جوهره في الأفعال الجادة الصديقة، فالحبيب في وقت الفرح شريك، وفي أشد لحظات البأس على النفس مُعين، تأكدوا أن يكون وجودكم للصامدين الصابرين من رفقائكم وجوداً منيراً مبشراً بأن الظلام عن شرفات عيونهم سينجلي، ولا تكونوا ممن يردّون الأيادي الرقيقة طالبة العون خائبة الرجاء، حفظ الله أحبابكم، وكان جلّ علاه سنداً لكل من هزمته أحد فصول الحياة الدنيا الفانية.

المقالة ولنا في الخسائر عبرات ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

,
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com