ورد الآن

مُنعن من لعب كرة القدم.. وبدلاً من الإذعان شكَّلن فريقاً

“حاول الناس أن يوقفوني عن الممارسة»، تقول رزقي عبدالله، وهي تجلس في منزل أمها المتواضع بقرية “دول» في زنجبار (أرخبيل شبه ذاتي الحكم قبالة سواحل تنزانيا)، قبل أن تضيف بحسرة: “قالوا: لا تلعبي كرة القدم، فكرة القدم للرجال فقط».

ويمارس الأطفال في زنجبار كرة القدم في أحيان كثيرة، وكان الناس يشاهدون مباريات كأس العالم لكرة القدم على التلفاز في المطاعم المنتشرة في الأركان، مثل أي مكان آخر، ولكن النساء لا يلعبن. تقتصر كرة القدم، رغم أنها شعبية، على الصبية والرجال فقط. وبسبب الضغط الشعبي، والخوف من جلب العار للأسرة، تُحجم النساء عن ممارسة اللعبة.

رزقي ترمق أمَّها الجالسة في الجانب الآخر من الغرفة بنظرةٍ عصبية، قبل أن تقول: “لم أتعرَّض قط لإيذاءٍ جسدي، لكنهم يخبرونني ويخبرون عائلتي بأنهم غير سعداء، وأنني لا يجب أن ألعب كرة القدم».

زنجبار أرخبيل شبه ذاتي الحكم قبالة سواحل تنزانيا

عشق كرة القدم يجمعهن

تشتهر رزقي في زنجبار بلقبها “تشادول»، وتعني “القصيرة من قرية دول»، وهي القرية الريفية التي تؤوي ألف شخص، حيث تربَّت رزقي. تعتبر اللاعبة جزءاً من مجموعة تتكوَّن من ستة فرق، تُشكِّل دوري كرة القدم للفرق النسائية في زنجبار. وبالرغم من الضغوطات الاجتماعية المستمَدة من المعتقدات المحافظة حول دور النساء، تثابر الرياضيات المشاركات في دوري كرة القدم النسائية في زنجبار، ويحتشدن معاً من دون موارد أو دعم بسبب حبهن الكبير للعبة.

وقد جمعتهن معاً مقاومتهن للانتقادات الموجَّهة لهن، مما جعل الأمر يبدو كما لو أنه بدايةٌ لحركةٍ ما. يتعانقن على أرضية الملعب، ويضحكن معاً، والعديد من اللاعبات جمعتهن صداقات حميمة. تأمل تلك المجموعة أن يأتي يوم وتحصل كرة القدم النسائية على اعتراف حكومي، ودعم من النوع الذي يحصل عليه لاعبو كرة القدم الرجال في زنجبار. ولكن الأهم من كل هذا أنهن ببساطة يرغبن أن يكنّ قادرات على ممارسة اللعبة.

وبهذا الخصوص تؤكد رزقي أنها ملتزمة بممارسة اللعبة، وليست خائفة من أي شيء، وتسبب إصرارها على ممارسة اللعبة في فصلها عن مجتمعها في دول، وبالمقابل تسبَّبت مهاراتها في تمييزها عن أي شخص آخر على الجزيرة؛ إذ إنها نجمة في المنتخب الوطني الزنجباري لكرة القدم النسائية. فهي على أرضية الملعب تسبق اللاعبات الأخريات، وبهيمنة كبيرة، ويعود الفضل في ذلك إلى 10 سنوات قضتها في تحريك قدميها وممارسة كرة القدم بإتقان كبير.

تعاني الفتيات من العديد من الضغوطات المرتبطة بدورهن في المجتمع

ظهرت مهارة أقدامها بوضوح خلال مباراة أُقيمت في يوم قريب قبيل الغروب بين فريقها، Jumbi Woman Fighter، وفريق Green Queens. استضافت قرية جومبي (Jumbi)، وهي قرية ريفية في حجم قرية دول، هذه المباراة، وكانت أولى مباريات موسم 2018 من بطولة الدوري. مشطت بعض اللاعبات الملعب غير الممهد، وجمعن حجارة في حجم كرات صغيرة، وألقين بها خارج خط التماس.

بدأت المباراة بجمهور قليل يتكون من العائلة والصديقات، يقفون خلف خط التماس، لكنه زاد بسرعة مع انتشار الأخبار عن إقامة المباراة، لينضم إلى الجمهور أكثر من عشرة أشخاص آخرين. كانت مجموعة من الشباب في جلابيب بيضاء، يتكئون على كومة من الحجارة خلف المرمى، ويسخرون من اللاعبات. كانوا يصيحون باللغة السواحلية “أمسكي بها! لا تتركيها تمر منك!».

لا كرة في رمضان

تلعب سبع من اللاعبات اللائي كُنّ على أرضية الملعب في المنتخب الوطني الزنجباري. انتهى شهر رمضان واحتفالات عيد الفطر الرائعة التي تعقبه، ولا تزال العديد من النساء تحملن آثار هذه الاحتفالات، بما في ذلك تلوين الأظافر باللون البرتقالي، ورسوم الحنة الرقيقة التي تحيط المعصم، وجدائل الشعر المجدولة حديثاً التي تتناقض مع قمصانهن ذات الألوان الفاتحة والأحذية الرياضية النيون.

لا تمارس النساء كرة القدم في شهر رمضان؛ لأن الصيام الذي يمنعهن أيضاً عن شرب المياه يستحيل معه تقريباً ممارسة كرة القدم في القيظ الحارق لأوقات النهار في زنجبار. وحتى بعد الإفطار في المساء، تنص التقاليد على أن الرجال فقط يُسمح لهم بممارسة كرة القدم في المساء خلال شهر رمضان، إن لم يكن في جميع الأيام.

تقتصر كرة القدم، رغم أنها شعبية في زنجبار، على الصبية والرجال فقط

بدأت رزقي لعب كرة القدم عندما كانت في الحادية عشرة من عمرها، بعد أن ظهر مدرب في صفّها المدرسي، وسأل إذا كان هناك أي فتيات يرغبن في الذهاب إلى تنزانيا، حيث تنتشر هناك كرة القدم النسائية، للمشاركة في إحدى المباريات. أوضحت رزقي: “قال إنهم بحاجة إلى فتيات، وكانت تلك فرصتي. عندما عدت، لم أهتم بأي شيء آخر». بدأت في استعارة الأحذية الرياضية من أخيها، ولا تزال مستمرة في عادتها حتى اليوم، إذ تبدأ التدريب في الصباح الباكر فوق الرمال بطول ساحل زنجبار القريب.

أول فريق نسائي

تصادف توقيت بروزها مع حدث آخر. ففي نفس الوقت تقريباً، كانت الترتيبات جارية لإنشاء أول فريق كرة قدم نسائي. وفي عام 2007، عرض فيلم وثائقي عن الصعوبات التي تواجهها المرأة الزنجبارية لتأسيس ذلك الفريق في المهرجانات الدولية.

وشجع هذا نصرة جمعة محمد، وهي لاعبة زنجبارية سابقة في المنتخب الوطني التنزاني (وواحدة من المعلقات في زنجبار على فعاليات كأس العالم 2018)، أن تلتزم ببدء دوري نسائي. أطلقت على أول فريق اسم Women Fighters (وهو ما كان مصدر إلهام في تسمية فريق رزقي Jumbi Women Fighter)، والسبب حسبما تتذكر: “كنا دائماً نقاتل من أجل مشاركة الملاعب مع الرجال». تعتبر نصرة الآن بمثابة الأم الروحية لكرة القدم النسائية في زنجبار، التي توسعت لتضم ستة فرق في دوري كرة قدم نسائية، مثلما تصورته تماماً.

كرة القدم النسائية في زنجبار توسعت لتضم ستة فرق في دوري كرة قدم

تتذكر رقية طالب يحيى، البالغة من العمر 19 عاماً وتلعب لفريق Green Queens، عندما أخبرتها أمها أنها لا تستطيع ممارسة اللعبة، حتى جاء إلى منزلها في النهاية مدرب يعمل مع نصرة، وأقنع أمها بالسماح لها بأن تجرّب.

لاعبات الكرة مثليات

تحكي رقية من منزلها العائلي، في حي كيمبي ساماكي، خارج عاصمة زنجبار كيف لا يزال الناس يتصورون أن كرة القدم للنساء ممارسة سيئة، وأنها سلوك سيئ “لست متأكدة إن كانت أمي سعيدة بنسبة مائة في المائة».

ولعل هناك رابطاً بين صعوبة ممارسة اللعبة للنساء وبين التقاليد المحافظة للعديد من العائلات، وبالرغم من أنه ليست جميع العائلات المسلمة تتخذ موقفاً من ممارسة النساء لكرة القدم، تميّزت تجربة لاعبات كرة القدم الزنجباريات بتعرضهن للنقد المستمر. تبلغ نسبة المسلمين في زنجبار 99%، فيما يدين غالبية سكان تنزانيا بالديانة المسيحية. تُبقي النساء هنا على الحجاب أثناء ممارسة كرة القدم في الشوارع، أو في التدريبات، لكنهن يخلعنه خلال مباريات الدوري قبيل انطلاق صافرة بداية المباراة.

ومن داخل مكتبه في وسط مدينة زنجبار الحجرية، قال حسن توكل، مفوض المجلس الرياضي في زنجبار، إن كرة القدم في واقع الأمر “رياضةٌ للرجال». يشرف حسن على الدوريين الرجالي والنسائي لكرة القدم في زنجبار، لكنه قال إن “التقليد» يعيق قدرة مكتبه على الترويج بفاعلية لكرة القدم النسائية. وأوضح: “يصعب وجود كرة قدم نسائية، لأن بعض الفرق ليست نماذج جيدة للنساء. قال معظم المدربين إن غالبية اللاعبات ليس لديهن أخلاق حسنة».

ينتشر تلميح قوي في زنجبار يشير إلى أن النساء اللائي يلعبن كرة القدم مثليات، وهو ما يصدقه حسن أيضاً. يمكن أن تكون كلفة مثل هذا التلميح -وإن بدا لأي غريب مجرد ثرثرة- باهظةً جداً في زنجبار.

تبلغ نسبة المسلمين في زنجبار 99%، فيما يدين غالبية سكان تنزانيا بالديانة المسيحية

تعتبر الممارسات الجنسية المثلية غير قانونية في 38 بلداً إفريقياً من أصل 54، بما في ذلك أراضي تنزانيا، حيث تسري حملة أمنية مشددة على مجتمعات الميم خلال العامين الماضيين. ويمكن أن تؤدي الممارسات الجنسية المثلية بين الرجال إلى عقوبة السجن لـ30 عاماً في تنزانيا، و14 عاماً في زنجبار.

ورغم أن تنزانيا ليس لديها قانون محدد لمنع المثلية بين النساء، فإن لدى زنجبار مثل هذا القانون. تنص الفقرة الـ153 من قانون العقوبات الزنجباري على أن “أي امرأة ترتكب أفعالاً جنسية مثلية مع امرأة أخرى، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، تدان بارتكاب جريمة وتُعاقَب لدى إدانتها بالسجن لمدة لا تتجاوز 5 سنوات أو تُغرم مبلغاً لا يتجاوز 500 ألف شلن».

إذا فسرت الحكومة بطريقة ما، دوري كرة القدم النسائية بأنه تأييد للمثلية، يمكن أن تنطفئ شعلة كرة القدم النسائية في زنجبار إلى الأبد.

ومن أجل هذا، اتَّخذ بعض مدربي كرة القدم النسائية موقفاً متشدداً تجاه المسألة. تذكَّر حسن مويني، مساعد مدرب فريق Jumbi، كيف انضمت امرأة في الموسم الماضي إلى فريق Jumbi، واعتقدوا أنها مثلية؛ لذا أبعدوها عن الفريق. وعندما سُئل عن الطريقة التي عرفوا بها أنها مثلية، قال: “لقد عرفنا وحسب».

قالت وردة خالد عبدالله، إحدى لاعبات فريق Jumbi، وتبلغ من العمر 27 عاماً: “لا يمكننا إنكار وجود مثليات في الفريق. لكن ممارسة كرة القدم لا تجعلكِ مثلية. فكِّر في الأمر: توجد (نساء) مثليات ولا يلعبن كرة القدم».

لا دعم من الحكومة

غير أن خلط القضايا المحيطة بكرة القدم النسائية يعني صعوبة بلوغ ذلك الدعم. تعترف نصرة بأنها تعتقد أن كرة القدم النسائية في زنجبار “بعيدة عن الحصول على الدعم الحكومي. وحتى المنتخب الوطني لكرة القدم النسائية، الذي يتكون من مجموعة من أقوى اللاعبات في فرق الدوري، يكافح من أجل اللعب».

رغم أن المنتخب الوطني لكرة القدم للرجال حصل على ثناء من الرئيس، ومكافآت كبيرة؛ بل وقطعة أرض لأنهم حصلوا على المركز الثاني في البطولة الإقليمية- تأجلت البطولة النسائية لهذا العام (2018) 4 أيام، قبل انطلاقها؛ بسبب الصعوبات المالية.

ولكن، ربما ليس هناك ما ينقل معنى وصمة العار التي لا تزال موجودة ضد النساء اللائي يمارسن كرة القدم النسائية أكثر من الحقيقة التي تفيد بأن الفتيات غير قادرات على ممارسة الرياضة ضمن التربية البدنية في مدارسهن.

تُتاح ممارسة كرة القدم في زنجبار، ولكنها فقط ليست متاحة للفتيات. بدلاً من ذلك، يُؤذن للفتيات في أن يمارسن كرة الشبكة، وهي نسخة مصغرة من كرة السلة من دون مراوغة ورامٍ محدد. تعلّم كثير من النساء اللائي يمارسن كرة القدم ضمن فرق الآن ممارستها في الشوارع بعد المدرسة مع الصبية في أحيائهن. ويعتبر الدوري بالنسبة لكثيرات منهن أول فرصة للعب مع نساء أخريات.

ويقول مدرب فريق Jumbi، خالد خميس سليمان، (34 عاماً): “سأكون أسعد رجل إذا أدخلت الحكومة كرة القدم إلى مدارس الفتيات. وإذا كبرت تشادول على ممارسة كرة القدم، كانت بكل تأكيد ستصير واحدة من أفضل لاعبات كرة القدم في أي مكان».

ربما في المستقبل..

عندما سُئل عن وجود كرة قدم للفتيات في المدارس، بدت ملامح الدهشة من الفكرة على وجه بالوزي علي عبيد كرومي، ابن الرئيس الزنجباري السابق، وهو الآن وزير المعلومات والثقافة والسياحة والرياضة الجديد. قال بالوزي عليّ إن “النساء في زنجبار يحببن أن يكنّ رقيقات؛ لذا إذا أخبرتهن بأن يشاركن في الرياضة ستقول (أي واحدة منهن): كلا، لا أريد أن أكون مثل الرجال».

يذكر الوزير فِرقه المفضلة في الدوري الإنكليزي للرجال، ويقول إنه من كبار مشجعي كرة القدم. وفي نهاية المطاف، بدا أنه قد غيَّر رأيه حول فكرة السماح للفتيات بممارسة كرة القدم في المدارس؛ إذ قال قبيل نهاية المقابلة: “أعتقد أنني قد أصبح مهتماً بالترويج لذلك. إنها فكرة جيدة. أعتقد أنها شيء يمكن أن ننظر فيها؛ نظراً إلى أنها (الوجهة) التي يتجه نحوها العالم».

المنتخب الوطني الذي يتكون من مجموعة من أقوى اللاعبات يكافح من أجل اللعب

تأمل فريدة حميسي كوبنيبو، (14 عاماً)، تحقُّق ذلك؛ فهي واحدة من اللاعبات الصغيرات في فريق رزقي، ويرى المدربون أنها ستكون نجمة الجيل القادم من لاعبات كرة القدم النسائية. نظراً إلى أن والديها يعملان لصالح الحكومة، تربت فريدة في ظروف مختلفة كلياً عن الظروف التي تربت فيها عبد الله. ولكن رغم المزايا الاقتصادية والاجتماعية التي لديها، تقول أيضاً إنها تواجه مصاعب من أجل مواصلة حلمها بممارسة كرة القدم. في أثناء الجلوس بغرفة المعيشة مع أبويها، تعترف بأن بعض صديقات أمها لا يعتقدن أنها يجب أن تمارس اللعبة. وقالت: “إنهن لسن سعداء».

عادة ما تكون فريدة هي الفتاة الوحيدة التي تلعب الكرة في الملعب خارج منزلها. فقد تركت المدرسة وليس لديها وظيفة. وقال والدها إنه لهذا السبب دعمها لممارسة كرة القدم. وقالت فريدة إنها تحلم بأن تصبح نجمة كرة قدم، وهذا هو ما تصب فيه تركيزها في الواقع، وهو أيضاً السبب الذي جعلها تترك المدرسة. أضافت الفتاة: “إن كان لديَّ فرصة أن ألعب كرة القدم في المدرسة. أجل، بكل تأكيد سوف أعود إلى المدرسة».

في نهاية المباراة، كانت النتيجة 2-0 لصالح فريق Jumbi، وأحرزت رزقي هدفاً من الهدفين. واضطرت إحدى اللاعبات إلى الخروج محمولة من شدة الألم. ففي غياب المال الذي يمكنهن ادخاره والرعاة القادرين على منح المال، تلعب النساء من دون ارتداء أي نوع من واقي الساق، إضافة إلى أن الأراضي التي يلعبن فيها وعرة وغير ممهدة، والإصابات متكررة الحدوث.

هنَّأت جميع اللاعبات بعضهن بعضاً بعد المباراة وذهبن إلى حقائبهن، فأخرجن الحجاب ليغطين شعورهن الجميلة.

المقالة مُنعن من لعب كرة القدم.. وبدلاً من الإذعان شكَّلن فريقاً ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

,
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com