ورد الآن

ما الفكرة في خجل المرأة من الاعتراف بعمرها؟

يوم جميل بدأ بصباح خير معجونة بالعسل وهي تخرج من شفاه ابن أخي الصغير، كل شيء جميل في هذا الكون بقدر ما نملك في دواخلنا من جمال فـ»أيّها الشّاكي وما بك داء، كن جميلاً تر الوجود جميلاً».

يمرّ الصباح، المزيد من الوجوه، المزيد من صباح الخيرات، وكل يعجنها صاحبها بما ينضحه إناء روحه.

كلما التقيت شخصاً جديداً بادرني بالسؤال عن عمري قبل كل شيء، في العمل، في قاعة الرياضة، في الشارع، أو أي مكان قد يمتلئ بالهامشيين.

نحن البشر نحب أن نسأل دائماً، كيف لا وكل الكون مبنيّ على الأسئلة؟! ولكن الفرق بين التافه والهامّ شَعْرة كالفرق بين أن تسألني كم عمرك؛ لأنك تهتم لأمري وربما قد تبدأ في تحضير هدية عيد ميلاد لي، وبين ذات السؤال وأنت تبحث عن التطابق بين عمري ووجهي؛ لتحكم بحسب عقلك المحدود على كمّ الخسارات أو الأرباح التي جنيتها في هذه السنين، وكأنّه ثمة إنجازات لا بد لكل شخص في عمر معين أن يتمّها!

نحن لسنا نسخاً مقلدة عن بعضنا البعض، نحن بشر ولكل منا حياته التي لا تشبه أحداً.

أمّا بحسب البعض، وفي عمري هذا كان يجب عليّ أن أكون قد “أنتجت» على الأقل طفلين، ولكني الآن أشبه بالأرض البور، لا زرع ولا حرث ولا حصاد.

ولكن لا بأس في أن أجيب عن هذا السؤال، فأنا سعيدة بنفسي وعمري بالقدر الذي فطرني الله عليه ولم أسمح لشيء أن يسيء لهذه الفطرة، فيجعلني أخجل كما الكثيرات وهن يُجِبن على هذا السؤال حدّ الكذب.. لا أعلم لمَ تخجل النساء من أعمارهن وكأنهن يقلن للعالم نعم أنا امرأة بمواصفات “اللولي بوب» التي ستذوب مع الزمن لا محالة، أنا امرأة بمدة صلاحية محددة لذلك سأخفي تاريخ إنتاجي؛ كي لا يعلم أحد تاريخ انتهائي، ما الفكرة في خجل المرأة من الاعتراف بعمرها؟ هل سيغير ذلك عمرها حقاً إن لم يعلمه أحد؟ كيف للإنسان أن يخجل من شيء يُعرّفه، كيف له أن يخجل من نفسه؟ وإن نجح مجتمعنا البليد في ترسيخ هذه الأفكار القميئة في عقول النساء فلماذا يستسلمن له بكل سهولة؟

عزيزتي المرأة أنت لست قطعة حلوى ولا تمثال شمع ولا قطعة ملابس ولا حتى جوهرة نفيسة لأحد! أنت إنسانة لديها الكثير كي تقدمه لهذا العالم، فضلاً عن أن تضع نفسها في قالب بارتفاعات وأبعاد معيّنة يحددها السائد، وكأنها معروضة في سوق لبيع السلع، أنت لست صورة يلتقطها غيرك ليضعها في إطار فوق جدار، فأنت تملكين عيوناً خلقت لتلتقط صوراً على مدى عمرك حزناً وفرحاً بأشياء أكبر من مجرد رقم يتجدد كل سنة.

أما أنا فإني من مواليد سبتمبر/أيلول 1987 وعمري 30 سنة، لن أخفي أبداً عمري؛ لأني من عاشت سنيه بحلوها ومُرّها وأفخر به، قد يراني البعض كبيرة حسب تقديراته، وقد يراني آخرون صغيرة حسب إعداداتهم الخاصة، ولكني أمرّ عبر نفس الطريق الذي سلكه العديدون من قبلي وسيعبره الكثيرون من بعدي، فلا شيء ثابت في هذا الكون، والكل يتغير ويكبر، فلماذا نعترض على طبيعتنا أو نحاول إخفاءها؟ أنا لست صغيرة ولم أكن صغيرة أبداً، فأنا لم أهتم لتوافه أمور غيري أبداً، أنا لست صغيرة فلم أعامل الناس بحسب ما تقدمه قشرتهم للعالم، لست صغيرة بالمعنى الذي يجعل تفكيري يطفو على السطح ويتجاهل ما تحويه الأعماق، لست صغيرة بالقدر الذي يجعل منّي غبية لأخفي عمري وحقيقتي ومن أكون.. لست صغيرة إلى الحد الذي يُجلسني لأحتسي القهوة على أخبار إحداهنّ وآكل الكعك المُحلّى بالحديث عن سنواتها وأنا أحدد عمرها الحقيقي وما فعلته فيه، أنا أكيدة أنها فعلت الكثير بمجرد أنها لم تجلس جلسة تافهة كهذه.

لقد ولدت كبيرة وبينما أمسكت من كُنّ في عمري ألعابهُن ومثّلن دور الأمهات معهُن أمسكت أنا أوراق أبي وأقلامه وحلمت بالدراسة والعمل والعلم مذ كنت بطول ركبتيه.. فالأمومة فطرة بينما العمل والعلم أحلام وطموحات وإنجازات.

سنكبر جميعاً يوماً ما وسنصبح كأمهاتنا وجداتنا لتكسو جلودنا المشدودة تجاعيد بعدد الأيام التي عشناها والابتسامات التي شاركناها مع أحبتنا والدموع التي اقتسمت حزننا تارة وفرحنا مرات أخرى.. فلماذا وكيف قد أخجل من عمري هذا وفيه ذاكرتي التي التقطت صور أحبتي وما أفرحني يوماً حد البكاء.. لم ولن أخفي نفسي فهنا أنا وبعد عشر سنين سأصبح في الأربعين وبعد عقدين إن كتب الله لي العيش سأُتم الخمسين وسأكون جميلة بقدر جمال أمي اليوم.

أنا لا أريد أن أظهر أصغر من عمري الحقيقي ولا أكبر، أنا ممتنة تماماً وبكل رضا الكون لما أنا عليه وكما أنا دون تغيير ولا تعديل ولا تطوير أو تبديل وسيحمل قلبي دوماً ذات الرضا والحمد، فأنا امرأة بمواصفات إنسان لا يدوم على حال، وسيموت لا محال، والحمد الله على نعمة العقل الذي يكبر مع عمري ولا يصغر “فتمتّع بالصّبح ما دمت فيه، لا تخف أن يزول حتى يزولا».

المقالة ما الفكرة في خجل المرأة من الاعتراف بعمرها؟ ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

,
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com