Home » العالم اليوم, مميز » ألبوم الصور المزيفة التي اكتُشفت لاحقاً تُوضِّح كيف أخفى النظام السوفييتي الحقيقة

إلى أي مدى يمكن أن تبدو الأمور غير حقيقية؟

قد يدور هذا السؤال بخلد المرءِ في حين يتآكل الشعور بالواقع المشترك يوماً بعد آخر.

في مقالٍ كتبته هانا آرنت بمجلة The New Yorker الأميركية، قبل 51 سنة مضت، عن العلاقة بين الحقيقة والسياسة، لاحظت الفيلسوفة الألمانية كم هي ضعيفةٌ الحقيقة الواقعية، مستخدمةً المثال المُتعلِّق بـ»الدور الذي اضطلع به رجلٌ يُدعَى ليون تروتسكي إبان الثورة الروسية، ذلك الرجل الذي لا يظهر في أيٍّ من كتب التاريخ لدى السوفييتات الروسية»، حسب مجلة The New Yorker الأميركية.

تروتسكي صار طي النسيان

وبعد 30 عاماً من نشرِ مقال آرنت، نَشَرَ مؤرِّخ بريطاني لروسيا، وهو ديفيد كينغ، دراسةً في شكل ألبوم صور، عن اختفاء السجلِّ المادي لتروتسكي وعددٍ من الروس الآخرين الذي أُسقِطوا من الاستحسان، وسقطوا من التاريخ، خلال حقبة ستالين.

اختفاء “المُفوَّض» المثير

يحمل الكتاب هذا العنوان “The Commissar Vanishes”، وهو عنوانٌ يفيد معناه حرفياً بصورةٍ مُستغرَبة، “اختفى المفوّض وصار طي النسيان».

كان ليون تروتسكي ثورياً بولندياً ومنظِّراً ماركسياً. كان سياسيا ذا نفوذ في الأيام الأولى للاتحاد السوفييتي، أولاً كمفوض الشعب للشؤون الخارجية، وفي وقت لاحق كمؤسس وقائد للجيش الأحمر ومفوض الحرب الشعبية. وكان أيضاً من بين أول أعضاء المكتب السياسي.

اختفى ليون تروتسكي وليف بوريزوفيتش من صور الاحتفال بالثورة الروسية 1919

لكنه أصبح عدواً للدولة فجأة، وتم مسحه من التاريخ السوفييتي بعد أن قاد نضال المعارضة اليسارية ضد سياسات جوزيف ستالين وصعوده في عشرينيات القرن العشرين، وتزايد البيروقراطية في الاتحاد السوفييتي. طُرد تروتسكي من الحزب الشيوعي وتم ترحيله من الاتحاد السوفييتي في التطهير العظيم الذي قام به ستالين. وبصفته رئيس “الأممية الرابعة»، استمر في المنفى لمعارضة البيروقراطية الستالينية بالاتحاد السوفييتي، واغتيل في نهاية المطاف بالمكسيك على يد رامون ميركادير، وهو عميل سوفييتي استخدم فأساً جليدياً لطعن تروتسكي بقسوة. وتُشكِّل أفكار تروتسكي أساس “التروتسكية»، وهو اختلاف في النظرية الشيوعية، التي لا تزال مدرسة رئيسية للفكر الماركسي الذي يعارض نظريات الستالينية.

لينين في المقدمة وتروتسكي اختفى

ويعود مرجعه الخاص إلى صورةٍ التُقِطَت في عام 1919، يالاحتفال بالذكرى الثانية لثورة أكتوبر/تشرين الأول الروسية. يظهر في الصورة فلاديمير لينين واقفاً على قمةٍ درجٍ، مُحاطاً بعددٍ من الرجال والأطفال غير المعروفة هوياتهم، علاوة على القليل من الرجال المعروفين، ومن ضمنهم ليون تروتسكي، الذي ظهر واقفاً أمام لينين بالضبط. لكن في الوقت الذي نُشِرَت فيه الصورة، في عام 1967، كان تروتسكي قد اختفى، فقد حُذِفَ مع العديد من المُفوَّضين الآخرين (كان لقب “مُفوَّض» يُطلَق على أعضاء الحكومة السوفييتية ورؤساء لجان السوفييتات المحلية).

تحدث فلاديمير لينين في موسكو إلى جنود الجيش الأحمر المغادرين إلى الجبهة البولندية ، في عام 1920.كان ليون تروتسكي وليف بوريسوفيتش كامينيف ، وراء ، على اليمين، قبل أن يتم إخفاؤهم لاحقاً

كيف نحدد من اختفى من الصورة؟

أحياناً يكون من المستحيل أن تُحدِّد من الذي اختفى من الصورة، إلا إذا كان هناك شخصٌ واختفى بالفعل. تُظهِر إحدى الصور في مجموعة كينغ قطارَ دعايةٍ، وهو قطار كان يقطع البلاد لينشر رسالة الثورة. كتب كينغ: “حين ننظر عن قربٍ إلى النافذة على يمين الصورة، نجد أن ظهوراً باهتة -نتيجة يد مُحرِّر الصورة غير الجيدة- هي كل ما يتبقى من الشخص الذي كان ينظر من عربة القطار». لا نعلم من ذلك الذي اختفى من الصورة ولا سبب إخفائه، كل ما نعلمه أن شخصاً قد حُذِف. ونحن محظوظون حتى بمعرفة أن هناك شيئاً لا نعرفه.

الإرهاب الستاليني الذي لا نعرف عنه الكثير

هناك الكثير مِمَّا لا نعرفه عن الإرهاب الستاليني، ونحن لسنا قريبين بأيِّ درجةٍ اليوم من معرفة عدد الأشخاص الذين قُتِلوا أكثر مِمَّا كنَّا نعرف من عقدٍ أو اثنين أو حتى 5 عقود. في وقتٍ سابق من الشهر الجاري (يوليو/تموز 2018)، وَرَدَت أنباءٌ تفيد بأن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (إف إس بي)، وهو الوكالة اللاحقة على الاستخبارات السوفييتية (كي جي بي)، يُدمِّر سجلات الشرطة السرية التي تعود إلى حقبة الإرهاب، ما يعني أننا من غير المُرجَّح أن نرسم صورةً أكثر اكتمالاً عمَّا لدينا الآن، حسب مجلة The New Yorker الأميركية.

ستالين إلى الأمام

تزييف الصور عمداً لإضافة ستالين

تُظهِر الكثير من الصور في مجموعة كينغ تزييفاً جرى بتعمُّدٍ وليس مجرد حذف. هناك صورةٌ أيقونيةٌ لستالين والجماهير، لُصِقَت فيها صورة ستالين بشكلٍ صارخ، في حين تتكوَّن الجماهير، بشكلٍ أقل وضوحاً، من عدة أجزاءٍ مُتكرِّرة من الحشود. لا تزال هناك صورٌ ثابتة للثورة الروسية الأولى في عام 1905، وصورٌ من اقتحام قصر الشتاء في عام 1917، وفي الحقيقة تُمثِّل الصور إعادة تمثيل تاريخي وتُستَخدَم كما لو كانت صوراً وثائقية.

والناس خافوا الإرهاب والاعتقالات العشوائية

ولا تزال أيضاً الأساطير المستمرة الكامنة في هذه الصور قائمة. ويرجع غياب الكثير من الأدلة الوثائقية عن النظام السوفييتي -تدمير الأراشيف الشخصية والكتب المطبوعة على السواء- إلى خوف المواطنين من أن جيرانهم أو معارفهم قد يبلغون السلطات عنهم. لقد تعلَّمنا منذ ذلك الحين أن دور مثل هذه التنديدات خلال حقبة الإرهاب كان محدوداً نسبياً؛ إذ كان يُلقَى القبضُ على الناس لملء حصصٍ مُحدَّدة، وكانت الاعتقالات عشوائيةً بالأساس وليست نتيجة للتقارير المُرسَلة للسلطات كما افترض كثيرون فترةً طويلةً. لكن الأسطورة لا تزال صامدة، وكذلك يظل ما نتج عنها، رغم أن المواد المرئية قد دُمِّرَت ونادراً ما يمكن استعادتها.

كليمنت فوروشيلوف ، فياتشيسلاف مولوتوف ، جوزيف ستالين ، ونيكولاي يزهوف (الذي اختفى في الصورة الثانية) يسيرون على طول ضفتي قناة موسكو – الفولغا ، في أبريل عام 1937.

والكذب الحالي أقل احترافية

ومقارنةً بالتغييرات المُتعمَّدة والمستمرة للسجلات السوفييتية، فإن الكذب السائد حالياً في السياسات الأميركية هو عملٌ من أعمال الهواة، إن لم يكن لهو أطفال. والتغييرات الروتينية للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في الروايات التاريخية، التي تبدو أنها تنبع من القدرِ نفسه من الجهل وسوء النية، تسخر منها وسائل الإعلام، حتى مع أن وسائل الإعلام هذه تعيد إنتاجها. غالباً ما تكون الصور الفوتوغرافية بمثابة تصحيحاتٍ للتشوُّهات التي يُدخِلها، كما على سبيل المثال في إصراره على أنه حظي بأكبر حشدٍ في حفل تنصيب رئيس بالتاريخ. ولا يمكن أن يكون هناك شكٌّ في أن ترمب يشنُّ حرباً شاملة على الإعلام، وعلى ما سجَّله التاريخ، وعلى الحقيقة بشكلٍ عام.

في مقالها، الذي نشرته عام 1967، كتبت هانا آرنت مُحذِّرةً:

“إن فرص الحقائق الواقعية لِتنجوَ من هجمات السلطة ضئيلة للغاية بالتأكيد؛ إذ تقع دائماً في مرمى الخطر بأن تُلقَى خارج العالم، ليس فقط لبعض الوقت؛ بل يُحتَمَل أن يكون ذلك إلى الأبد. إن الحقائق والأحداث لهي أكثر هشاشةً من البديهيات والاكتشافات والنظريات التي أنتجها العقل البشري، حتى أكثر هذه النظريات تأمُّلية. فالحقائق والأحداث تجري في مجال شؤون الإنسان المُتغيِّرة على الدوام، ذلك المجال الذي لا يوجد به شيءٌ دائمٌ أكثر من الدوام النسبي المقبول به لبِنْية العقل البشري. وبمجرد فقدانها، لن يتمكَّن أيُّ جهدٍ منطقي من استعادتها».

واقرأ أيضاً..

استبداد الشعب.. كيف صنع المجتمع الروسي بوتين؟

سجَّل أهدافاً أكثر من المنتخب الروسي.. هكذا استغل بوتين “الانتهازي» كأس العالم لصالحه

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com