Home » العالم اليوم, مميز » أنا تركية أعيش في بريطانيا، وهذا السؤال المضحك أتلقاه دائماً من الغربيين

سيتجه الشعب التركي يوم الأحد 24 يونيو/حزيران 2018، إلى صناديق الاقتراع فيما قد يَثبت أنَّها أهم انتخابات على مدى جيلٍ مقبل من الزمن. وقالت الحكومة التركية، برئاسة رجب طيب أردوغان، إنَّها تسعى إلى تحقيق الاستقرار في البلاد من خلال إجراء الانتخابات قبل الموعد المقرر لها.

بصفتي مواطنةً تركية تدرس بالمملكة المتحدة، أعرف كيف يمكن أن يؤثر تهديد الإرهاب وتحديات حالة عدم اليقين في الاقتصادات المعولمة، على استقرار أمة. ولا تزال تركيا جزيرة يسودها هدوءٌ نسبي في منطقة تعج بالاضطراب والعنف، ونجحت في الحفاظ على ديمقراطيتها، وهو أمر تنبغي الإشادة به.

ومع ذلك، عندما أُعلِن عن تقديم موعد الانتخابات، التي كان من المقرر عقدها في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، صدمتْني الرواياتُ التي تشكَّلت في الصحافة البريطانية والأوروبية؛ إذ غابت بعض الحقائق الأساسية -كما يراها معظم الأتراك- المتمثلة في أنَّ تغيير موعد الانتخابات جاء استجابةً لطلبات المعارضة وللتغلب على حالة عدم اليقين التي تواجه الأمة.

وبدلاً من ذلك، صُوِّرت هذه الخطوة على أنَّها انتزاعٌ للسلطة من قِبل أردوغان، الذي كان “يستغل شعبيته” ويستبق “المنحى التراجعي للعملة والاقتصاد التركيين”. ولا أقول ذلك دفاعاً عن سياسات أردوغان أو للتحيز إلى جانبٍ ما، وإنما لتسليط الضوء على أهمية التنمية التي ستأتي من خلال عملية تعزيز الديمقراطية. وبصرف النظر عن الفائز في الانتخابات، فإنَّ كل ما يريده الشباب الأتراك -مثلي أنا- هو احترام السيادة والعمليات الديمقراطية في بلدنا.

وفي المقابلات التي أجريناها بشوارع إسطنبول كجزء من “مشروع انتخابات الشباب التركي الجديد”، سمعنا مجموعة متنوعة من الآراء بين الناس من كل أطياف المجتمع التركي. وكانت وجهة النظر السائدة هي السعادة لرؤية 6 مرشحين وليس مرشحاً واحداً أو اثنين. وعندما سُئِلوا إذا ما كانوا يرون أنَّ هذه الانتخابات نزيهة، اتفق معظمهم على أنَّ ثقافة الديمقراطية متجذرة بعمقٍ داخل مجتمعنا؛ لذا فإنَّنا كشعب لن نقبل أي شيء بخلاف انتخاباتٍ حرة.

وكطالبة دولية، فإنَّ السؤال الذي غالباً ما أُسأل عنه هو: “ما شعورك وأنت تعيش في ظل نظامٍ ديكتاتوري؟”، وهذا الأمر ليس جَزماً مدعاةً للضحك وحسب؛ بل ولم أفهمه كذلك حتى تابعتُ تغطية الانتخابات. فعندما أتحدث إلى معظم أصدقائي، نميل جميعاً إلى اتخاذ الموقف نفسه، وبصرف النظر عن الحزب السياسي الذي سنصوت له، نعرف جميعاً أنَّ تركيا دولة ديمقراطية.

الأسوأ من ذلك هو النظر إلى تركيا بمعيارٍ مختلف عن الدول الأوروبية الأخرى. فعندما دعت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، إلى إجراء انتخابات مبكرة، ولم تتمكن من الاستمرار في موقعها إلا من خلال التحالف مع الحزب الديمقراطي الوحدوي، لم يجرِ التشكيك بجدية في شرعية الانتخابات أو حكومة ماي.

لقد ظلَّت ازدواجية المعايير هذه بين تركيا والدول الأخرى تزحف ببطءٍ إلى وعينا العام لسنوات. وكانت مثل هذه الرواية المضللة مُهمينة على موجات الإذاعة وفي العديد من الأعمدة الصحفية من وسائل الإعلام الدولية التي تُشكِّل الخطاب السائد عن تركيا.

في عام 2017، أُجريَت الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ظل حالة الطوارئ التي طُبِّقت منذ الهجمات الإرهابية بباريس عام 2015. وذكرت منظمة الأمن والتعاون بأوروبا، في تقريرها عن الانتخابات، أنَّ “هذا لم يؤثر على بيئة الحملة الانتخابية أو على إجراء الانتخابات”. مع ذلك، عندما يتعلق الأمر بتركيا، تفترض المنظمة نفسها أنَّ الانتخابات النزيهة قد تكون مهدَدة؛ بسبب المخاوف المتعلقة بالحريات، خاصةً فيما يتعلق بوسائل الإعلام.

إنَّ هذا الانتقاد في الواقع أمر يُراد به صرف الانتباه عن القضية الحقيقية، ففي نهاية المطاف، ملكية وسائل الإعلام قضية عالمية. ولطالما وضعت المؤسسات الإعلامية مصالح المؤسسات فوق الولاءات السياسية. فإذا نظرنا إلى المملكة المتحدة وحدها، نجد تقريراً صدر عن مؤسسة Media Reform UK في عام 2015، يقول إنَّ روبرت مردوخ واللورد روثرمير يسيطران على أكثر من نصف جميع المنشورات الإخبارية الوطنية المطبوعة والإلكترونية، وكلاهما يدعم حزب المحافظين.

على مدى السنوات الثلاث الماضية، ذهب الشعب التركي إلى صناديق الاقتراع ومَارَسَ إرادته الديمقراطية أكثر من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة. ونسبة المشاركة في الانتخابات الوطنية بتركيا أعلى من ديمقراطيات عدة أخرى في مختلف أنحاء العالم. وبلغت أحدث إحصائية لنسبة الإقبال في انتخاباتٍ وطنية تركية 85%، مقارنةً بنسبة 65% بفرنسا، و76% في ألمانيا، و55% بالولايات المتحدة. وبالنسبة لدولة تُصوَّر باستمرار باعتبارها غير ديمقراطية، وحكومة يُنظَر إليها في كثير من الأحيان باعتبارها نظاماً استبدادياً، تَستخدم تركيا آلياتها الديمقراطية كثيراً.

وبوجود أكثر من 52% من الناخبين دون سن 45 عاماً، تُجسِّد تركيا رغبة الشعب في المشاركة بالحياة المدنية، لدرجة أنَّنا كنا قبل عامين مستعدين للتضحية بحياتنا لإيقاف انقلابٍ عسكري عنيف وتمسَّكنا بديمقراطيتنا.

لذا، يبقى السؤال الذي أواجهه كطالبة تركية في الغرب: لِمَ الكيل بمكيالين؟! ولستُ أجد حتى الآن إجابة مناسبة!

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية.

المقالة أنا تركية أعيش في بريطانيا، وهذا السؤال المضحك أتلقاه دائماً من الغربيين ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com