Home » العالم اليوم, مميز » قرية تقدُّمية في العراق.. لا تدخين ولا مشروبات ولا تمييز على أساس الجنس والدراجات الهوائية وسيلة المواصلات الأولى

تُعَد محافظة الديوانية في جنوب العراق واحدة من أكثر المناطق فقراً في البلاد. ومعظم السكان هم مزارعون ريفيون، الأمر الذي جعل الجفاف في أبريل/نيسان 2018،أكثر دماراً.

ومثلما هو الحال مع معظم بقية العراق، فإنَّ شوارع مدينة الديوانية مُغطاة بالقمامة وتملؤها عوادم السيارات وأبواق السيارات المُدوية التي لا نهاية لها.

وخارج المدينة تماماً، تقع قرية البو ناهض، حيث يُقدِم السكان على خلق فكرة جديدة لما يمكن أن يبدو عليه العراق، حسب تقرير موقع Middle East Eye البريطاني.

يوجد عند مدخل القرية لافتتين –إحداهما بالإنكليزية والأخرى بالعربية- تحددان عدداً من القواعد (المُطبَّقة بصورة فضفاضة) التي تجب مراعاتها في القرية.

مهرجان ركض والمشروبات الغازية ممنوعة

وفي بلدٍ يعاني فيه 30% من الذكور من البدانة على نحوٍ يسبب تداعيات صحية، حظرت القرية المشروبات الغازية، وتستضيف بدلاً من ذلك مهرجاناً سنوياً للركض يجذب آلاف المشاركين.

وفي بلدٍ يُشكِّل فيه النفط قلب الاقتصاد والسياسة، تحتفي البو ناهض باليوم العالمي للبيئة في 5 يونيو/حزيران وتنفذ مبادرات صديقة للبيئة، ولأن سعر النفط وصل سعره إلى 0.63 دولاراً للتر، فإنَّ الدراجات هي الوسيلة المُفضَّلة للتنقُّل في القرية وليست السيارات.

تُعَد مبادرات القرية إلى حدٍ كبير من بنات أفكار كاظم حسون، وهو مهندس محلي بدأ تنفيذ عددٍ من المشروعات في القرية بعد سفره في أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وتعرُّضه لأفكار جديدة بشأن الصحة والاتجاهات الاجتماعية والبيئة.

عاد حسون عام 2014 بعد 18 عاماً قضاها في دبي، وحاول الحفاظ على نظام لياقة بدني يُركِّز على الركض رغم من ارتياب السكان الآخرين.

وقال لموقع Middle East Eye البريطاني: “الجميع كانوا ينظرون إليّ كما لو كنتُ شخصاً غريباً، لكنَّني واصلت”.

وواصل الركض الروتيني حول المناظر الطبيعية الريفية وهو يرتدي ملابس رياضية وحذاء للركض.

وأضاف: “بعد شهرٍ واحد، انضم إليّ بعض الأشخاص. وبعد شهرين، كان معي 5 أشخاص يركضون معي. في الواقع، بعد 6 أشهر كان معظم الناس هنا –خصوصاً المراهقين ومَن هم في أوائل العشرينيات من العمر- يركضون معي”.

ومع تزايد رَواج فعاليات الركض، أتى المشاركون أخيراً بفكرة إقامة “مهرجان” للركض. فيأتي الناس كل عام من خارج القرية، بما في ذلك من مدينة الديوانية، للمشاركة في الحدث، وقال حسون إنَّ 3 آلاف شخص يحضرونه بانتظام.

ألهم النجاح المفاجئ للمهرجان، الذي جذب أيضاً اهتمام وسائل الإعلام، حسون بعمل المزيد من المشروعات لمعالجة ما رأى أنَّها علل اجتماعية مختلفة تصيب قريته، والعراق ككل.

خرق القواعد يُهدِّد صاحبه بالتعرُّض للنبذ

تنتشر في مختلف أنحاء القرية اللافتات التي تحظر استخدام أبواق السيارات والتدخين، وكلاهما أمران يوجدان في كل مكانٍ بالعراق. ويحرص حسون على التأكيد على أنَّه لا يوجد تطبيق مُتسلِّط للحظر، لكنَّ خرق القواعد يُهدِّد صاحبه بالتعرُّض للنبذ من جانب بقية سكان القرية الذين دعموا التغييرات بحماسة.

وفي مبنى صغير متهالك قرب النهر، يوجد البيت الثقافي. وبالداخل، تُوجد أرفف من الكتب الروائية وغير الروائية تتناول مجموعة واسعة من الموضوعات، إلى جانب مواد إبداعية للرسم والحرف اليدوية، وفق موقع Middle East Eye البريطاني.

قال حسون: “أسَّستُ البيت الثقافي ثُمَّ صنعتُ مكتبة، وساعدني الكثير من الناس من داخل وخارج البلاد بإرسال الكتب، حتى من بريطانيا والولايات المتحدة والسويد. ومعظم البيوت الثقافية في بغداد أرسلت لي كتباً”.

وبينما كان يتجول حول البيت الثقافي، استعرض متباهياً أعمالاً فنية أبدعها أطفال محليون. وأتى فنانٌ من بغداد مؤخراً لمساعدة الأطفال على إنتاج لوحة تحتفي بدور منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف).

وتزين الحائط صورٌ لبعض رعاة وداعمي قرية البو ناهض، بما في ذلك الكاتبة البريطانية- العراقية إميلي بورتر، التي قدَّمت دعماً مالياً لمبادرات القرية.

قال علي غانم، أحد سكان القرية البالغ عددهم 750 شخصاً: “إنَّني معجبٌ حقاً بالأشياء الجديدة التي تجري في هذه القرية، وكل هذا لأنَّ كاظم بذل جهداً لتحسين الوضع بمساعدة أناس من القرية. شعرنا أنَّ الرياضة كانت جيدة لنا حقاً، لذا أقمنا بطولة للركض 200 متر. ثُمَّ غيَّرنا أشياء أخرى، ومنعنا المشروبات الغازية والتدخين”.

وأضاف: “أحسسنا وشعرنا أنَّ شيئاً جيداً كان هنا في هذه القرية ونراه بأعيننا، وعلى الأرض، ونرى التغيير الكبير في هذه القرية”.

تهميش النساء والطائفية

وهناك قضيتان يرى حسون أنَّهما نقطتا تحول رئيسيتان في بناء مجتمه المثالي، هما الطائفية وتهميش النساء.

وقال: “في هذه المنطقة، الشرق الأوسط، أعتقد أنَّ القضايا الرئيسية التي نتقاتل حولها هي بسبب الدين”.

وقال إنَّ كل المشكلات الكبرى التي تصيب المنطقة غالباً ما ترشح من منظور الدين. ووقف هذا كان أحد أهداف القرية الرئيسية.

وأضاف: “بعض الناس يقولون لي إنَّني أتحدث ضد الدين، وأنا أقول لا، لا أتحدث ضد الدين، بل أحاول حماية الدين. رجاءً أبقوا هذه المسألة بعيداً. أقول إن كنتم تريدون الحديث حول الدين، أقول: حسناً، أولاً اذهبوا إلى البيت الثقافي، وخذوا أي كتابٍ حول الدين واقرأوه. ثُمَّ تعالوا وناقشوا المسألة”.

وبخصوص قضية النساء، قال إنَّ النضال كان أكثر صعوبة، خصوصاً بالنظر إلى “عقلية” الناس الذين يعيشون في قرى جنوب العراق.

وقال: “لدي يومان للسيدات في البيت الثقافي. وفي هذين اليومين، لا يمكن للرجال الدخول، فقط السيدات”.

تحصل النساء في القرية على كثيرٍ من المحاضرات والزيارات المنتظمة من جانب عاملين في منظماتٍ غير حكومية في مسائل مُتعلِّقة بالقضايا الاجتماعية والطبية والنفسية.

وبالمقارنة مع القرى الأخرى، فإنَّ الفصل الصارم بين الجنسين في الكثير من مجالات الحياة تراخى.

وقال حسون إنَّ النساء في قرية البو ناهض يذهبن إلى قاعة القرية، وهو شيءٌ لا يمكن رؤيته في المناطق الأخرى، حيث تكون تلك الأماكن حِكراً على الرجال، وذلك في إشارةٍ منه إلى المبنى الكبير المسقوف بالقش عند مدخل القرية.

وأضاف: “لكنَّنا كسرنا هذه المسألة. فقلنا: ‘لا، لا يوجد فرق بينك وبينها. إنَّها تعيش تماماً كما تعيش أنت'”.

وتابع: “لكن هذه المسألة لا تزال بحاجة إلى بعض الوقت”.

دفع النجاح والانتشار التدريجي لشهرة قرية البو ناهض القرى والمدن الأخرى للمجيء والتعلُّم من مبادراتها.

ومع انحسار الحرب والعنف، بدأت العقول العراقية في الالتفات إلى العلل الاجتماعية والاقتصادية الكثيرة التي تصيب بلدهم.

بالنسبة لحسون، تُمثِّل البو ناهض برنامج عمل محتمل حول كيف يمكن للعراق البدء في إعادة بناء نفسه وخلق مجتمعاتٍ أكثر انفتاحاً وصحة.

وقال: “الأمر ليس سهلاً. لكنَّني أحاول. على الأقل أنا أحاول”.

المقالة قرية تقدُّمية في العراق.. لا تدخين ولا مشروبات ولا تمييز على أساس الجنس والدراجات الهوائية وسيلة المواصلات الأولى ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com