Home » العالم اليوم, مميز » فوجئت بخبر حملي وأنا أسكن قبواً أنا وزوجي.. إلى ابنتي التي أعادتني إلى الحياة من جديد

إلى جين في عيد ميلادها الثاني:

يُوصَف الصيف في كتابٍ ملونٍ سميكٍ اشتريته لكِ عن الفصول، بأنه الفترة من السنة التي تحمل فيها الأشجار ثمارها، وأنتِ تشيرين إلى التفاح على هذه الصفحة، في حين نجني التفاح في حقيقة الأمر، بفصل الخريف، الذي أنوي أن أريك أجواءه ذات يومٍ من أيام أكتوبر/تشرين الأول، لكن أهم ما في الأمر هو أن الحياة تنبض بالإيقاع، ونحن جزءٌ منه.

في الواقع، يقضي الناس الكثير من الوقت في محاولة للتناغم مع هذا الإيقاع، من خلال قياس حياتهم بحسب مراحل مهمة منها، كالزواج في فترة زمنية معيَّنة من عمرهم، وامتلاك منزلٍ في فترة أخرى، وتحقيق ضعف الراتب الذي يكسبونه الآن (أو أكثر) بحلول الـ35 سنة من عمرهم، وهكذا دواليك، مع تحديد أرقام مختلفة كأهداف يتعين إنجازها في مرحلةٍ ما من العمر، أو حدود تصاعدية على ضرورات معينة. كل ذلك يوحي بوجود منطق ربط الأرقام بالألوان في الحياة، وإذا سِرت على هذا المنوال، تحصل على الصور الكاملة للسعادة. أنا أقوم بالتنظير هنا؛ لأنني فقدت البوصلة بشكل من الأشكال.

كان عمري 24 عندما اكتشفت أنني حاملٌ بكِ، وكان ذلك بمثابة مفاجأة لي ولوالدك؛ لأن زواجنا لم يكن قد تجاوز سنة واحدة، وكنا نقيم في ذلك الوقت، بقبو إنكليزي مكون من غرفة نومٍ واحدةٍ، ذات جدران صفراء. وكنا ندخر المال تحسباً لسلسلة من المشاريع تنتظر الإنجاز، ونشطب الواحدة تلو الأخرى على القائمة، ثم جئتِ.

لقد فاجأنا الخبر مفاجأة رائعة تماماً مثلما يفاجأ المرء أمام أي شيء يمكن أن يحدث له من الناحية النظرية؛ هبوط نيزكي في باحة منزلك الأمامية، أو مرور سوبر نوفا بالقرب من بيتك يعطي لفترة قصيرة انطباعاً بوجود شمسين توأمين في السماء. من نافلة القول إنني أجريت سلسلة كبيرة من التحاليل، ثم أجرينا بحثاً على جوجل، عن “كيفية الوصول والحصول على أخصائي أمراض النساء والتوليد”، كنتُ لا أزال أعتمد على تأمين والدتي، الذي لا يغطي رعاية الأمومة للمعالين. قمنا بعملية الفرز، وهكذا بدأنا دون تريُّث بوضع الأولويات، مع نموُّك المتسارع، وتجميد بعض الخطط المرتقبة.

وعندما دخلتِ الزمن -الذي يُحسب لأمثالك الأطفال، أولاً بالأسابيع، ثم الأشهر، وأخيراً بالسنوات- خرجتُ أنا من ذلك الزمن. كانت هناك بعض المناقشات، بأن يقوم أحدنا، أو الآخر -لست أتذكر- بكتابة كتاب، والانخراط في مشروع عملٍ جديدٍ، والعودة إلى الكلية لمتابعة الدراسات العليا، وتغيير الوظيفة. لكن، في ذلك الوقت الحاسم، كنا بحاجة إلى مكانٍ لوضع سرير والكثير من المناشف.. كان لدينا القليل جداً منها. أصبحت كل انشغالاتي ملموسة وفورية، توقف الزمن، كان على بعض الأشياء أن تنتظر، وبعضها لن يحدث أبداً.

عندما يسألني أصدقائي من العمر نفسه، عن إنجاب طفلٍ غير متوقَّعٍ بالنسبة للفئة الأصغر سناً من رفاقنا، ما يسألون عنه هو الوقت. هناك الكثير من المؤلفات الثرية والمعقدة حول هذا الأمر الآن، حول ما يفقده المرء مقابل طفل.. يقول الناس “الحرية”، لكن ما يعنيه ذلك، هو الوقت. الوقت المناسب لعملك، أو الوقت لأصدقائك، أو الوقت لمشاريعك الشخصية، أو الوقت لمصالحك الرومانسية أو المثيرة، أو الوقت للتفكير العميق؛ معظم وقتكِ هو في الواقع، وقتي الذي اعتدت تخصيصه بطرق مختلفة، والذي أعيد استعماله الآن لأغراض أخرى. يسألني أصدقائي إذا ما كان هذا المخطط الجديد من الانشغال أزعجني.

وهنا، بمناسبة عيد ميلادك الثاني، جوابي على أفضل وجه يمكنني التعبير عنه: إن الجهد الكبير المبذول لِنقر جميع النوتات الصحيحة (بالترتيب الصحيح) في إيقاع الحياة، تتم كلها على أمل تحقيق السعادة . لكنني أدرك الآن، أنه ليس تحقيق الأشياء في نهاية المسار هو ما يجعل الناس سعداء؛ بل المشاركة في إيقاع الحياة بروحٍ من البهجة. أعتقد أن الناس يريدون صناعة أشياء وليس الحصول عليها؛ وأنهم يريدون ملامسة أهداب الأبد في الوقت الذي يحدُّهم فيه المكان الذي يوجدون فيه واللحظة الراهنة. بالنسبة لي، لقد حققتِ لي ذلك كله، لقد جعلتِ ذلك ممكناً. كان من دواعي سروري أن أضع جانباً الترتيب الذي سبق أن حددته لنفسي من أجل تحقيق الأشياء، وأضع جانباً أيضاً الفكرة الشاملة، حول تنظيم أولوياتي وفق مجموعة من المبادئ التي تلقيتها في حياتي، وحتمية فعل ذلك، يعود الفضل فيه لهذا المتآمر الرائع الذي نشأ في أحشائي.

يقول أفلاطون، الذي سأخبرك عنه يوماً، إذا كنت ترغبين في ذلك، ربما بعد جولة نقطف خلالها التفاح: إن امرأة حكيمة تدعى ديوتيما، أخبرت سقراط ذات يومٍ، بأن وظيفة الولادة هي الجزء الفاني من الخلود لدى البشر. يعتقد هؤلاء الإغريق أن الربيع والصيف الوافرين، هما ثمرة اجتماع أبدي لأم وابنتها.. وهذه قصة أخرى سأخبرك عنها يوماً ما، إذا كنت ترغبين في سماعها. هناك العديد من هذه القصص، ولدينا الكثير من الوقت. اعتدتُ أن أشعر بالقلق الشديد بشأن الوقت، لكن أعتقد أنه قد فقد سلطته عليَّ الآن.

  • هذه التدوينة مترجمة عن صحيفة Washington Post.

المقالة فوجئت بخبر حملي وأنا أسكن قبواً أنا وزوجي.. إلى ابنتي التي أعادتني إلى الحياة من جديد ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com