Home » العالم اليوم, مميز » كيف تنبَّأ المؤلف دوستويفسكي بجنون الأعمال السينمائية المعتمدة على أحداث “الجريمة”؟

تعرض شركة نتفليكس مسلسلات جريمة على شاكلة “Making a Murderer”، وتلقَى تلك الأخبار ترحيباً لدى أولئك الذين يسعون وراء إصلاح نظام العدالة الجنائية. يُصوَّر هذا الرافد الفني بدرجةٍ متزايدة على أنه إصلاحي، في ظلِّ الانتقادات الموجَّهة لانتهاكات الشرطة، والملاحقات القضائية المفرطة، والسجن الجماعي، التي تلعب كلها أدواراً رئيسية في انتشار هذه النظرة، حسب صحيفة The New York Times الأميركية.

أعلنت شركة نتفليكس خلال مهرجان تريبيكا السينمائي للعام الجاري 2018، عن إصدار حلقات جديدة من مسلسلها “The Stairacase”، الذي يتناول محاكمة مايكل بيترسون، الذي اتُّهِمَ بقتل زوجته في العام 2003. أخبر مخرج المسلسل، جون كزافييه دو لستغاد، الجمهور بعد العرض، بأن الهدف من صنع المسلسل “كان فقط من أجل النظر إلى الطريقة التي يتعامل بها نظام العدالة مع القضية”.

مسلسلات وروايات الجريمة

في هذا الصدد، تُبصر عودة الأعمال الفنية المقتبسة عن الجرائم الحقيقية سابقةً لها في أعمال الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي، الذي ألَّف عدداً من الروايات عن القتل، بما فيها رواية “الجريمة والعقاب”، التي كانت أشهرها على الإطلاق ويتناول فيها مكنونات النفس البشرية، ويتناول الجريمة من زاوية بطل الرواية (المجرم).

كان دوستويفسكي مهووساً بالنظام القضائي. وقضى وقتاً طويلاً في مشاهدة المحاكمات، والجدال مع المحامين عن طبيعة البراءة والذنب، وزار متهمين في السجون، وحاول التأثير على الرأي العام في قضايا مُحدَّدة.

وتحكي الرواية جريمة قتل الشاب الجامعي الموهوب رسكولينكوف للمرابية العجوز وشقيقتها، والدوافع النفسية والأخلاقية للجريمة.

لذا كان دوستويفسكي وأعماله متشابكة مع الوعي القانوني لروسيا القيصرية، التي كان من المعروف فيها أن محامي الدفاع كانوا يناشدون روديون راسكولينكوف، بطل رواية “الجريمة والعقاب” المُتَّهَم بالقتل، عندما حاولوا الحصول على التعاطف من هيئة المحلفين.

كتب دوستويفسكي عن الجريمة (في كلا الحقلين الصحفي والأدبي) باعتبارها طريقةً للكشف عن الفجوات وأوجه القصور في القانون القضائي، حسبما ارتآها. وعلى عكس مستهلكي أعمال الجريمة الحقيقية المعاصرين، الذين يجدون أنفسهم وسط محادثات وطنية أوسع بشأن وحشية الشرطة والتحيز العرقي في الأحكام القضائية، كان دوستويفسكي يكتب في فترة تحيطها حماسة وأمل كبيران حول مستقبل الفقه القانوني الروسي.

وفي العام 1864، شرع القيصر أليكسنادر الثاني في إدخال تغييرات كبيرة على القانون القضائي، وكان أكثرها تطرُّفاً هو إدخال إمكانية محاكمة هيئة المحلفين. انضم دوستويفسكي إلى الحماسة التي انتشرت في البلاد بسبب التغيرات، وكتب إلى صديق له: “سوف تكون لدينا محاكم عادلة في كل مكان. يا له من جيل سيكون عظيماً! (… إنني أظل أفكر وأحلم بكل هذه الأشياء، ونبض قلبي يتسارع بسببها)”.

دوستويفسكي نفسه ضحية للقضاء المتشدد

لكن دوستويفسكي نفسه ضحية للنظام القضائي المتشدد. ففي عام 1849، حُكِمَ عليه بالإعدام لمشاركته رابطة بيتراشيفسكي، وهي عبارة عن مجتمع فكري مُتأثر بأفكار الاشتراكيين الفرنسيين الطوباويين. وفي حدثٍ سيصبح محورياً في أفكاره التي تتناول العفو، والعقاب، والموت، كان يشاهد المجموعة الأولى من رفاقه المتآمرين مصطفة لإطلاق النار عليهم، ليعلم، قبل دقائق فقط من أن يأتي الدور عليه ليموت، أن المحكوم عليهم خُفِّفَت عقوبتهم، حسب صحيفة The New York Times الأميركية.

وبالرغم من الإثارة التي انتابته في البداية بشأن الإصلاحات القانونية، بدأت تساوره شكوكٌ جدية بشأن المحاكم على مدار تغطية المحاكمات الجديدة (التي كانت متاحة أمام الجمهور، باعتبارها خطوة ضمن الإصلاحات). على سبيل المثال، أصدر المحلفون الروس عدداً كبيراً غير اعتيادي من أحكام البراءة (حوالي 40% من جميع الجرائم). كان دوستويفسكي كذلك يميل نحو العفو، وكتب مستحسناً العفو عن امرأة حامل تدعى كورنيلوفا، ألقت بابنة زوجها البالغة من العمر ستة أعوام من نافذةٍ بالطابق الرابع. لكن ما أقلقه هو أن أحكام البراءة صاحبتها نزعةٌ نحو النظر إلى العدالة المتعاطفة عبر عدسةٍ وحيدة مقصورة على الإعفاء القانوني. تساءل قائلاً أين المجال، ليشهد هؤلاء الذين ارتكبوا أعمال عنف استعادةً للأخلاق؟

قبول الذنب لدى دوستويفسكي

أراد دوستويفسكي في نهاية المطاف أن يشعر الناس بقبول أكبر لمبدأ الذنب، كي يتبنوه باعتباره سمة للإنسانية المشتركة، ومن أجل الاعتراف بتواطئنا في أعمال العنف المشهودة يومياً (القسوة، وافتقاد الحب، والبخل) التي تدفع الناس نحو التعدي على الأخلاقيات، حسب الصحيفة الأميركية.

الذنب الجماعي في “الأخوة كارامازوف”

كرَّس دوستويفسكي روايته الأخيرة “الأخوة كارامازوف” لتطوير أفكار “الذنب الجماعي”. كان القاتل فيودور كارامازوف محور الرواية، وهو أبٌ مهجور كان عنيفاً وفاسداً وأنانياً، مما جعل جميع أبنائه تنتابهم رغبة واعية أو لاشعورية، بأن يموت الأب. وعلى الرغم من أنه قُتل في نهاية المطاف على يد ابنه غير الشرعي، تقبل أبناؤه الآخرون فكرة مسؤوليتهم عن الخطوات التي أدت إلى اغتيال أبيهم. فقد اتُّهم بالخطأ في نهاية المطاف الابن الأكبر ديمتري (وهي إشارة أخرى على خيبة أمل دوستويفسكي في المحاكم في الفترة التي أعقبت الإصلاحات)، ولكنه كان مستعداً لقبول المسؤولية الأخلاقية؛ لأن “الجميع مذنبون في حق جميع الآخرين”، حسبما يقول.

المقالة كيف تنبَّأ المؤلف دوستويفسكي بجنون الأعمال السينمائية المعتمدة على أحداث “الجريمة”؟ ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com