ورد الآن
الرئيسية » فن » الضيف أحمد الكوميديان الذي حوَّل آخر مشهد مسرحي له إلى حقيقة واقعة
الضيف أحمد الكوميديان الذي حوَّل آخر مشهد مسرحي له إلى حقيقة واقعة

أطلَّ الفنان الكوميدي الراحل الضيف أحمد على الجمهور للمرة الأولى بعبارة “أنا ليه.. أنا إزاي.. أنا إمتى.. جيت إمتى.. وقاعد كتير.. هما اللي جابوني.. أنا جيت الفضا هنا من غير سفينة.. آجي ليه بسفينة وأنا مش عايز”.. فكان شابًا قصيرًا نحيفًا يقول هذه الجمل مخاطبًا النجم الراحل رشدي أباظة، في فيلم “عروس النيل”، لم يكن الكثيرون يعلمون، حينها، أنه الضيف أحمد، المخرج والكاتب والممثل الكوميديان الشاب، أحد أضلاع مثلث “ثلاثي أضواء المسرح”، والذي كان له من اسمه نصيب كبير، حيث كان ضيفًا بالفعل على الفن والكوميديا بل والحياة، وفارق الجميع سريعًا ورحل فجأة من دون سابق إنذار.

ولد في 12 فبراير/شباط عام 1936، بقرية “تمي الأمديد” التابعة لمحافظة الدقهلية، لأسرة مكونة من سبعة أبناء، وكان ترتيبه قبل الأخير، لمعت موهبته الفنية منذ أن كان طالبًا في المدرسة الثانوية وفي جامعة القاهرة، حيث أخرج ومثَّل في عدة مسرحيات على خشبتها حتى حاز على الميدالية الذهبية في مسابقة كأس الجامعات، وتخرج فى قسم الاجتماع بكلية الآداب في عام 1960. وأخرج عددًا من المسرحيات العالمية بعد تخرجه منها “شترتون، الفريد يغني، الغربان”، و”الإخوة كرامازوف” عن رواية الأديب الروسي ديستوفسكي، وشاهده في هذه المسرحية النجم الراحل فؤاد المهندس، واختاره للمشاركة بمسرحية “أنا وهو وهي” عام 1964، وعقب ذلك تعرف على الفنانين سمير غانم، وجورج سيدهم، وكوّن بهم المخرج محمد سالم، فرقة “ثلاثي أضواء المسرح” عام 1967، وقدّمهم للتلفزيون من خلال حلقة ببرنامج “مع الناس”، ولمعت الفرقة في حقبة الستينيات من خلال تقديمها للكثير من المسرحيات الكوميدية والإسكتشات الغنائية.

لم يكن “الضيف” مجرد عضو بالفرقة، أو حتى أحد أضلاع المثلث فقط، فقد كان حكيمًا في الإدارة، ولديه قوة في التفكير، مما أهله لأن يقوم بإدارة المسرح والعمل على الإشراف الفني على العروض المُقدمة، كما كان مخرجا ومؤلفا بالفرقة، من صفاته الشدة والحزم في البروفات، فكان بمثابة عقل الفرقة المفكر وصاحب الرؤية الفنية التي يمضي عليها الثلاثي، ومن أبرز المسرحيات التي قام بالمشاركة في كتابتها وإخراجها “حواديت، براغيت، طبيخ الملايكة، حدث في عزبة الورد، أحدث امرأة في العالم”.

وقدّم “الثلاثي” الكثير من الأعمال الناجحة، ومن أشهر مسرحياتهم “فندق الأشغال الشاقة”، ومن أشهر أفلامهم، “شاطئ المرح، 30 يوم في السجن، شنطة حمزة”، والكثير من الإسكتشات الكوميدية في الأفلام والمسرحيات، ومنها: “كوتو موتو يا حلوة يا بطة، بص شوف مين يا وعدي، لو كانوا سألونا، كيوبيد للبيع، ميمي لولا سوسو”، وشاركت الفرقة في كثير من الحفلات والمناسبات الكبرى، ومن بين ذلك إحياؤهم حفل زفاف ابنة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وخلاله طلب الزعيم وابنته تقديم إسكتش واحد فقط وهو “دكتور إلحقني”، كما أن الفرقة أول من قدّمت “الفوازير”.

قدّم “الضيف” عددًا من الأفلام الناجحة، مثل “القاهرة في الليل، آخر شقاوة، المشاغبون، المجانين الثلاثة، الأصدقاء الثلاثة”، وقام أيضًا بكتابة فيلم “ربع دستة أشرار”، عام 1970، والذي قام ببطولته فؤاد المهندس، وتزوج “الضيف” من السيدة نبيلة مندور، وأنجب منها قبل وفاته بعامين ابنة وحيدة تُدعى “رشا”. توفي “الضيف” في صباح الإثنين 16 أبريل/نيسان عام 1970، عن عمر يناهز 34 عامًا، وفي الليلة السابقة للوفاة كان الضيف عائدًا مع زميليه “جورج وسمير” من الأردن، حيث شاهدوا في عمان العرض الأول لفيلم “المجانين الثلاثة”، واشتركوا في إحياء حفلة زفاف شقيقة الملك حسين، وعقب العودة مساءً أجرى الثلاثي هناك البروفة الأخيرة لمسرحية “الراجل اللي جوز مراته”، التى يخرجها ويمثل فيها دور الرجل الميت، وهو آخر مشهد في المسرحية، وكان المشهد يقتضي أن يضع الحانوتي “الضيف” في النعش، ليقبض من حوله قيمة التأمين على حياته.

ومن مفارقات الحياة الغريبة أن “الضيف” بعد أن انتهى من إجراء البروفات على خشبة المسرح وكانت الساعة تُشير إلى الواحدة صباحًا، ودع زملاءه على أساس اللقاء في اليوم التالي، وهو يوم بدء عرض المسرحية أمام الجمهور، وبعدها توجه إلى منزله، والإرهاق يظهر عليه بصورة غير عادية، وقال لزوجته إنه يشعر بإجهاد وضيق في التنفس، واستراح على السرير فتضاعف الألم عليه ولم يحضر الطبيب الذي طلبته زوجته، فأسرع به الجيران إلى مستشفى العجوزة، لكنه توفي وهو في الطريق قبل أن يصل إلى المستشفى، وفي ظهر اليوم نفسه، كان “الضيف” يتوسد النعش وحوله أصدقاؤه، ولا أحد منهم يصدق أنه سيودع في قبر بعيد بقريته المتواضعة

ونعى سمير غانم وجورج سيدهم، صديقهما “الضيف” في جريدة الأهرام شهر أبريل 1970، ليودعا من خلاله ثالثهما، وكان هذا نص النعي: “إلى توأم الروح وزميل العمر الفنان الضيف أحمد، لا نملك تجاه مشيئة الله سوى أن نقول اللهم إنك أعطيت وأخذت ومنحت وسلبت وحكمت وقضيت، فأفرغ علينا صبرا نستعين به على ما قدرت”، كما رثى “سمير” الضيف بكلمات شعرية لعصام عبد الله، ولحنها محمد هلال، سجلها حينها وهو يبكي، تحت عنوان “عزيزي الضيف أحمد”، وتقول: “عزيزي الضيف أحمد باسأل عنك كل ما باضحك، بس ما بيجيش الرد، كل ما بالمح حد واصلك، أجري له ألقاه يتشد، بيني وبينك عندك أحسن أروق أنضف، لولا الرب علينا بيلطف، كنا زمانا بناكل بعض، بس بنضحك، نزعل نضحك، نفرح برضو نضحك، ما اعرفش إذا كنت سامعني ولا ما عُدتش تسمع حد، فاكر لما كنا نغني كنا نضحك طوب الأرض، كل ما أدقق أفكر أمعن، باشعر إني خلاص هاتجنن، بس مافيش من المكتوب بُد، وهي أيام بتعدي يا ضيف، وهنتقابل بلا تكليف، ونقعد نضحك”.

وعندما رحل “الضيف”، حدثت صدمة كبيرة لـ”سمير وجورج”، إذ إنه الصديق والعقل المدبر الذي تركهما في عز نجاح فرقتهم “ثلاثي أضواء المسرح”، وقتها تقدم عدد كبير من الممثلين الجدد لهما كي يصبحوا بديلًا لـ”الضيف”، فمنهم من كان يُشبهه بشكل كبير ولكن لا توجد نفس الروح، وقال “غانم” في حواره مع الناقد طارق الشناوي، في كتاب “سمير غانم.. إكسير السعادة” الذي صدر في الدورة 39 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، إنه “بعد وفاة الضيف فكرنا في عادل إمام ليصبح الضلع الثالث، وكان مجرد تفكير لكن الأمل كان بعيدًا جدا، فعادل كان مشغولًا ويقدم روايات مع فرقة “الفنانين المتحدين”، ومن المستحيل أن يترك الفرقة”. وعلى هذا؛ قرر “سمير وجورج” العمل معًا كثنائي، وقدّما عدة أعمال مسرحية، وأشهرها “المتزوجون”، نهاية السبعينيات، و”أهلًا يا دكتور”، بداية الثمانينيات، ولكن الفرقة لم تستطع الصمود بالثنائي طويلًا.


الاخبار والمواد الواردة في موقع "سيدر نيوز" لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارته او العاملين انما تعبر عن رأي مصدرها الذي يتحمل كامل مسؤوليتها للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات: info@cedanews.net
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com