الرئيسية » فن, مميز » جورجيت صايغ: أترحّم على مسرح الرحابنة… وفيروز صديقتي

جورجيت صايغ

جورجيت صايغ

«أحبّ الكويت، وغنّيتُ لها (يا كويت انتي أغلى دار)، وأتوق إلى مقابلة جمهورها». إنها جورجيت صايغ، الفنانة القديرة التي عُرفت بصوتها المخمليّ، وهي إحدى بنات الزمن الجميل يوم كان الرقيّ عنواناً للفن. ابتعدتْ عن الفنّ قسراً – كما تقول في هذا الحوار مع «الراي» – ولم تعتزل رسمياً لكنها لا تجد الفرصة المناسبة للعودة، فهي ابنة مدرسة «الرحابنة» ومسرحها الذي دخلتْه وهي صغيرة جداً.

حزنها الكبير لفقدانها أعزّ وآخر صديق لها في الوسط الفني ملحم بركات أدخلها غيمة سوداء تحاول جاهدة الخروج منها.

تعددت زوايا الحوار عن شخصيات وأحداث مهمة مرّت بها، فتحدثت عن فيروز واصفةً إياها بأنها «خجولة وحذرة ومرحة» في آن، بينما وصفت صباح «بأنها صاحبة الفضل في دخولها الفن ودعمها عند الرحابنة». وفيما أسهبت في الكلام عن صداقاتها في الزمن الجميل، تطرقت إلى مطربات اليوم ملقيةً عليهن باللائمة لأنهن يرددن أغنياتها أمام الجماهير من دون أن يذكرن اسمها، معتبرةً الأمر «نوعاً من الإجحاف»!

وتسرد جورجيت صايغ، في ثنايا حديثها مع «الراي»، كثيراً عن ذكريات الماضي الجميل، مستدعيةً أبرز المحطات التي مرّت بها، بحُلوها ومُرّها… أما التفاصيل فتأتي في هذه السطور؟

• لماذا ابتعدتِ عن الفن في عزّ العطاء بعد مسيرة ناجحة في عالم الغناء؟

– الحقيقة أن الفنّ ابتعد عني. بعد رحيل عاصي الرحباني وتوقّف شقيقه منصور عن إنجاز أعمال فنيّة جديدة ابتعدتُ قسراً عن الفنّ. وآخر عمل شاركتُ فيه كان العام 1985 وكان في الأردن، وبعد ذلك توقف كل شيء، والحرب اللبنانية مزقّت طموحاتنا في عز العطاء.

• ولو عُرض عليكِ عمل فني جديد لتشاركي فيه، فهل تقبلين؟ وما شروطك للعودة؟

– أتمنّى العودة إلى الفنّ، فهو حياتي وعائلتي. الفنّ هو ما تبقّى لي في هذه الدنيا، أما عن الشروط فأبرزها أن يكون العمل مسرحياً غنائياً يشبه مستوى مسرح الرحابنة، أو مسرح روميو لحود، فهو الوحيد حالياً مع مسرح «كركلا» اللذان تبقّيا من زمن الأصالة. وأتمنى المشاركة مع واحد منهما.

• كيف كانت بداياتك ومَن اكتشفك؟

– يعود الفضل الكبير والأساسي لدخولي عالم الفنّ إلى «الرحابنة»، وتحديداً عاصي الذي لفته صوتي خلال مشاركتي في «كورال» تابع لإحدى الجوقات الدينية في أنطلياس (شمال بيروت)، ولم يكن عمري يتجاوز السابعة عشرة، وطلب مني مشاركته في عمل مسرحي يحضِّر له، لكنني طلبتُ منه أن يسأل والدي لأنني كنتُ قاصراً. وبعد أخذ الموافقة من العائلة انطلقتُ معه في أول عمل مسرحي تم تصويره لمصلحة «تلفزيون لبنان»، وحمل اسم «ضيعة الأغاني». يومها قدّمتُ أغنية «عم اكتبلك المكتوب»، ومن يومها أحبّني الجمهور لما تحمله هذه الأغنية من حنين موسيقي وشاعري وأداء هادئ.

• هل تتذكرين عدد أعمالك معهم، وأي عمل هو الأقرب إلى قلبك؟

– طبعاً أتذكر جميع الأعمال. ولا أزال أتذكر شكل مسرح «البيكادللي» في بيروت، وأترحّم كثيراً على تلك الأيام، وأتأسف جداً على هذا المسرح العظيم المهجور اليوم.

عملتُ مع «الرحابنة» في نحو 25 عملاً مسرحياً وسينمائياً كـ «بياع الخواتم» التي تحوّلت من مسرحية إلى فيلم من توقيع الراحل الكبير يوسف شاهين، ومسرحيات «ناطورة المفاتيح»، «المحطة»، «جبال الصوان»، «أيام فخر الدين»، «ناس من ورق»، «يعيش يعيش»، «هالة والملك» و«لولو». كما شاركتُ في مسرحية «دواليب الهوا» التي قامت ببطولتها صباح، لأن فيروز كانت تلد ابنتها ريما. ومع زياد الرحباني، شاركتُ في مسرحية «سهرية». كل أعمالي مع الرحابنة أحبها جداً، ولكنني أختار مسرحية «أيام الصيف»، إذ في هذا العمل قدمتُ واحدة من أشهر أغنياتي التي لا يزال الجميع يردّدونها حتى اليوم، وهي «يا بو مرعي» وقد غنّيتُها مع العملاق الراحل وديع الصافي.

• كيف كانت التجربة مع زياد الرحباني؟ وكيف اختاركِ لتكوني بطلة أول مسرحية له؟

– تعرّفتُ على زياد من خلال وجوده الدائم مع والديه عاصي وفيروز في كواليس المسرحيات. وهو في سن التاسعة عشرة من عمره قرّر أن يخوض تجربة المسرح بمفرده باحثاً عن تحقيق مسيرة فنيّة مستقلّة، وعندما انهمك في التحضيرات لمسرحية «سهرية»، وقع اختياره عليّ لأقوم ببطولة أول عمل له، واختار الفنان الكبير مروان محفوظ ليكون البطل معي. وفي العام 1975 خرج أول عمل مسرحي لزياد، وحقق النجاح الكبير، وتم تصويره لمصلحة «تلفزيون لبنان»، وكانت هناك آمال في تقديم أعمال أخرى، ولكن الحرب الأهلية قضت على كل الأحلام. وكان التعامل مع زياد رائعاً جداً، فمسرحه واقعي وله أسلوبٌ خاص ومختلف عن عائلته الفنيّة الكبيرة.

• لو سألتكِ: ما الأغنيات التي تعتبرينها «أغنية ضاربة» في مسيرتك الفنيّة، ماذا ستقولين؟

– الحقيقة أن أغلب أغنياتي كانت ولا تزال ضاربة، ولكن بحسب ما أتابعه اليوم أشعر بأن الحضور الطاغي لا يزال لأغنية «بلغي كل مواعيدي» مع الراحل الكبير ملحم بركات، فهذه الأغنية لم يبق مطرب ولا مطربة إلا وأعاد غناءها في الحفلات، كذلك «دلوني على عيون السود»، وأغنية «بويا بويا» مع نصري شمس الدين. وهناك أغنية خفيفة ضربت في أواخر السبعينات ولا تزال الإذاعات تبثّها حتى اليوم وهي «طير وفرقع يا بوشار»، وأيضاً «نطّرني ع الشباك».. وأعتبر «بيني وبينك يا هالليل» من الأغنيات المهمة في رصيدي وفي عالم الفن، وحتى اليوم تقوم مطربات بإعادة تأديتها.

• هل يزعجك موضوع إعادة أغنياتك من قبل البعض؟

– لا يزعجني الموضوع بقدر ما يزعجني عدم ذكر اسم صاحب الأغنية الذي تعب فيها وفرح بها. الأغنية كالطفل الذي تلده الأم وتفرح به ويأتي آخر ليسلبها إياه. من الضروري واحتراماً لتاريخنا وتَعَبنا أن يُذكر اسم صاحب الأغنية، وهذا شيء معنوي مهم للفنان، وتجاهله يعتبر نوعاً من الظلم والإجحاف بحق الفنان.

• كانت تربطكِ بملحم بركات علاقة صداقة قوية، ماذا عن ذكرياتك معه؟

– ملحم من أطيب القلوب. عرفتُه ذاك الرجل العصبي الذي يثور بسرعة ويهدأ بسرعة، يحب المقالب كثيراً ودمه خفيف جداً. لم يضحكني أحد في حياتي بقدر ملحم. سافرنا معاً خلال عمله في المسرح الرحباني إلى الأردن والكويت وسورية وكنا نأكل معاً. وأطيب أكلة مشتركة بيننا كانت الفول والحمص، وهذا الطبَق كان رفيقنا في كواليس المسرحيات. ومع وفاة ملحم بركات فقدتُ كل شيء حقيقةً. وبرغم عدم تكرار تجربة التعاون الفني بيننا، كنا نلتقي ويسأل كل منا عن الآخر، ولا أستطيع القول حالياً سوى «رحمه الله، وأشتاق إليه كثيراً».

• هل زرتِ الكويت في حفلات خاصة، أي خارج المشاركة في أعمال الرحابنة؟

– طبعاً سافرتُ في السبعينات مع ملحم بركات ووديع الصافي، وأحييتُ العديد من الحفلات. ولا بُد من الإشارة إلى أنني قدّمتُ للكويت، هذا البلد العزيز والعظيم، أغنية وطنية باللهجة الكويتية اسمها «يا كويت انتي أغلى دار»، ويومها كان العيد الوطني الكويتي. مَن ينسى هذا البلد الرائع، أول بلد خليجي كان يهتم بالفنّ وأهله؟ اشتقتُ إلى الجمهور الكويتي فعلاً.

• تربطك علاقة صداقة مع الكبيرة فيروز. كيف توطّدت هذه العلاقة؟

– غالبية الناس يظنون أنّ فيروز شخصية جامدة ومنعزلة، لكنها في الواقع شخصية حذرة، تنتقي أصدقاءها ومَن يدخل عالمها بعناية فائقة. في الواقع فيروز امرأة مرحة جداً وتمزح كثيراً وتضحك كثيراً وتحب ضيوفها وتهتمّ بهم. لها عالمها ومزاجيتها، وهي اجتماعية بحدود، وعلاقتي بها بدأت من خلال مشاركتي في أعمالها منذ الستينات وتوطدت مع الوقت. وبعد ابتعادي عن الفن بقيتُ أزورها. وبرغم أنه مضى على زيارتي الأخيرة لها فترة طويلة، فإن الاتصالات بيننا لا تنقطع.

• على الرغم من أنكِ لم تشاركي الراحلة صباح في الكثير من الأعمال، لكن كانت تجمعكما صداقةً وطيدة، ماذا تتذكرين من أيامها؟

– بكل صراحة أقول إنني أدين للكبيرة صباح، فهي سبب انخراطي في الفنّ، وهي حبّبتني به. وبالمصادفة كنتُ على أحد مسارح الهواة في بيروت أدندن أغنية «جيب المجوز يا عبّود»، فسمعني عاصي الرحباني ولفته صوتي، مع العلم أنه سمع صوتي سابقاً ضمن فريق الكورال الكنسي، ولكن هذه المرة كنت بمفردي أدندن. وعملتُ مع صباح في مسرحية «دواليب الهوا» التي قُدمت على مسارح بعلبك، وكانت تدعمني دائماً وتثني عليّ أمام عاصي الذي كان يحبها جداً، ومن وقتها بدأ يهتمّ بي ويسند إلي أدواراً غنائية.

• ما الذي كان يميّز صباح عن فيروز بكل صراحة؟

– بكل صراحة كلتاهما سيدتان عظيمتان ومتواضعتان. المشكلة أن الناس لا يعرفون فيروز من كثب. وهي بعيدة كونها حذرة وخجولة جداً، وترتبك حين تتحدث للمرة الأولى مع شخص غريب، بعكس صباح التي تضجّ بالضحكة وقوة الشخصية. وقد تكون صباح أقوى وشعبيةً أكثر، لكن كلتيهما تتميزان بالهضامة والكرم.

• ماذا عن حقيقة الغيرة التي نشأتْ بينك وبين الفنانة هدى في الفترات السابقة بسبب عزوف الرحابنة عنكِ والاهتمام بها؟

– هدى إنسانة عظيمة ورقيقة، وما مضى قد مضى. ما قيل حينها والتضخيم في الصحف عن خلافات كبيرة بيني وبين الرحابنة بسبب هدى ووقوع غيرة بيننا وصلت إلى حدّ الكره، كله كلام باطل. قد تكون هناك غيرة خفيفة، وهذا أمر بديهي يحصل بين أبناء الجيل والعمل الواحد.

• كيف تفسّرين إذاً إعادة بعض أغنياتك الناجحة التي لحّنها لكِ الرحابنة بصوتها؟

– (تصمت ثم تتدارك قائلة): لا يوجد أي تفسير. ربما أرادوا تجربة الصوتين، وربما أيضاً كان طموح عاصي اكتشاف صوت جديد عن طريق هذه الأغنيات، ليختبر قبول الناس لها قبل أن تنفرد بالأغنيات الخاصة بها.

• هل ندمتِ على دخولك الفنّ بعد ثلاثين عاماً من الاعتزال وعدم الاهتمام بكِ؟

– قطعاً. الفن اختارني وليس العكس، وبدأتُ العمل به وأنا فتاة مراهقة. لم أؤسس عائلة من أجله، وحين تركتُه كان ذلك بسبب مرض والدي ومن ثم والدتي وبعدهما شقيقتي. لم أستطع التوفيق بين العائلة والفن وخرجتُ منه رابِحةً وتارِكةً رصيداً فنياً مهماً، ولكن ما يحزنني اليوم هو نسيان الجيل الجديد لي بسبب الإهمال الإعلامي بحقي وحق بعض الفنانين القدامى. وحتى الدولة لم تلتفتْ إلينا يوماً، مع العلم أن جميع فناني لبنان هم مَن ساهموا في رفْع اسمه، وأقصد جميعهم من دون استثناء. وفي زمن الستينات والسبعينات، قدّمنا لبنان من خلال أعمالنا الفنية بصورة حضارية.

… بصمة في التلفزيون وصداها بلغ الكويت

قدّمتْ جورجيت صايغ إلى جانب عملها مع الرحابنة عدداً من الأعمال التلفزيونية على قناة «تلفزيون لبنان» الرسمية، وكانت هذه الأعمال تُباع أيضاً إلى الكويت والأردن والعراق والسعودية.

ومن أبرز أعمالها التي نجحت في الخارج والداخل: مسلسل «كانت أيام» في العام 1963. كما شاركت في أهمّ دراما لبنانية آنذاك تحت عنوان «يسعد مساكم»، وهو عبارة عن مسلسل يحمل حكماً ومواعظ، واشتهر باسم «أبو ملحم»، ولا يزال حتى اليوم مضرب المثل.

وشاركت صايغ أيضاً في البرنامج الغنائي «ضيعة الأغاني»، والمسلسل الكوميدي «العائلة السعيدة» الذي حقق نجاحاً مدوياً في لبنان والأردن والكويت.

الراي – من ربيع دمج

 

التعليقات


الاخبار والمواد الواردة في موقع "سيدر نيوز" لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارته او العاملين انما تعبر عن رأي مصدرها الذي يتحمل كامل مسؤوليتها للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات: info@cedanews.net
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com