Home » العالم اليوم » الضوء الأزرق: هل حقاً يسبب لنا الأرق ويزيد خطر الإصابة بمرض السرطان؟

ارتباطه بالسماء الصافية والبحار الهادئة، جعله يحظى بترحيبٍ واسع على مدار التاريخ، إذ يراه الناس كلونٍ منعش وطبيعي.

اقترن اللون الأزرق بالهدوء دوماً، ولكن مع انتشار مصابيح LED التي ينبعث منها الضوء الأزرق في حياتنا المضاءة صناعياً، أصبح هذا اللون رمزاً للعيون المجهدة، والأرق، وسوء الصحة المرتبطة باضطراب النظام اليوماوي (ساعة حيوية تساعد الأجسام في تحضير نظامها الفيزيولوجي للتعامل مع التقلبات اليومية).

ونتيجة لذلك انطلق موجة من المخاوف والدراسات المتعلقة بمخاطر الضوء الأزرق المحتملة على الصحة، حسب ما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

من الأرق للسرطان .. المخاوف من لون السماء تتوسع

من بين طيف الموجات الضوئية المنبعثة من الشمس التي يمكن للعين أن تراها، فإنَّ الأشعة “الزرقاء” الأقصر هي التي تنعكس بين جزيئات الغلاف الجوي للأرض، وبالتالي فهي السبب وراء اللون الأزرق للسماء، إذن، لماذا يبدو الضوء الأزرق مضراً لنا؟.

في وقتٍ مبكر من هذا الشهر مايو/أيار 2018، بحثت دراسة منشورة في دورية الطب النفسي The Lancet في معلوماتٍ مجمعة من 91 ألفا و105 أشخاص في منتصف العمر، ووجدت أنَّ الأشخاص الذين يعانون من أنماط نوم مضطربة كانوا أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب.

أحد المشاركين في الدراسة، وهو دانيال سميث الأستاذ بجامعة غلاسكو الإسكتنلدية، ذكر أنَّ الأكثر عرضةً للضرر هم الأشخاص ذوو “العادات الصحية السيئة للغاية المتعلقة بالنوم، مثل من يستخدمون هواتفهم المحمولة لتصفح موقع فيسبوك في منتصف الليل، أو يستيقظون أيضاً في منتصف الليل لتناول كوباً من الشاي”. وكرَّر النصيحة الشائعة بين خبراء النوم: أطفئ جميع الأجهزة الإلكترونية قبل ساعةٍ من الخلود إلى النوم.

وقبل ذلك بشهرين في مارس/آذار 2018، نصحت رئيسة الأطباء سالي دافيس بتوخي الحذر في استخدام الأجهزة التي تبعث ضوءاً أزرق بينما تُجرى المزيد من الأبحاث على أضراره المحتملة.

ثم في أبريل/نيسان، ربط الباحثون في معهد برشلونة للصحة العالمية زيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي والبروستاتا بمعدل التعرض للضوء الأزرق أثناء الليل (اكتُشفت تلك العلاقة، لكن ما زلنا نجهل ما إذا كان التعرض للضوء هو ما سبَّب هذه السرطانات عن طريق الخلل الناتج في النظام اليوماوي).

هكذا تختلف إضاءات شاشات ومصابيح LED عن المصادر التقليدية

ما نعرفه هو أن شاشات ومصابيح LED غير الخافتة تصدر ضوءاً أزرق أكثر مما ينبعث من مصادر الضوء التقليدية مثل المصابيح الكهربائية المتوهجة.

كما أننا أصبحنا نستخدم أجهزة الإضاءة الخلفية أكثر مما مضى، سواءٌ لتصفح الشبكات الاجتماعية أو أرصدة البنك، أو إنجاز أعباء العمل الثقيلة، حتى وقت النوم.

وتزايد انتقال المصنعين إلى لمبات LED الأكثر سطوعاً في الكفاءة. إذ يقول جون أوهاغان من مركز الصحة العامة بإنكلترا للمخاطر البيئية والكيميائية والإشعاعية: “بالنسبة للمصابيح المتوهجة، فإنَّ 95% مما تنتجه حرارة، و5% فقط ضوء”، في المقابل فإنَّ شاشات LED تتميز بحفاظها على برودتها، فإنَّها أرفع وأخف وأطول عمراً، إلى جانب دقة ألوانها المذهلة.

منتجات التجميل مؤشر على تزايد موجة القلق وشبكية الحيوانات تتعرض للتدمير

يتمثل أحد مؤشرات القلق بشأن الضوء الأزرق في زيادة وفرة المنتجات المضادة للضوء الأزرق، بما فيها منتجات التجميل التي تزعم حماية البشرة من الضوء المنبعث من الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، والعدسات المضادة للضوء الأزرق.

وكشفت التجارب التي تُجرى بالمختبرات أنَّ التعرض العالي للضوء الأزرق يدمر شبكية الحيوانات، ولكن لا يوجد دليل على أنَّ المستويات الحالية للتعرض تضر بعين الإنسان.

ويقول أوهاغان: “الضجة المثارة حول مخاطر الضوء الأزرق قد خرجت عن السيطرة”. وأصدرت شركة Boots Opticians إعلاناً يزعم أنَّ عدسات تصفية اللون الأزرق يمكنها أن تحمي المستهلكين من تلف الشبكية وإجهاد العينين وإرهاقها، ولكنَّ هيئة معايير الإعلانات حظرت إذاعته عام 2015.

المفارقة أن الطقس الملبد بالغيوم قد يكون أكثر خطراً

ويقول أوهاغان إنَّه عندما فحص الباحثون مستويات الضوء الأزرق في الأجهزة، “وجدوا أنَّها لا تقترب من حدود التعرض الدولية حتى عند التعرض المطول للأجهزة، وأنَّها لا تشكل سوى جزءٍ طفيف مما يمكن أن يتعرض له الإنسان عند السير في الخارج في يوم ملبد بالغيوم”. وأكمل أنَّ التعرض الناتج عن العمل على جهاز الحاسوب المحمول “يعد تافهاً مقارنةً بالسير في الخارج والنظر إلى السماء، ليس الشمس ولكن مجرد السماء”.

وإذا كان تعرض البشر للضوء الأزرق يضرهم، لكنا علمنا بهذا الأمر قبل فترةٍ طويلة من سيطرة شاشات LED على حياتنا. ويعترف قائلاً: “هناك الكثير للغاية لا نعرف عنه شيئاً، لكنَّني مقتنع إلى حدٍ ما أنَّ الضوء الأزرق لا يتسبب في إصاباتٍ مثل تلك”.

المشكلة ليست في الضوء الأزرق بقدر ما يسببه من ارتباك لنظام حياتنا اليوماوي

ليس التعرض للضوء الأزر هو المشكلة على مايبدو، ولكن تأثيره على حياتنا اليومية هو الأهم.

فدور الضوء الأزرق المتمثل في التحكم في النظام اليوماوي هو ما يشكل قلقاً أكبر على الصحة العامة.

إذ يقول أوهاغان: “إذا رجعتَ بالزمن إلى الوراء، كنتَ تذهب إلى فراشك بمجرد أن تغرب الشمس، ثم تستيقظ عندما تشرق. فليس من الطبيعي تمديد يومك باستخدام الإضاءة الصناعية. كذلك يؤدي الأشخاص أنشطةً في المساء لم يكونوا ليقوموا بها حتى منذ 20 أو 30 عاماً مضت، وقد يكون لهذا تأثيرٌ أكبر بكثير من الضوء نفسه”.

ويقول إنَّه منذ مدةٍ قصيرة “كان التلفزيون عبارة عن جهازٍ صغير نسبياً يوجد في زاوية الغرفة، لكن أصبح لديك الآن تلفازٌ كبير يملأ الحائط بأكمله وتنغمس في ما يعرضه. ونحن لا نعرف تأثير ذلك، وربما لا يمثل مشكلةً على الإطلاق. لكنَّنا نحتاج إلى إجراء بعض الأبحاث عليه”.

فأجسامنا مجهزة بشكل خاص للتعامل معه

“الضوء الأزرق ليس سيئاً”، حسب ستيورات بيرسون بمعهد علم أعصاب النظام “اليوماوي” والنوم بجامعة أكسفورد البريطانية الذي يقول “تطرأ تغيرات بشكلٍ خاص في الجزء الأزرق من الطيف بين وقت الفجر والغسق، وبالتالي تطورت أجسامنا لتتمكن من رؤية تلك التغيرات لأنَّها مهمة لضبط ساعاتنا البيولوجية.

لكنَّنا اخترعنا لاحقاً أجهزة ينبعث منها الضوء، وملأنا بها البيئة بل وأدمناها. إذا ذهبت إلى فراشك في المساء وحدقت في المصباح الجانبي لسريرك لمدة 10 دقائق، سيغير ذلك من ساعتك البيولوجية، كل ما في الأمر أنَّه لا أحد يفعل ذلك فقط”، في إشارة إلى الوقت الطويل الذي نقضيه أمام أضواء الهواتف والتليفزيونات والحواسيب قبل النوم.

ويضيف “إنَّ التركيز مع الضوء الأزرق بدأ “قبل حوالي 15 عاماً، عندما اكتشفنا أنَّ هناك نوعاً من المستقبلات الضوئية في العين تشعر بالضوء، ولكنَّها تفعل ذلك للاستجابات الضوئية اليوماوية وليس الاستجابات البصرية”.

وأكمل: “يشمل ذلك ضبط الساعة اليوماوية وتنظيم النوم واليقظة، وأشياء أخرى منها الاستجابات الهرمونية مثل الميلاتونين”. وإضافةً إلى المستقبلات الضوئية البصرية، المعروفة بالأعواد والمخاريط (الأعواد للرؤية الليلية والمخاريط للضوء الساطع والرؤية الواضحة)، فإنَّنا نملك خلايا عصبية في الشبكية حساسة للضوء، وهي حساسة بشكل خاص للضوء الأزرق.

وأضاف: “لكن ما تعلمناه لاحقاً هو أنَّ الأعواد والمخاريط (الحساسة لسلسلة ترددات الضوء) تساعد أيضاً على تنظيم الاستجابات اليوماوية، بينما تعمل الخلايا العصبية للشبكية الحساسة للضوء كأجهزة قياس للضوء. تلك الخلايا لا يقتصر دورها فقط على امتصاص الضوء الأزرق، ولكنَّها تمتصه بصورةٍ أفضل من، على سبيل المثال، الضوء الأحمر. وإذا انقطع التعرض للضوء الأزرق، سيتواصل تنشيط النظام اليوماوي حتى وإن كان بصورةٍ أقل”.

هناك طريقة أسهل من القرار الصعب الذي لا نجرؤ عليه بترك الأجهزة قبل النوم

وإذا لم تكن مستعداً لخفض إضاءة المنزل وترك الأجهزة قليلاً قبل النوم، تتمثل الطريقة الأكثر ذكاءً لمعالجة المشكلة في “تغيير درجة حرارة لون الشاشة، بأن تتحكم في مدى سخونتها أو برودتها”.

ومن المخيب للآمال أنَّ الدراسة الوحيدة التي يعرفها بيرسون حول مدى فعالية القيام بذلك، عن طريق استخدام برنامج يدعى f.lux، كانت غير حاسمة. ويقول بيرسون: “لكن في الواقع يساهم خفت السطوع في إحداث تغيير. فالوضع الليلي المتوفر في أجهزة عدة يجعل الشاشة خافتة أكثر. حتى وإن لم تمتلك الوضع الليلي، فإنَّ خفض إضاءة أجهزة LED بنسبة 50% سيكون أقل سطوعاً بالنسبة للخلايا العصبية عن المصباح المتوهج أو الفلوري”.

واستحوذت على بيرسون فكرةٌ ناقشها زميلٌ له من جامعة هارفارد الأميركية، تقول إنَّ الضوء يشبه المخدرات من نواح عدة: “يمكن استخدامه في أغراضٍ مفيدة وضارة أيضاً. وتكمن النقطة الأساسية في معرفة متى نحتاجه وبأي كمية”.

هل يُعد الضوء الأزرق هو السبب وراء الإصابة بإجهاد أو إرهاق العينين بعد الاستخدام المطول للحاسوب؟

يرفض هذا الأمر جون لورنسون، أستاذ العلوم البصرية السريرية بجامعة سيتي في لندن. وفي مراجعةٍ للدراسات الصحيحة حول عدسات حجب الضوء الأزرق، وجد “القليل جداً من الاختلافات الكبيرة في الكفاءة بين عدسات حجب الضوء الأزرق والعدسات القياسية”.

ويرجع ذلك جزئياً إلى أنَّ العدسات بإمكانها حجب جزءٍ بسيط من الضوء الأزرق، ويقول إنَّ المصطلح الجديد “الإجهاد الرقمي للعين” قد ينطوي على الكثير من الأشياء، مثل ارتداء نظاراتٍ خاطئة أو الإصابة بجفاف العين، أو الجلوس أمام الحاسوب لفترةٍ طويلة جداً.

الأطفال أكثر حساسية له.. ولحسن الحظ المشكلة ليست واسعة الانتشار

وعيون الأطفال أكثر حساسية للضوء الأزرق، لأنَّه كما يقول أوهاغان “كلما تقدمنا في العمر، انخفضت رؤية الضوء الأزرق لدينا. وبوصولك لعمر العشرين تتدهور تماماً رؤيتك للضوء الأزرق”. مع ذلك، بوجهٍ عام، لا يتأثر معظم الأشخاص بأيٍ من تلك المشكلات. وأضاف أوهاغان: “لكنَّ بعضهم يتأثر، ويعرف ذلك، بالتالي لابد لهم من إطفاء الأجهزة قبل ساعة على الأقل قبل ذهابهم إلى النوم. قد لا يكون لذلك علاقة بالضوء الأزرق، لكن أي ضوء تحدق فيه وتظل منتبهاً.

مهما كان تأثير الضوء الأزرق فالحل بسيط.. ولكن عليك أيضاً التعرض للضوء في الوقت الأمثل

وبالنسبة لمن يعانون من مشكلة مع الأجهزة، هل هم حساسون بشكلٍ خاص للضوء الأزرق؟: لا نعلم”.

ولكن في كل الأحوال يختلف الأمر من عينٍ لعين، وتختلف كذلك الأنظمة اليوماوية بين الناس، فالبشر يستيقظون في أوقاتٍ مختلفة.

ويقول أوهاغان: “أفضل ما يمكن أن يقوم به الناس هو الخروج وقت وجبة الغداء. فهناك الكثير من الأدلة على أنَّ جرعة الضوء التي تحصل عليها في المساء أقل أهمية عن تلك الجرعة التي تأخذها أثناء الغداء. فهي تجعلك تشعر بتحسن وتُعوِّد عينيك”.

وفي حين أنَّ الإنترنت مهم للغاية، فإنَّه “من المهم أن يتوقف الناس عن فعل أي شيء لبرهةٍ من الوقت. فبمنتهى البساطة “إذا أردت أن تهنأ بنومٍ جيد فعليك الاستعداد للنوم”.

المقالة الضوء الأزرق: هل حقاً يسبب لنا الأرق ويزيد خطر الإصابة بمرض السرطان؟ ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com