Home » العالم اليوم » من أنت؟.. قصة هويتي التي لم أعرفها !

حين يُطرح على أي منا سؤال (مَن أنت؟) نُجيب دون مجهود فكري معمّق: إننا فلان ابن فلان ننتمي للبلد الفلاني، وعندما يُريد رجل أمن التأكد من هويتنا فهو يطلب بطاقتنا الشخصية التي تحمل اسمنا وصورتنا ومعلومات عنا ورقماً خاصاً بنا، أي مجموعة من المحددات التي تقول إنه لا يوجد شخص آخر في العالم يشاركنا نفس هذه المعلومات حتى لو كان توأمنا.

وبناءً على هذا، فيبدو سؤال الهوية سهل الإجابة ولا يحتاج تعمّقاً في البحث، لكن هل يمكن تلخيص هويتنا كلها في بطاقة الهوية؟ وهل هويتي في هذه السنة ستشبه هويتي بعد عشر سنوات من الآن؟

من البديهي أن هويتنا لا تتشكل فقط بما ذُكر في وثائقنا، بل تتشكل بتوجهنا الديني وميولنا ولغتنا ونمط عيشنا وذوقنا الفني والكثير من المحددات الأخرى التي إما تُفرض علينا أو نكتسبها طواعية منذ أول أنفاسنا في الحياة، إنها هي من تشكل هويتنا وشخصيتنا، وهي أيضاً التي تخلق الاختلاف والتميز، ولولاها لكنا أمام عالم كبير من النسخ المتكررة، وهذا الاختلاف يضمن أننا لن نجد أبداً شخصاً يطابقنا في كل شيء.

وإن حاولنا التوسع في الانتماءات التي تُكتسب بالتعود عليها، فخير مثال هنا هو الأطفال الصغار، فلنتخيل طفلاً صغيراً يرى جَمَلاً لأول مرة، مع العلم أن البلد الذي ينتمي له معروف بالجِمال، لا شك أن هذا الطفل سيصرخ إما فرحاً أو رعباً في كل مرة يرى فيها ذلك الكائن الجديد إلى أن يتعود عليه، ويدرك أن الجِمال تنتمي لمحيطه، وبإسقاط هذا المثال على رموز هويتنا سنجد أن التعود عليها يُخفي قيمتها لكن لا يهدمها ولا نحس بها إلا ونحن بعيدون عليها، فلو التقيت بشاب في شارع مدينتك ينصت لأغنية شعبية لن تحس بذات الشعور لو تكرر المشهد، وأنت مغترب عن وطنك، في تلك اللحظة ستطفو انتماءاتك؛ لأنك ابتعدت عنها وأحسست بقيمتها.

ويعتبر البعض أن وسط كل الانتماءات يوجد انتماء واحد يسمو على الكل ويحدد الهوية، ربما الدين أو الوطن، لكن هذا الاعتقاد لا يمكن أن يكون شمولياً؛ لأن ترتيب الولاء للانتماءات يختلف من شخص لآخر وخير دليل هي الحروب الأهلية التي تدور في وطن واحد، أو الصراعات بين الإخوة في الدين، فالأتراك والأكراد مسلمون والهوتو والتوتسي كاثوليكيون، أي أن من يحدد هوية الشخص هو الشخص نفسه وقساوة الموقف، وكما يقول سقراط “اعرف نفسك بنفسك”، فقد تصادف في أي بلد شخصاً يغيّر ولاءه للوطن إن أحس بالاضطهاد، فالانتماءات هنا كأسهم البورصة تختلف أولويتها في كل لحظة، وهنا أستحضر قولة للفيلسوف الفرنسي ألبير كامي: “إني سأدافع عن العدالة، لكني سأدافع عن أمي قبل أية عدالة”.

ومن السطحي أيضاً تلخيص هوية الشخص في انتماء واحد ووحيد، فالقول إن فلاناً عربي أو أميركي يُقصي جزءاً مهماً من هويته ويرسم تصوراً قبلياً عنه، صحيح أن العربي لا يشبه الأميركي لكن داخل العرب أيضاً يوجد من يختلف عن عربي آخر، وينطبق ذلك على الأميركي، والغلط الذي يقع هو تصنيف شخص ما في خانة أكبر منه فقط لأنه ينتمي لمنطقة معينة، فكثيراً ما نسمع أن القوم الفلانيين معروفون بالكذب، أو أن أهل المنطقة الفلانية بخيلون فيصبح الشخص مقيداً بأفكارنا وأحكامنا المسبقة عليه والظالمة له.

إن هويتنا شيء متحول وقابلة للتغير والنمو، فنحن نزداد فقط بجنس محدد ولون معين.. والباقي تتدخل فيه عدة عوامل، أبرزها المحيط الذي نعيش فيه، ولعل أنجع مثال في هذه الحالة هو أن نأخد طفلاً حديث الولادة من عائلة مسلمة ونأخذه ليترعرع في وسط مسيحي فلن يتذكر دينه الأصلي ولا أسرته بل سيصبح منتمياً ومدافعاً عن قيمه الجديدة، فالهوية تتشكل تدريجياً عبر الاحتكاك القصدي وغير القصدي بالمجتمع، أولى خطواتنا، أول حب، أول آلام.. كلها أشياء تنحت شيئاً فشيئاً شخصيتنا وهويتنا.

هذا التعريف الواسع والفضفاض للهوية الذي يحددها بمنطق الجغرافيا والانتماء لمنطقة معينة يمجد للطائفة والعشيرة ويُقصي تلقائياً تقبل الآخر ككيان مختلف عنا؛ فقط لأنه لا ينتمي لنا، فنصبح دائماً في احتكاك مباشر مع “الآخر” فقط لأنه يختلف عنا، متجاهلين أنه ببحث بسيط وسط مكونات وأطراف ذلك “الآخر” سنجد أشخاصاً يشبهوننا أكثر من الأشخاص الذين ينتمون لنفس طرفنا، وهذا التفريق بيننا وبين الآخر ظهر وتبلور كنوع من مقاومة الاستعمار، ولو عدنا في التاريخ لزمن أسلافنا سنجدهم غير متعصبين لمسألة الهوية.

ويُفسر المفكر عبد العروي في كتابه “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” هذه الحالة بكون مجتمعات ما قبل الاستعمار لم تتساءل حول الذات والوجود؛ نظراً لاستمرار التاريخ بلا انقطاع، ومن جهة أخرى غياب “الآخر” الذي كان وجوده يعني بالضرورة مُساءلة الذات والتكوم على الانتماءات، فمنطق تلخيص الهوية بالانتماء الواحد يطفو على السطح حين نحس بأننا في خطر.

لكن لا يمكن النفي أن هويتنا تتكون من عدة انتماءات متمازجة ومترابطة داخلنا، وانتهاك انتماء واحد منها يجعلنا ننتفض بكاملنا وغالباً ما نميل للجهر بالانتماء الذي نعتبره الأكثر مدعاة للافتخار أو في بعض الحالات الأكثر اضطهاداً.

مسألة الهوية موضوع كبير جداً، وأُلف حولها عدة أعمال، وأكيد لن يسعها مقال واحد، لكن مستقبلاً حين يسألكم شخص ما سؤال مَن أنتم؟ وما هويتكم؟ استحضروا القشعريرة التي تطالكم حين تسمعون أغنية وطنية ولونكم المفضل ونمط عيشكم وأكلاتكم المفضلة؛ لأن هويتنا ببساطة أكبر من أن تسعها الوثائق الرسمية.

المقالة من أنت؟.. قصة هويتي التي لم أعرفها ! ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com