ورد الآن
Home » العالم اليوم » التكنولوجيا الحديثة أضاعت إنسانيتهم.. أطباء مصابون بالإجهاد العاطفي وتحولوا إلى موظفي مكاتب

“في بعض الأحيان، يتضح تشخيص المرض فور دخول المريض حجرتي، لأنَّ الجسد -بالإضافة إلى أشياء أخرى- يُعَد كنصٍ مقروء”، هكذا بدأ أبراهام فيرغيز، الطبيب والكاتب الأميركي مقاله على صحيفة The New York Times. هو يتحدث هنا على سبيل المثال عن اليد الباردة والبشرة الجافة الخشنة والصوت الغليظ والوجه المنتفخ ورد الفعل البطيء وتورُّم الرقبة، فكل هذه علاماتٌ واضحة على نقص نشاط الغدة الدرقية، على حد قوله.

ولكن في ذلك اليوم، لم يكن الشخص الجالس أمامه في المكتب مريضاً بل طبيباً شاباً، ومع ذلك، لم تنطفئ فراسته الطبية وشخَّص إصابته بـ “يأسٍ وجودي”.

دعونا لا نُسمِّي ذلك حدساً، فهذا مصطلحٌ غير عصري في عالمنا المتطور الحسابي، وإن كان عدد الأشياء التي يمكن فهمها بالحدس أكثر مما نظن (أو ربما أقل)، لأنَّه تطبيقٌ لاشعوري لحدسٍ مهني يمكنه إعطاء نتائج دقيقة إلى حدٍ مذهل. هذا الطبيب -الذي لن يفصح عن جنسه حفاظاً على سرية هويته ولأنَّ المرض محايد جنسانياً- يحترق يأساً في ما يُفترض أنَّه شهر العسل الخاص بمسيرته المهنية.

هناك مراحل مختلفة لحياة الطبيب

على مرِّ السنين، صار فيرغيز مدركاً مراحل مختلفة في الحياة الطبية، فعلى غرار قصيدة Seven Ages of Man أو “سبع مراحل عمرية للرجل” التي كتبها الأديب الإنكليزي وليام شكسبير، فإن لديهم في كلية الطب نظيراً لـ”الطالب الصغير المتذمر الذي يحمل حقيبته المدرسية بوجهٍ مشرق في الصباح” الذي تحدَّث عنه شكسبير في القصيدة، وأستاذ مساعد ينطبق عليه وصف “الغيور على شرفه والمتحمس العصبي في الجدالات” الوارد في القصيدة أيضاً. ولكن ما رآه في زميله الجالس أمامه هو خيبة الأمل. “لقد أصابته مبكراً جداً، ورأيت منها قدراً كبيراً للغاية”.

بقول “هل يتذكر هذا الطبيب جلوسه أمامي حين كان طالباً مثالياً في السنة الأولى من كلية الطب متحمساً لإصلاح العالم كله؟”، كان ذلك في سنوات الدراسة النظرية التي تعلَّم فيها الطلاب استخدام السمَّاعة الطبية ومنظار العين ومطرقة الأوتار للطرق على الجسد واكتشاف تجاويفه وحدود الرئتين والكبد. وبعد سنوات الدراسة النظرية، تأتي سنتان من الدراسة العملية،

صدمة الطلاب بسبب الحواسيب

هو يرى أنَّ هاتين المرحلتين تنقسمان إلى مرحلة “ما قبل المشاعر السلبية” ومرحلة “الإصابة بالمشاعر السلبية”. فحين يصل الطلاب إلى غرف المستشفيات للعمل بدوامٍ كامل مرتدين معاطفهم البيضاء حاملين أدواتهم المذكورة سلفاً بالإضافة إلى شريط قياس وشوكة رنَّانة ومصباح كهربائي يدوي ومخطط سنيلين لقياس قوة النظر، يشعرون بصدمةٍ حين يرون أنَّ التركيز في الغرف لا يدور حول المرضى، بل حول حواسيب تملأ الغرف التي يقضي فيها الطلاب والأطباء المقيمون والأطباء المُعالِجون معظم أوقاتهم متلاصقي الظهور.

ويجب أن يمر كل حوارٍ بينهم وبين موظفي المستشفى الآخرين وكل أمر وكل طلب مختبري وكل نتيجة مختبرية عبر هذه البوابة الإلكترونية، حتى لو كان الشخص الذي توشك أن ترسل إليه رسالةً عبر الحاسوب جالساً بجوارك.

المريض يتحول إلى رمز حاسوبي

في الوقت الحاضر بالولايات المتحدة، صار المريض المستلقي على سرير المستشفى مجرَّد رمزٍ للمريض الحقيقي الذي لا يجلس على السرير بل في الحاسوب. فهذا الكيان الافتراضي يحوز كل اهتمامنا. إذ لم تعد الجولات التي كان يجريها الطبيب المعالِج قديماً بين أسرَّة المرضى تحدث بهذه الصورة التقليدية، بل صارت غالباً ما تُجرى عبر بطاقاتٍ موجودة على الحواسيب (بدأت هذه الظاهرة منذ الوقت الذي صرنا نكتب فيه تفاصيل المرضى على بطاقات فهرسة).

يجلس الأطباء أمام هذه الحواسيب يناقشون حالات المرضى المختلفة مثل حالة مريضٍ مُصاب بالحُمَّى، أو انخفاض نسبة الصوديوم، أو نتائج غير طبيعية لاختبار وظائف الكبد أو انخفاض الجزء المقذوف (أحد أمراض قصور القلب)، أو مزرعة الدم التي تحتوي على عنقوديات سلبية التخثُّر ما يشير إلى وجود تلوث على الأرجح، أو فحص بالأشعة المقطعية يُشير إلى ورمٍ كظري “يُكتشف مصادفةً” مما يستدعي حالياً إجراء استشارة متعلقة بالغدد الصمَّاء واختبار نسبة الكورتيزول في مصل الدم.

بينما يجلس المريض -مصدر هذه البيانات الحيُّ المتنفس- في هذه الأثناء على سريره متسائلاً: أين الأطباء؟ وماذا يفعلون؟

الأطباء هم الذين سمحوا بهذا

أنهى زميل فيرغيز الشاب الذي كان جالساً أمامه في مكتبه سنوات الدراسة، ثم 3 سنوات من التدريب والإقامة، وقد أصبح الآن مُمارساً طبياً متفرغاً ومدرساً. وينبع اليأس الذي لاحظه عليه من كونه الموظف المكتبي الأعلى أجراً في المستشفى؛ إذ أوضحت دراساتٌ أنَّ مقابل كل ساعةٍ يقضيها الأطباء تراكمياً مع المرضى، يقضون نحو ساعتين على سجلاتهم الطبية الإلكترونية البدائية، ويستهلكون ساعةً أخرى أو ساعتين من الوقت المخصص لأنفسهم. “ولكنَّنا الملومون؛ فنحن من سمحنا بحدوث ذلك لمتدربينا وأنفسنا”، على حد قول فيرغيز.

فكيف سال لعابنا على فكرة السجلات القابلة للبحث، والقدرة على تمثيل اتجاهات الحُمَّى السائدة أو نسب كرات الدم البيضاء بيانياً، أو مشاركة السجلات بضغطة زرٍّ واحدة مع مؤسسةٍ أخرى أو ما يُسمَّى بـ”التشغيل المشترك”، والاستغناء عن أجهزة الفاكس! فإذا كانت كل المستشفيات متصلةً ببعضها، ستكون لدينا قاعدةٌ هائلة من البيانات الضخمة ستمكننا من رصد اتجاهات الأمراض في وقتٍ مبكر جداً وتحديد أفضل الممارسات والتنبؤ بالتعقيدات. لكنَّ ذلك لم يتحقق تماماً حين أُنفقت 35 مليار دولار -ضمن قانون التعافي وإعادة الاستثمار الأميركي الذي صدر عام 2009- على جعل الطب عمليةً حاسوبية بلا أوراق.

هناك قصور في استخدام التقنية الحديثة

بطاقة الصرف الآلي الخاصة بفيرغيز مُذهلة؛ إذ تمكنه من الحصول على الأموال النقدية ومعرفة تفاصيل حسابه البنكي في جميع أنحاء أميركا وخارجها. ولكن على النقيض من ذلك، لا يستطيع عبر هذا النظام الطبي الحاسوبي معرفة سجلات المرضى معرفةً موثوقة من أي مكانٍ في المدينة، ناهيك عن معرفتها من أحد المستشفيات في الولاية نفسها، حتى لو كان المكانان يستخدمان النوع نفسه من السجلات الطبية الإلكترونية، وذلك لأسبابٍ تُفسَّر جزئياً فقط بأنَّ كل مكانٍ له برنامج مُعَد خصيصاً له. وهذا مختلفٌ عن إرسال أحد ملفات برنامج Word القياسية، ومن ثَمَّ، غالباً ما يحصلون على السجلات بالفاكس.

تساعد السجلات الطبية الإلكترونية في الحد من الأخطاء العلاجية؛ فهي تضم مجموعةً كبيرة من المعلومات المختبرية والتصويرية التشخيصية بملاحظاتٍ واضحة دائماً. ولكن حتى أفضل السجلات الطبية الإلكترونية لم تُصمَّم قط بناءً على أي درايةٍ بطقوس الرعاية الطبية أو تجربة المستخدم القائمة على معرفة آراء الأطباء أو الممرضين. ففي ظل هذا النظام الحاسوبي، قد يضطر الطبيب إلى النقر على لوحة المفاتيح نحو 4000 مرة طوال ورديةٍ مدتها 10 ساعات في غرفة طوارئ مزدحمة بالمرضى. وفي أثناء هذه العملية، صارت ملاحظات تغيُّر حالة المرضى اليومية أشبه بوحوشٍ منتفخة بعمليات النسخ واللصق تتسم بعدم الدقة وصعوبة المراجعة.

ولكن في عصر الملاحظات الورقية، كانت الملاحظة المكتوبة يدوياً في بضعة أسطر في نصف صفحة كافيةً لمعرفة رأي الطبيب بدقة. (إذ كان أحد جرَّاحي الأعصاب ممَّن عمل فيرغيز معهم يكتب جملة “المريض على ما يرام” في نصف صفحةٍ بحبرٍ فيروزي ثم يوقِّع أسفل الجملة. وإذا لم يكتب هذه الجملة، كان يعرف أنَّه قلقٌ جداً حيال حالة المريض، وأدرُك أنَّ عليَّ استدعاءه). ولكن الآن، يمكنك ببضع ضغطات على لوحة المفاتيح ملء ملف الملاحظات بجميع التشخيصات والأدوية والتقارير المختبرية وتقارير الأشعة بالإضافة إلى عدد كبير من الاختصارات التي تشير إلى حالاتٍ مرضية معينة لتؤكد أنَّك فحصت المريض بنفسك من شعر رأسه إلى إخمص قدميه، واستخدمت جميع عناصر تاريخه الطبي، وأجريت فحصاً بدنياً منفصلاً عن الفحص الذي أجراه طبيب الاستقبال من شأنه أن يُحرِج حتى أعظم الأطباء على مرِّ التاريخ من غزارة المعلومات الواردة فيه، وكل ذلك قد يجعل فاتورة حساب المريض باهظةً للغاية.

عملية ملء للفراغات

وبسبب ذلك، يعُد الكثير جداً من السجلات الطبية الإلكترونية -لا سيما الفحص البدني الذي تحوِّله إلى رموز- أعجوبةً خيالية، لأننا بصفتنا بشراً نريد ملء جميع المربعات الفارغة في نماذج السجلات. على مرِّ السنين، صادفت مرضى ذوي ساقٍ واحدة “بنبضٍ سليم في كلتا قدميهم”، وآخرين ذوي “قلوبٍ تبدو طبيعية بلا نفخةٍ قلبية ولا خبب قلبي” بصماماتٍ قلبية ميكانيكية ذات أصواتٍ عالية جداً لدرجة أنَّ المرضى المستلقين على الأسرَّة المجاورة كانوا يطلبون سدادات أذن في بعض الأحيان.

يتذكر حين كان يجري إحدى الدراسات، طلب هو وزملاؤه من بعض الأطباء على مستوى الولايات المتحدة سرد قصصٍ عن مرضى تعرَّضوا لعواقب خطرة عند خضوعهم للفحص تحت إشراف هؤلاء الأطباء بسبب أخطائهم مثل تأخّر التشخيص أو التعرُّض للإشعاع أو مصائب علاجية أو جراحية أو حتى الموت. كانت هذه الأخطاء من أنواع الأخطاء التي لا تترك أي أثر في السجلات الطبية الإلكترونية، لأنَّ الفحص المُدرَج في السجلات دائماً ما يبدو كاملاً، ومع ذلك، كانت هذه الأخطاء واضحةً وغير قابلة للنسيان بالنسبة للأطباء الآخرين الذين تولوا رعاية هؤلاء المرضى بعد تعرُّضهم لهذه العواقب.

سرد لنا الأطباء الذين طلبنا منهم التحدُّث أكثر من 200 قصة، فما السبب في هذه الأخطاء كلها؟ نتج معظم هذه الأخطاء بسبب عدم إجراء الفحوصات على النحو المطلوب. إذ شُخِّص بعض المرضى تشخيصاً خاطئاً بإصابتهم بـ”تسمُّم غذائي” بسبب عدم انتباه الأطباء إلى وجود فتق مختنق في منطقة المغبن، بينما أُحيل بعض المرضى خطأً إلى مختبر القسطرة بعد شعورهم بألمٍ في الصدر لأنَّ الأطباء لم يلاحظوا الطفح الجلدي الناتج عن الحزام الناري على المنطقة اليسرى من صدور هؤلاء المرضى.

يساور فيرغيز قلقٌ من أنَّ هذه الأخطاء تقع لأنهم علقوا في غياهب الطب الآلي. لا سيما أنَّ هذا النوع من الأخطاء يمكن الوقاية منه. جديرٌ بالذكر أنَّ نظام الرعاية الصحية في أميركا الذي تبلغ تكلفته 3.4 تريليون دولار مسؤولٌ عن أكثر من ربع مليون حالة وفاة سنوياً بسبب الأخطاء الطبية، أي ما يعادل عدد الوفيات الناتج عن تحطُّم طائرةٍ كبيرة من طراز بوينغ 747 كل يوم على سبيل المثال. ويعود جزءٌ كبير من ذلك إلى سوء تنسيق الرعاية، وسوء التواصل، وعدم الانتباه إلى بعض المرضى، وعدم مشاركة بعض المعرفة وما إلى ذلك، ولكن ثمة جزءٌ من ذلك يعود بالتأكيد إلى الفشل في الاستماع إلى شكاوى المرضى، وتضاؤل مهارة قراءة الأجساد كنصوصٍ مقروءة.

رعاية طبية لا تشعر بها

قبل خمس سنوات، تعرَّض لنوبة ربو مفاجئة في أثناء زيارته إلى مدينة أخرى. وكان الطبيب الموجود في غرفة الطوارئ آنذاك كفئاً، وكان الفحص مناسباً، وكانت الممرضة تأتي إلى غرفته بانتظام، ولكن ليس لزيارته بقدر ما كانت تأتي للاطِّلاع على الشاشة المُعلَّقة على الجدار. كان تدير ظهرها لي في إحدى المرات حين سألتني: “مع كون رقم 10 يشير إلى صعوبة التنفس، كيف ترى حالتك على المؤشر وفقاً لذلك؟”. ثم رأيت ظهرها 3 مراتٍ أخرى قبل مغادرة المستشفى. وصحيحٌ أنَّ زيارته أُدرِجَت في السجلات الطبية الإلكترونية بمقاييس تجاوزت جميع “مؤشرات الجودة” التي تؤثر في مستحقات المستشفى وتقييمه، لكنَّه يرى أنَّ تجربته هناك كانت مقبولة وليست رائعة. “لقد تلقيت الرعاية الطبية لكنَّني لم أشعر بها حقاً”.

وقال له زميلٌ أكبر منه تلقَّى الرعاية في أحد المستشفيات لفترةٍ أطول -وهو شخصٌ قدَّم اكتشافاتٍ علمية وتكنولوجية ساعدت في تغيير الرعاية الطبية في جميع المستشفيات تقريباً- بشيءٍ من الضيق، إنَّ الشخصين الوحيدين اللذين عاملاه بصفته إنساناً في أثناء مكوثه في المستشفى كانا مُساعِدة الممرضة وعاملة النظافة. بينما لم تكن الممرضات يفارقن الحواسيب المتحركة التي كُنَّ يُدخلن عليها البيانات الخاصة به، وهذا ليس خطأً منهن.

لكنَّه تساءل عمَّا كان سيحدث إذا سارت الأمور في اتجاهٍ معاكس؟ وإذا أوضح الحاسوب للممرضة أنَّه إنسانٌ إلى جانب توضيح حالته الصحية؟ وإذا ذكَّر الحاسوب الممرضة بفحص الجرح الجراحي والثقوب الجسدية التي يُحقَن فيها السائل الوريدي نظراً إلى أنَّ اليوم كان هو اليوم السادس بعد الجراحة وأنَّ نسبة كرات الدم البيضاء كانت ترتفع؟ وإذا ذكَّرت شاشة الحاسوب الممرضة بأفراد عائلته وحياته خارج المستشفى واهتماماته الفريدة؟ وإذا منحتها معلوماتٍ عن كيفية تعامله مع معاناته، واقترحت إستراتيجيةً لدعمه؟

بيانات كثيرة بلا اهتمام

على الرغم من جميع الجهود المبذولة في جمع البيانات وإدخالها، تتعرَّض البيانات للتجاهل في كثيرٍ من الأحيان. وقال له أحد أشقائه -وهو أستاذٌ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ينصَبُّ اهتمامه الحالي في الهندسة الطبية الحيوية على “المعلوماتية السريرية”- إنَّه يتعجب من حقيقة احتواء وحدة العناية المركزة على كمٍّ هائل من الشاشات التي أنتجتها شركاتٌ مختلفة والتي تعرض تخطيط كهربائية القلب ومعدل ضربات القلب ومعدل التنفُّس وتشبُّع الأكسجين وضغط الدم ودرجة الحرارة وما إلى ذلك، ومع ذلك، لا تُدمَج أيٌّ من هذه البيانات مع بعضها البعض ولا تُلخَّص وتُجمَع في أي مكانٍ كي يستخدمها الموظفون السريريون.

بينما يدخل الأطباء والممرضات غرف المرضى وينظرون إلى هذه المعلومات لمدة ثوانٍ معدودة وكأنهم يلتقطون صورةً لها في هذه اللحظة. ما تفعله هذه الشاشات على نحوٍ جيد للغاية هو الإنذارات الصوتية بمعدل إنذار كل ثماني دقائق أو أكثر من 180 إنذاراً لكل مريض يومياً. وما أكثر ردود الفعل شيوعاً لدينا على صوت الإنذار؟ نبحث عن زر إسكاته لأنَّ الإنذارات الموجودة بجانب المرضى نادراً ما تُشخِّص خطراً حقيقياً، على عكس الإنذارات الموجودة في قمرة قيادة طائرات البوينغ على سبيل المثال.

تقع التكلفة الأكبر لـ”الطب الرقمي” على كاهل الأطباء أمثال الطبيب المهموم الذي كان جالساً أمام فيرغيز، والذي يُفكِّر بالفعل في التحوُّل إلى رأس المال المُخاطِر أو إقامة شركةٍ ناشئة ليس لأنَّه شغوفاً بذلك، بل لأنَّ ذلك يُمثِّل ملاذاً سينقذه. جديرٌ بالذكر أنَّ بعض التقديرات تشير إلى أنَّ أكثر من 50% من الأطباء في الولايات المتحدة مُصابون لديهم عَرَضٌ واحد على الأقل من أعراض الاحتراق النفسي -أو ما يُعرَف بمتلازمة الإجهاد العاطفي- والتشاؤم وانخفاض الفاعلية في العمل. وهذه النسبة في ازدياد؛ إذ ارتفعت بنسبة 9% من عام 2011 إلى عام 2014 وفقاً لإحدى الدراسات الوطنية. لذا فمن الواضح أنَّها ليست مشكلةً فردية بل نظامية، مشكلةً تكمن في النظام الإلكتروني الذي يستدعي الضغط على لوحة المفاتيح 4000 يومياً.

السجلات الإلكترونية ليست كل المشكلة

بيد أنَّ السجلات الطبية الإلكترونية مجرد جزءٍ من المشكلة؛ فثمة عوامل أخرى تشمل سرعة تناوب المرضى على المستشفيات، وانخفاض الاستقلالية، ودمج أنظمة المستشفيات، وتقدُّم عمر السكان، والتعقيد الطبي المتزايد لحالات المرضى. وحتى لو لم تكن السجلات الطبية الإلكترونية هي السبب الوحيد لمعاناتنا، فصدقوني، لقد أصبحت رمزاً للاحتراق النفسي.

الاحتراق النفسي مُكلِّف. ونظراً إلى أهمية الأمر، عُيِّن تيت شانافيلت -زميلي في جامعة ستانفورد والاختصاصي في أمراض الدم والأورام والمتخصص في شؤون رفاهية الأطباء النفسية- أول مسؤولٍ رئيسي عن الرفاهية النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد. وتشير دراساته إلى أنَّ الاحتراق النفسي هو أحد أبرز عوامل التنبؤ باستنزاف الطبيب من ضغط العمل. يمكن أن تصل التكلفة الإجمالية لتوظيف طبيب واحد إلى نحو 90 ألف دولار، لكنَّ العائدات المفقودة مقابل كل طبيبٍ يترك العمل تتراوح بين 500 ألف دولار ومليون دولار، بل وتبلغ أكثر من ذلك في التخصصات عالية الأجر.

ويولِّد تغيير الأطباء مزيداً من التغيير لأنَّ الأطباء الذين يظلون في المستشفيات بعد رحيل زملائهم يشعرون بمزيدٍ من التوتر فيرحلون كذلك. والأطباء المصابون بالاحتراق النفسي يرتكبون أخطاء طبية، ويمكن أن يكون الاحتراق النفسي مُعدياً، وينتشر إلى أعضاء آخرين في الفريق الطبي.

الأمل في الذكاء الاصطناعي

يراود فيرغيز أملٌ كبير في أن يتمكن الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعلُّم الآلي من تحسين تجربتنا، لا سيما إذا سمحت لنا معالجة اللغات الطبيعية وتقنيات الفيديو بتصوير ما يُقال ويحدث بالفعل في غرفة الفحص. ينبغي أن يُركِّز الطبيب على المريض وأسرته، وإذا كانت هناك شاشةٌ موجودة في الغرف، يجب أن تُلخِّص حالة المريض أو تشارك صوراً معه، وفي نهاية زيارة المريض، تُدوَّن ملاحظات تطوِّر حالة المريض وتُحرَّر فاتورة الحساب. لكنَّ تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستساعدنا فقط إذا فحصناها جميعاً لتحديد العواقب غير المقصودة. ونحن بحاجةٍ إلى تدقيقٍ تنظيمي كافٍ كي لا نواجه كوارث كبرى مثل كارثة شركة ثيرانوس الأميركية التي ادَّعت أنَّها قادرةٌ على إجراء تحاليل مختبرية شاملة من بضع قطراتٍ من الدم فقط. فالتكنولوجيا التي لا تخضع لهذا التدقيق، لا تستحق ثقتنا ولا ينبغي لنا أبداً أن نسمح لها بالاندماج عميقاً في عملنا.

يُعَد البدء ببياناتٍ مُنظَّمة أمراً بالغ الأهمية للتطبيقات الطبية القائمة على الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الآلي. فالطبيعة الفوضوية للبيانات الطبية المُدرَجة في السجلات الطبية الإلكترونية تُصعِّب المهمة. إذ تستقبل هذه الأنظمة فوضى وتُخرِج فوضى، صحيحٌ أنَّها فوضى مُعقَّمة جميلة ملوَّنة، لكنَّها لا تزال فوضى. ولا شك أنَّ التطوُّرات المتعلقة بالتعرُّف على الأنماط والمُطبَّقة على الأشعة السينية والتصوير المقطعي المحوسب وفحص الشبكية ستكون مفيدة جداً للأطباء. ولكن كما هي الحال في أي تحليل مختبري، فما سيوفره الذكاء الاصطناعي في أفضل الأحوال هو توصيةٌ يجب على الطبيب المسؤول عن القرار السريري تحديد كيفية تطبيقها.

يذكر زميله الشاب بأنَّه لا يمكن لأحدٍ غيره تأديه هذا الدور الحاسم؛ فإذا كان علماء البيانات يشتكون من أنَّ “البيانات فوضوية”، فحينئذٍ لا يوجد شيء أكثر فوضويةً من الدخول على مريضٍ ذي حالةٍ متدهورة في غرفة الطوارئ حين تكون المعلومات المتوفرة عن حالته قبل دخول المستشفى غير واضحة، ونحن بحاجةٍ طوال هذا الوقت إلى إجراء تشخيص مؤقت وبدء العلاج ثم اتخاذ قرارات سريعة مع تطوُّر المرض وإعادة تقويمه بمعلوماتٍ إضافية من المريض أو من آخر الأشخاص الذين رأوه قبل دخول المستشفى، وليكونوا على سبيل المثال رجال الإطفاء الذين وجدوا زجاجات الدواء بجانبه، أو أحد أصدقائه أو أحد أفراد أسرته يصل إلى المستشفى فجأة ويذكر أنَّ الطائر الموجود في بيت المريض كان يعطس، أو معلوماتٍ من نتائج التحليل المختبري. لا يقتصر القرار السريري الحقيقي على تناول انهيار سير الدورة الدموية ونتائج التصوير التشخيصي والتحاليل المختبرية، بل يشمل استخدام المهارات البشرية لفهم موقع المريض في مسار الحياة والمرض، وماهية طبيعة أسرة المريض وظروفه الاجتماعية وعدد الأمور المُراد فعلها.

حين يدخل مريضٌ حالته متدهورة غرفة الطوارئ، فإنَّه يدخل مملكةً أخرى، عالماً موازياً، مكاناً وعمليةً مُخيفين يعاملانه كطفلٍ صغير حيث تتمثَّل أمسُّ احتياجات المريض في معرفةٍ علمية معاصرة ورعايةٍ حقيقية على يد إنسانٍ آخر. ويُعبَّر عن هذه الرعاية بالإنصات وعادة الفحص السريري البارع القائمة منذ زمنٍ بعيد والمتمثلة في قراءة الجسد، ويُعبَّر عن هذه الرعاية كذلك باللمس والنظر إلى المكان الذي يؤلم المريض وتحديد موقع المرض للمرضى، ليس على شاشة الحاسوب ولا صورة الأشعة ولا تقرير فحص نسيج الجسد، بل في أجسادهم.

يتذكر في إحدى المرات حين كُنَّا في جولات متابعة المرضى، وانطلقت رائحةٌ كريهة فجأة من أحد المرضى وملأت الهواء، ظلَّ الكل ساكناً حتى قالت ممرضةٌ بسيطة رائعة: “هل شممتم جميعاً رائحة براز؟ دعونا نُصلِح ذلك!”، ثم تقدَّمت خطوةً إلى الأمام وفعلنا مثلها وشمَّرنا عن سواعدنا وتعلمنا من امرأةٍ خبيرة كيفية الاعتناء بشيءٍ -لا يمكن للوحة المفاتيح رعايته ولا يمكن للخوارزميات تطهيره- بأدنى حدٍ ممكن من الضجيج وأقل درجةٍ ممكنة من إحراج المريض. الطب فوضويٌ ومعقد، لأنَّ البشر فوضويون ومعقدون. ولذلك أحبه. وما نتشاطره جميعاً في بيئة العمل -سواءٌ عمال النظافة أو الممرضات أو مساعدات الممرضات أو المُعالجون أو الأطباء- هو الإنسانية. لقد دخلنا مجال الطب للعديد من الأسباب، ولكن يُذهلني عدد الأشخاص الذين دخلوا مجال الطب لأنَّ لديهم رغبةً كبيرة في العمل بمهنٍ طبية ورعاية غيرهم بصدق.

لذا دعونا لا نخجل ممَّا نفعله وما يجب علينا فعله وما يجب السماح لنا بفعله. إذ قال الطبيب الراحل أفيديس دونابيديان والأب الروحي لمقاييس الرعاية الصحية حين كان على مشارف الموت رداً على سؤال أحد محاوريه عن تحويل الرعاية الصحية إلى تجارة: “سر الجودة هو الحب”.

المقالة التكنولوجيا الحديثة أضاعت إنسانيتهم.. أطباء مصابون بالإجهاد العاطفي وتحولوا إلى موظفي مكاتب ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com