ورد الآن
Home » العالم اليوم » هذا ما يريده شباب تونس من حكومتهم

في الأسبوع الماضي، جلست رفقة مجموعة من النشطاء السياسيين الشباب في المرناقية، إحدى ضواحي مدينة تونس عاصمة الجمهورية التونسية، التي تختلط فيها الطبقة الوسطى والطبقة العاملة. وشملت تلك المجموعة أعضاء المجالس المحلية المنتخبين حديثاً، دون سن الـ35 عاماً، الذين فازوا بمقاعد في الانتخابات المحلية التي جرت في 6 مايو/ أيار 2018، وهي أول انتخابات محلية منذ ثورة 2011.

بينما كنت أستمع إلى خططهم وتطلعاتهم، استشعرت مدى تمكنهم ونشاطهم لمواجهة التحديات في مجتمعاتهم المحلية. فقد حددوا القضايا الهامة المشتركة والشائعة في جميع أنحاء البلاد، والتي تشمل: إصلاح الحفر الموجودة في الطرق، وتنظيف أحيائهم، وإصلاح الشؤون التنظيمية والإدارية في السلطات المحلية، وقضايا أخرى كثيرة.

تجربة محبطة

تُعد السنوات السبع الماضية تجربة مُحبطة للغاية للأجيال الشابة في البلاد، بعد الانتفاضات الهائلة التي حدثت بين عامي 2010 و2011، ودفعت الشباب التونسي إلى التظاهر في الشوارع وأشعلت الاحتجاجات بجميع أنحاء المنطقة. كانوا يأملون مجتمعاً أكثر حرية وأكثر ثراءً وأكثر توافقاً اجتماعياً، لكن توقعاتهم تبددت في الوقت الذي تعثّر فيه القادة في تحقيق التغيير وعكس مسار الأنماط التي سادت في العقود السابقة بسرعة كافية.

فقد وصلت نسبة البطالة ضعف المعدل الوطني، بوجود شخص من كل 3 أشخاص تبلغ أعمارهم أقل من 35 عاماً، عاطل عن العمل في تونس. كما أدت الزيادة الحادة في معدلات التضخم، وانخفاض قيمة العملة، والصدمات الخارجية مثل ارتفاع أسعار النفط التي تمتص الإيرادات الحكومية، إلى زيادة إحساسهم بضرورة حدوث التغيير أكثر من أي وقت مضى.

تصل آثار مثل هذه الظروف إلى جميع أنحاء البلاد؛ إذ يمثل الشباب دون سن الخامسة والثلاثين 60 في المائة من السكان، ولم يتغير سوى القليل جداً بالنسبة للكثير من الشباب الذين لديهم احتمال ضئيل في الحصول على عمل من شأنه أن يسمح لهم بمواصلة الحياة، أو تحقيق استقلالهم، أو إنشاء أسرهم.

ولكن للمرة الأولى منذ عام 2011، قد تُحدث الانتخابات المحلية تغييرات جدية؛ إذ استمد الناشطون الشباب الذين فازوا في صناديق الاقتراع ولايتهم من الشعب بجميع أنحاء البلاد، وحصلوا على اعتراف، ليس نتيجة للاحتجاج، أو التظاهر، أو العرقلة، ولكن من خلال الحملات الانتخابية والفوز بتفويض من مجتمعاتهم المحلية لتحقيق التغيير الذي كانوا يتوقون إليه.

ازدهر المجتمع المدني التونسي خلال الفترة الانتقالية على الرغم من جميع التحديات التي يواجهها. وتمكن الشباب من المشاركة السياسية والعمل من أجل المساءلة والشفافية وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. لكن بالنسبة للكثيرين، لم يكن هذا كافياً قط. فقد أرادوا أن يكونوا جزءاً من عملية صنع القرار.

وقد أدى عجزهم عن إيجاد الحيز الذي يُمكنهم من القيام بذلك إلى مستوى عال من الشعور بخيبة الأمل والإحباط من المؤسسة السياسية التونسية. وانعكس هذا في مشاركتهم السياسية: على الرغم من أن البيانات الدقيقة لم تُنشر، فإنه من المسلّم به على نطاق واسع أن نسبة المشاركة بين الشباب في الانتخابات الأخيرة كانت منخفضة.

الرافضون

سنة 2012، في أثناء اجتماع عُقد بتونس مع قادة سياسيين من مجموعة متنوعة من الأحزاب، شعر السياسيون بالقلق إزاء النشطاء الشباب الذين لم يشاركوا في الانتقال السياسي فحسب؛ بل رفضوه أيضاً بشكل فعال. فقد شعر هؤلاء النشطاء بأن ثورتهم قد سُرقت منهم من قبل الجيل الأكبر سناً. ولذلك، أصبحوا يطلقون على أنفسهم لقب “الرافضون”.

وقد طلب منا العديد من السياسيين تسهيل الحوار بين النشطاء والقادة –المُتمثلين في أعضاء الأحزاب والوزراء وأعضاء البرلمان- لإفساح المجال للمشاركة في القضايا المطروحة للنقاش في ذلك الوقت.

في البداية، وكما هو الحال في كثير من الأحيان، كانت مثل هذه الاجتماعات مشوبة بالتوتر، مع شعور بأن المشاركين لا يبدون سوى القليل من الاحترام بعضهم لبعض. وبمرور الوقت، شارك المزيد من القادة الشباب من مختلف الأطياف السياسية –ومن ضمنهم الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني– في الاجتماعات، وحرصوا على المشاركة فيها وتبادل وجهات النظر.

ومع صعوبة اقتحام مضمار السياسة الوطنية، أدرك الشباب أن السياسة المحلية يمكن أن تكون مجالاً مناسباً للتدريب واكتساب خبرة قيّمة. وبعد التأجيل المتكرر، أجريت أول انتخابات محلية منذ الثورة. وفي جميع أنحاء البلاد، فاز المرشحون المستقلون لأول مرة في الانتخابات بنسبة 32 في المائة، مُتقدمين على حركة النهضة التي حصلت على نسبة 28.6 في المائة، وحركة نداء تونس بنسبة 20.8 في المائة.

العديد من أعضاء المجالس المحلية المستقلين هم من الشباب الذين يتمتعون، ولأول مرة منذ عام 2011، بتفويض شعبي للعمل من أجل تحسين أوضاع مجتمعاتهم وتحقيق التغيير الذي لطالما طالبوا به. ومع ذلك، مع الآلاف من المرشحين الجدد، الكثير منهم ما زالوا شباباً ليس لديهم سوى القليل من الخبرة، لن ينجحوا إلا بالدعم.

أخبرني التونسيون في زيارتي الأخيرة، بأن هناك طريقتين يُمكن من خلالهما أن يستجيب المجتمع الدولي فوراً لهذه الاحتياجات:

ترياق قوي

أولاً، يمكن “توأمة” المجالس المحلية مع تلك الموجودة في البلدان الغربية، مما يسمح للمسؤولين المحليين التونسيين المنتخبين حديثاً بفهم كيفية عمل الحكومة المحلية في الأجزاء الأخرى من العالم، ومشاركة أفضل الممارسات وتطوير روابط دائمة يمكن أن تخدم مجتمعاتهم المحلية.

لا تتطلب مثل هذه المبادرات استثمارات مالية ضخمة، فمع وجود الإرادة السياسية والقليل من التنسيق، يُمكن توأمة الحكومات المحلية التونسية في أسرع وقت.

ثانياً، سيستفيد أعضاء المجالس المحلية بجميع أنحاء البلاد من برامج التدريب في شتى التجارب المتعلقة بالحكومة المحلية والإدارة. فقد حان الوقت للاستجابة، مع تعطش أعضاء المجالس المحلية للتعلم ورغبتهم في العمل.

إذا لم تستطع الحكومة المحلية تحقيق إمكاناتها الكاملة ومواجهة التحديات والارتقاء بمجتمعاتهم المحلية، فإنها تخاطر بأن تصبح رمزاً آخر لنظام يخذل ويخيب آمال جيل الشاب. هؤلاء الشباب الذين شاركوا لن يكون لديهم سوى القليل لإظهاره، والقليل من الحجج التي يُمكن الاعتماد عليها لإقناع أقرانهم بالمشاركة. ومن شأن هذه النتيجة أن تغذي عدم الاستقرار في بلد هش وأن تكون مضيعة رهيبة للمواهب.

ومع ذلك، إذا ما استغلت تونس هذه اللحظة بشكل جيد، فإن هذه المجموعة الأولى من المسؤولين الحكوميين المحليين ستُقدم مثالاً للشباب الآخرين في البلاد. وسوف يُظهرون أن المشاركة السياسية تستحق العناء وأن الحكومة المحلية يمكنها أن تعمل في الواقع وتُغير حياة الناس إلى الأفضل. يمكنهم تقديم ترياق قوي للشعور بخيبة الأمل والتهميش والإحباط الذي يواجهه العديد من الشباب بشكل يومي.

هذه التدوينة مترجمة عن موقع Middle East Eye. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

المقالة هذا ما يريده شباب تونس من حكومتهم ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com