Home » العالم اليوم » 80 ألف دولار يدفعها المرشح اللبناني مقابل ظهوره ساعة على التلفزيون.. والناخبون يريدون التغيير لكن قليلين فقط يتوقعونه

يقول يحيى شماس إنَّه يترشَّح في الانتخابات البرلمانية اللبنانية لأنَّ عقوداً من الإهمال والفساد الحكومي تركت منطقته في تلال سهل البقاع شمال شرقي لبنان تعاني بنيةً تحتيةً متداعية وسكانها يرزحون تحت الفقر.

قال شماس، وهو رجل أعمال وعضو سابق بالبرلمان لـ صحيفة The New York Time“ضاق الناس ذرعاً. نأمل أن نتمكَّن من تغيير كل هذه السلوكيات التي لا تقود إلى التنمية إلى سلوكياتٍ تقود للتنمية”.

وهذا شعورٌ شائع، لكنَّ فرص شماس ضئيلة؛ فقد كافح لتأمين قيمة اللوحات الإعلانية والدعاية التلفزيونية، لكن منافسيه الرئيسيين ينتمون إلى أحزاب راسخة، بينها حزب الله، المجموعة اللبنانية المسلحة النافِذة والحزب السياسي الذي يمتلك محطته التلفزيونية الخاصة. وحين يُقيم حزب الله تجمعات في منطقته، يحضرها الآلاف من الموالين له.

سيُدلي الناخبون في مختلف أنحاء لبنان بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية الأحد 6 مايو/أيار للمرة الأولى منذ 9 سنوات، والكثيرون منهم بالفعل ضاقوا ذرعاً.

فأزمات البلاد حسب صحيفة The New York Times كثيرة: فمليون لاجئ سوري يُنهِكون الخدمات العامة؛ والاقتصاد المتداعي يترنَّح على نحوٍ متزايد؛ والقمامة آخذة في التراكم؛ وينتشر الخوف من نشوب حربٍ جديدة بين حزب الله وإسرائيل؛ وأخفقت الطبقة السياسية في العثور على حلول.

لكن رغم فخر البلاد بكونها ديمقراطية عربية نادرة، يتوقع قليلون أن تحقق الانتخابات التي طال انتظارها الكثير لحل مشكلات البلاد المُلِّحة.

قال سامي عطالله، مدير المركز اللبناني للدراسات: “هل سيأتي هذا بحكومة جديدة قادرة على تغيير الأمور؟ لا، لأنَّ لدينا نظاماً قوَّض بنجاحٍ كافة آليات المساءلة. طالما لا تُفعَّل هذه الآليات، لا يمكنني أن أعرف كيف سيكون هؤلاء الساسة قادرين على الوفاء بوعودهم للناس”.

تقاسم طائفي للسلطة

يُمثِّل النظام السياسي اللبناني توافقاً غير عملي قائم على تقاسم طائفي للسلطة. فنصف المقاعد في البرلمان مُخصَّصة للمسيحيين، ونصفها للمسلمين. ومعظم الأحزاب تقوم على أساس طائفي، ومناصروها يتطلَّعون إليها من أجل الحماية والرعاية أكثر من تطلُّعهم إلى السياسات السليمة. وما يزال بعض هذه الأحزاب يخضع لقيادة أمراء الحرب الأهلية أو أبنائهم.

منذ عام 2009، انهارت الحكومة مرتين، وظلَّت البلاد بلا رئيس لأكثر من سنتين لأنَّ الكُتَل لم تتوافق على رئيس.

لم تجرِ انتخاباتٌ برلمانية منذ 2009 لأنَّ البرلمان قرَّر ألا يُجري انتخابات. إذ كان من المُفتَرَض أن يُنهي هذا البرلمان الذي سيرحل بعد هذه الانتخابات ولايته البالغة 4 سنوت عام 2013، لكنَّه قرَّر أنَّ الظروف لم تكن مواتية لإجراء انتخابات، لذا أعاد عملياً انتخاب نفسه مرتين.

منذ انتهت الحرب الأهلية في عام 1990، خضعت مناطق في البلاد أحياناً للاحتلال من جانب سوريا وإسرائيل، ما أبقى البلاد ضعيفةً وسمح للشخصيات التي تتمتع بالقوة بتقاسم الاقتصاد.

امتد هذا الخلل الوظيفي إلى النظام السياسي، ما خلق برلماناً لا يستطيع مساءلة الحكومة، وقضاءً مُسيَّساً، وإعلاماً إمَّا شديد التحزُّب أو للبيع لمن يدفع أكثر، وفق صحيفة The New York Times.

قال عطالله: “كل هذه المؤسسات التي يمكنها الاضطلاع بدورٍ في النظام السياسي جرى استمالتها أو تدميرها، لذا انتهى بك الأمر إلى تمثيلٍ طائفي وعدم خضوع أي أحد للمساءلة”.

وانتهت دراسة حديثة أجريت على البرلمان الماضي إلى أنه لم يكن مواكباً للشواغل الكبرى للمواطنين؛ إذ من بين القوانين التي جرى تمريرها والبالغ عددها 352 بين يونيو/تموز 2009 وأبريل/نيسان 2017، كان 31 قانوناً فقط، 9%، متعلقاً بالصحة والتعليم والمياه والكهرباء.

القانون الجديد بالغ التعقيد

وسيتضمن التصويت الذي سيجرى يوم الأحد أكثر من 500 مرشحاً يتنافسون في 15 مقاطعة على 128 مقعداً. وسيكون هذا التصويت الأول في ظل قانون انتخابي جديد يقول مؤيدوه إنه يقلص التركيز على الطائفية ويسمح بوجودة قاعدة أوسع من المرشحين. غير أن القانون الجديد بالغ التعقيد لدرجة أن معظم الناخبين لا يفهمونه ولا أحد يقدر على التكهن بشكل كامل بالتأثير المحتمل له.

ومن بين أبرز التغييرات في هذه الانتخابات ترشح العشرات من النساء فيها. ولم تترشح في انتخابات عام 2009 سوى 12 امرأة، ولم تفز منهن سوى أربع. والجديد فيها أيضاً هو وجود ائتلاف لمرشحي المجتمع المدني يركز على تحسين الخدمات. ويقول ليه كامبل، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمعهد الديمقراطية الوطنية في واشنطن، والموجود في لبنان ضمن فريق من المراقبين: “لدينا ناخبون جدد، ومرشحون جدد، ونظام خضع لتحسينات بارزة نعتقد أنها ستدخل دماً جديداً إلى النظام”.

ويبدو أنَ السبب الأبرز لإقبال عدد أكبر من النساء على ترشيح أنفسهن في هذه الانتخابات يعود إلى تأسيس عدد من منظمات المجتمع المدني على خلفية أزمة النفايات التي هزت لبنان صيف 2015 حين شهدت البلاد حراكاً شبابياً ومدنياً لافتاً وبرز إثرها عدد كبير من النساء الراغبات بالمشاركة السياسية، حسب تقرير لموقع هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي.

يقول ليه كامبل إنه منذ الانتخابات الأخيرة عام تسعة أعوام، دخل 700 ألف من الشباب في دائرة من يملكون حق التصويت، وربما يتخذون قراراتهم بشأن من سيصوتون له بطريقة تختلف عن آبائهم. غير أنه حذر في مقدار التغيير الذي يتوقعه، حسب صحيفة The New York Times.

وفي هذا السياق يقول: “لم أكن لأقلل من قدرة سماسرة السلطة في لبنان على إيجاد طريقة لاستخدام القانون الجديد لصالحهم”.

ولا تزال المنظومة تحابي الأحزاب الكبيرة وذوي الثروة.

يدفع المرشحون عشرات الآلاف من الدولارات في الساعة لشراء بعض الوقت على الهواء في المحطات التلفزيونية.

وقال بيار الضاهر، المدير التنفيذي لمحطة إل بي سي وان، وهي إحدى أكثر المحطات مشاهدة في لبنان، إن اثنين من المرشحين دفعوا أكثر من 700 ألف دولار للمحطة أثناء الحملات الانتخابية. وينفق معظم المرشحين أقل من 100 ألف دولار.

وسيتبع بعض المصوتين فلسفة “شيطان تعرفه خير من ملاك لا تعرفه” خوفاً من أن تتسبب الوجوه الجديدة على الساحة في فوضى غير منظورة.

شيطان تعرفه خير من ملاك لا تعرفه

تقول سها غادر، التي تعمل مُعلمةً: “جميعنا نأمل في التغيير، وإن كنا لا نتوقع حدوثه. في الواقع إن شاء الله سيتم انتخاب نفس الأشخاص لأنني أخشى بشدة من الوجوه البديلة”، وفق صحيفة The New York Times.

هذا أمرٌ يثير إحباط المرشحين المستقلين مثل شماس، الذي سبق ووصل إلى البرلمان قبل سنوات ثم طرد منه عام 1994 بسبب مزاعم، ينكرها، باتجاره في المخدرات. (وهو يقول إن هذا اتهامٌ فبركه سياسي سوري ذو نفوذ لإخراجه من البرلمان.)

أثناء المقابلة قال إنه اشترى لوحات إعلانات، وأنفق 15 ألف دولار ليظهر لمدة ساعة في إحدى المحطات التلفزيونية ووافق على دفع 25 ألف دولار أخرى للظهور لمدة ساعة في محطة ثانية. ولكن حين رفض الظهور في برنامج صباحي، عرض عليه الظهور في برنامج مسائي بتكلفة أكبر بكثير؛ إذ يكلف الظهور لمدة ساعة في وقت الذروة مع مذيع مشهور 80 ألف دولار، على حد قوله، وهو مبلغٌ لم يقدر على دفعه.

وأثناء المقابلة رن هاتفه المحمول، وكان أحد المصوتين يسأله كم سيدفع مقابل الحصول على الأصوات. فقال له السيد شماس إنه لا يشتري الأصوات وشكره وأغلق الخط.

لم يتضح ما إذا كان المصوت يبحث عمن سيدفع أكثر، أم أن هذا تقليدٌ متبع في لبنان، أم أنه كان يسجل سراً للسيد شماس ليستخدم إجابته لشن هجوم عليه على مواقع التواصل الاجتماعي.

ونعت شماس الطبقة السياسية التي قادت البلاد لوقتٍ طويلٍ بأنها فاسدة وتخدم مصالحها.

وقال: “يحكمون منذ 30 عاماً، حكماً فاسداً لا يقدم أي خدمات. لا وجود للكهرباء والطرق ولا هيكل للاقتصاد. من المسؤول عن ذلك؟”

وهذه وجهة نظر شائعة في أوساط اللبنانيين، لذا تبنت الأحزاب الكبيرة رسالة مشابهة.

يقول علي مقداد المرشح عن حزب الله في دائرة شماس: “الفساد هو أكبر المشكلات التي تواجه البلاد”.

وحين سُئل عما فعله لمكافحة الفساد منذ دخل البرلمان عام 2005، أجاب: “لم أفعل شيئاً”. وألقى باللائمة على الطبيعة الطائفية للسياسة في لبنان والتي جعلت تحقيق تغيير في هذا المجال أمراً صعباً.

غير أن القدرة التي يمتلكها حزبه في تحريك الأمور اتضحت بعد ذلك في حشد انتخابي بالقرب من المقاطعة، شجع فيه حسن نصر الله الأمين العام للحزب الجموع على التصويت عبر مقطع فيديو. وحضر هذه الحشد آلاف من البشر، بالرغم من هبوب عاصفة ثلجية عنيفة أحالت الأرض إلى وحل.

يقول مقداد وفق صحيفة The New York Times إن 640 من عناصر الحزب في المنطقة قُتِلوا أثناء القتال في سوريا ولبنان في السنوات الأخيرة. ويدفع الحزب معاشات شهرية لأسرهم، لذا فمن غير المحتمل أن تصوت هذه الأسر لأي أحد آخر.

وبعد الحشد الانتخابي، وقفت النسوة يلتقطن الصور مع صغيراتهن، وكن جميعاً يرتدين فساتين زفاف بيضاء ويحملن صوراً مؤطرة لآبائهن المقاتلين الذين قضوا في سوريا.

وقالت زينب البازال، إحدى هؤلاء النسوة: “من يرون صور الشهداء الذين ضحوا بحياتهم على جدران بعلبك، ينبغي أن يشعروا بالخزي إذا لم يصوتوا لقائمة حزب الله”.

الانتخابات البرلمانية في لبنان بالأرقام

يستعد لبنان لإجراء انتخابات برلمانية في السادس من أيار/مايو هي الأولى منذ نحو عقد من الزمن، بموجب قانون انتخاب جديد يعتمد صيغة اللوائح المغلقة والنظام النسبي للمرة الأولى.

وسمح القانون الجديد للبنانيين المقيمين في الخارج بالمشاركة في الانتخابات للمرة الأولى شرط أن يكونوا سجلوا أسماءهم مسبقاً لدى البعثات اللبنانية. وانتخب المغتربون على مرحلتين في 27 و29 نيسان/أبريل.

في ما يأتي أبرز الأرقام المتعلقة بالانتخابات:

– 2009: السنة الأخيرة التي شهد فيها لبنان انتخابات برلمانية قبل أن يمدد المجلس الحالي ولايته لثلاث مرات.

– 128: عدد مقاعد البرلمان اللبناني موزعة مناصفة بين المسيحيين والمسلمين

– 4: عدد السيدات في مجلس النواب الحالي

– 15: عدد الدوائر الانتخابية في مختلف المناطق اللبنانية

– 77: عدد اللوائح الانتخابية المغلقة

– 597: عدد المرشحين الى الانتخابات الذين انضووا في لوائح بينهم 86 امرأة في رقم يعد قياسياً مقارنة مع الانتخابات الماضية.

– 3,7 مليون: عدد اللبنانيين الذين يحق لهم الاقتراع في الانتخابات.

– 82900: عدد المغتربين اللبنانيين في 40 دولة ممن سجلوا أسماءهم للاقتراع في الانتخابات، نصفهم يقيمون في أستراليا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا.

– 59: هي النسبة المئوية من اللبنانيين المغتربين الذين شاركوا في الانتخابات.

– 150 مليون ليرة: (100 ألف دولار) المبلغ المحدد لكل مرشح يضاف إليها مبلغ 5 آلاف ليرة (3 دولارات) عن كل ناخب في دائرته ليرة، هو سقف الإنفاق الانتخابي.

– 1,5 مليون دولار: كلفة رزمة دعائية كاملة على قنوات التلفزة اللبنانية.

– 21: العمر الذي يحدده الدستور للمشاركة في الاقتراع.

– 26: عمر المرشحة غولاي الأسعد، المرشحة الأصغر سناً والمتحدرة من منطقة عكار في شمال لبنان.

– 1,65 مليون: عدد الناخبين الذين اقترعوا في العام 2009، أي 51 في المئة من إجمالي الذين كان يحق لهم الانتخاب.

– 17: عدد الوزراء في الحكومة الحالية المرشحين للانتخابات.

المقالة 80 ألف دولار يدفعها المرشح اللبناني مقابل ظهوره ساعة على التلفزيون.. والناخبون يريدون التغيير لكن قليلين فقط يتوقعونه ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com