ورد الآن

الـ”ماسنامه” أو الصداع الذي يؤرق اللاجئين الباحثين عن عمل في ألمانيا.. هذا ما ينصح به خبيران بمجال الاندماج

تبدو نبرة الغضب غالبة على صوت السوري ياسر كوراني، المقيم في مدينة كولونيا الألمانية، وهو يتحدث عن معاناته مع مركز العمل (جوب سنتر) في النزاع القائم بينهما حول إجباره على الالتحاق بدورة يراها عائقاً في سبيل انطلاق مسيرته المهنية بالبلد الجديد الذي وصل إليه.

ودورة “ماسنامه (تدابير)” لتشغيل العاطلين عن العمل، هي دورات تدريبية يخضع لها الألمان واللاجئون على حد سواء، يُفترض أنها تحضِّر العاطلين عن العمل للالتحاق بسوق العمل أو التدريب المهني “أوسبيلدونغ” على يد خبراء.

ويصادف متصفح مجموعات موقع فيسبوك التي يتبادل فيها اللاجئون الآراء حول المضي قدماً في حياتهم الجديدة بألمانيا، منشورات للكثيرين، من أمثال ياسر، يشتكون من خلالها من دورات “ماسنامه”، ويبحثون عن طرق لتفادي الالتزام بدوامها اليومي الممتد ساعات طويلة لفترة تصل عادة لـ6 أشهر، أو التعرض لعقوبات مالية من قِبل مراكز العمل في حال رفضهم الالتحاق بها، عبر خصم جزء من المساعدات.

هل هي ضياع للوقت؟

ياسر، وهو من سكان مدينة حلب، يقول لـ”عربي بوست” إنه حاول بعد انتهائه من دراسة المستوى اللغوي الثالث “B1″ العودة للعمل في مجال السياحة؛ نظراً إلى امتلاكه خبرة سابقة في هذا المجال، مضيفاً أنه خُدع بكلام مركز العمل، الذي وعده بإرساله إلى دورة “ماسنامه” مناسبة لذلك بمركز في كولونيا، وأن انطباعه الأول عن المركز عندما زاره في المرة الأولى كان جيداً، وقيل له إنه سيتم مساعدته لإعداد سيرته الذاتية وتوصيله بشركات ضمن الاختصاص الذي يود العمل فيه، فأخبر الموظفة المسؤولة في المركز بأنه سيوقِّع على عقد الانضمام إلى الدورة مشترطاً أن يترك الدورة في حال عدم التزامهم بالوعود التي قطعوها له.

ويضيف الشاب السوري، الذي قال إنه يعمل بدوام جزئي “ميني جوب” وعمل بسيط آخر مدة 3 ساعات أسبوعياً، أنه ضاق ذرعاً منذ اليوم الأول من الدورة المذكورة؛ إذ قال له الأشخاص الموجودون معه في الدورة، إنه ليس هناك ما يفعله هناك، وإن عليه أن يجلس أمام الكمبيوتر ويبدأ بمشاهدة مسلسل على موقع يوتيوب حتى وقت انتهاء الدوام. ويتحدث ياسر عن مصادفته أشخاصاً كانوا هناك منذ أشهر لا يفعلون أي شيء، أو يأتون ويوقِّعون على أنهم كانوا حاضرين ويغادرون، فقرر عدم الالتزام بالدوام، وتم استدعاؤه من مركز العمل.

إحدى موظفات مركز العمل تفهَّمت معاناته في البداية، وأعفتْه من الالتحاق بتلك الـ”ماسنامه”، إلا أنه بعد أن قدم امتحان المستوى “B1″ في وقت لاحق، وصل إليه طلب حضور جديد من مركز العمل، لتطالبه موظفة أخرى بالالتحاق مجدداً بالـ”ماسنامه” في المركز المذكور آنفاً، ودخل في خلاف معها عندما أكدت له أن المشاركة في الـ”ماسنامه” مفروضة عليه وليست خياراً، فاحتدَّ النقاش بينهما، ليقول لها إنه لن يلتزم بالدورة ولتفعل ما يحلو لها.

ياسر -الذي يُبدي عدم تفهُّمه الإجراءات البيروقراطية والطرق التي يريد مركز العمل أن يسلكها ويريد أن يتصرف ويعمل على النحو الذي يناسبه- مستعد للاستغناء عن مساعدة مركز العمل في دفع إيجار غرفته، ويفضل الاعتماد على ما يجنيه من العمل بدوام جزئي والسكن لدى أصدقائه، على أن يلتحق بالـ”ماسنامه”.

هاجس العقوبات المالية والكآبة

لاجئ سوري مقيم بضواحي مدينة هانوفر الألمانية، تم تخييره في مركز العمل بين العثور على عمل أو دراسة اللغة أو الاشتراك في دورة “ماسنامه”، وقيل له إنه يتوجب عليه المشاركة في الأخيرة التي ستساعده في الاندماج والعثور على عمل، ريثما يحين موعد بدء دورة اللغة التي سجل فيها، في ظل عدم وجود فرص عمل تناسبه أيضاً.

وعن محتوى الدورة التي توجب عليه الدوام فيها قرابة 7 أشهر، وما كانوا يتعلمونه خلالها، قال لـ”عربي بوست”، إنه كان يتوافر فيها 3 أقسام؛ هي: قسم الدهان والرسم، وقسم الطبخ، وقسم الكومبيوتر، مبيناً أنه اختار قسم الكمبيوتر، فاقتصر التعليم هناك على أمور بديهية؛ ككيفية فتح والكتابة على برنامج “وورد”، وذكر أسماء قطع الكمبيوتر بالألمانية، مؤكداً عدم وجود منهاج يتعلمون وفقه، وإنما يتم ملء وقت الدوام اليومي الفارغ بأكمله كيفما اتفق.

ويبين اللاجئ، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن الدوام في الـ”ماسنامه” كان طويلاً يصل لقرابة 7 ساعات، وأنهم كانوا ملزمين بالبقاء هناك طوال هذه الفترة.

وعما استفادوه من خلال الـ”ماسنامه”، قال إنه بالنسبة له، كان تخصيص المركز في فترة من الفترات حصتين أسبوعيتين لتعلّم اللغة وتعليم كيفية تقديم طلب عمل، فيما استفاد آخرون من ترجمة الرسائل الحكومية التي تصل لهم فحسب.

وتحدث عن سيطرة الكآبة والإحباط على المشاركين في الـ”ماسنامه” معه، خاصة المسنين منهم، في ظل إجبارهم على البقاء بالمركز؛ خوفاً من عقوبات مركز العمل المالية.

وأوضح أن إنجاز الأمور المتعلقة بالبحث عن العمل أو كتابة السيرة الذاتية ممكن خلال أسبوع أو أسبوعين، ولا يتطلب قضاء قرابة 6 أشهر في هذه الدورات.

سخرية وعبث

وسبق أن تناولت وسائل الإعلام الألمانية، في إطار ساخر، عدداً من أنماط دورات الـ”ماسنامه” التي تعطي المرء انطباعاً بأنها عبثية غير مرتبطة بتأهيل المشاركين للدخول في سوق العمل.

إذ عرض برنامج “هويته شو” الساخر مطلع شهر أبريل/نيسان 2018، لقطات مقتبسة من تحقيق تلفزيوني يظهر فيه أحد المشرفين عن مركز يوفر دورات “ماسنامة” وهو يقوم بأخذ المشاركين في جولة بالبلدة، وعندما يقترب منه الصحفي ويسأله عن الكيفية التي سيستفيدون منها من هذه الجولات، يزعم المشرف أن هناك أرباب عمل في الجوار ويريدون تقريبهم منهم. وتدافع المسؤولة في مركز العمل عن رحلة التنزه هذه، بالقول إن من مهام الـ”ماسنامه” أيضاً مساعدة المشاركين على التحرك والتغلب على التوتر وقيامهم برحلات استطلاعية.

وأكد اللاجئ السوري، المقيم قرب مدينة هانوفر بولاية ساكسونيا السفلى، لـ”عربي بوست”، أنهم كانوا يؤخذون في جولات مشابهة أيضاً كل يوم جمعة، للتنزه في الحديقة على سبيل المثال.

وأظهرت مَشاهد تلفزيونية، في الأعوام الماضية، بعض المنضمين إلى تلك الدورات وهم يضيِّعون الوقت عبر حبك الصوف مثلاً بالنسبة للسيدات.

وعرضت مُدوِّنة في النسخة الألمانية من “هاف بوست”، 5 تدابير (ماسنامه) لا طائل منها، كالاكتفاء بشرب القهوة و الاسترخاء أو الجلوس حتى ينتهي النهار.

انتقادات حادة

وتجددت الانتقادات للـ”ماسنامه” نهاية شهر مارس/آذار 2018، بعد أن نشرت صحيفة تاغس شبيغل، نتائج دراسة أجراها المكتب الاتحادي لمراجعة الحسابات في ألمانيا لعينة عشوائية مكونة من “617 مقعداً في 35 دورة” من دورات “ماسنامه”، أظهرت أن مراكز العمل (جوب سنتر) توزع عشوائياً، من دون أي خطة، العاطلين عن العمل على هذه الدورات، وفي حالات أخرى دون أن تكون الدورات جزءاً من استراتيجية دمج الشخص المعنيّ في سوق العمل أو التدريب المهني، أو لا يتم تزويد الشخص بمعلومات عن الهدف المرجو من الدورة بشكل كافٍ قبل البدء بها. وتبيَّن للمكتب أن 3 من كل 10 مشاركين في الدورات، كان سبق أن خضعوا لدورة أو عدة دورات مماثلة.

واتهم المكتب الاتحادي لمراجعة الحسابات وكالة العمل بهدر مالي قدره 190 مليون يورو سنوياً، عند إجراء تقدير استقرائي يشمل كل مراكز العمل، جراء الشراء المسبق لعدد كبير من المقاعد في المراكز التي تقدم هذه الأنواع من الدورات؛ وذلك بسبب رغبة مراكز العمل في ضمان تحقيق النجاح بمجال إحصائيات تشغيل العاطلين عن العمل، أي ضمهم إلى الدورات المذكورة في واقع الأمر.

خوف متبادل

وحسبما بيَّنت “تاغس شبيغل” ووسائل إعلام أخرى، فإن الموظفين في مراكز العمل يستفيدون من إرسال العاطلين عن العمل إلى هذه الدورات؛ إذ إن المنضم إليها يخرج من إحصائية العاطلين عن العمل خلال فترة الدورة، ما يوحي -ولو ظاهرياً- بأنهم نجحوا في تشغيلهم، ويمكن للموظفين إلحاق العاطلين عن العمل بهذه الدورات بسرعة؛ لتوافر عدد كبير من المنظمات التي تقدم عروضاً لدورات الـ”ماسنامه”.

إلى جانب إمكانية مكافأة موظفي مراكز العمل بتثبيتهم أو ترقيتهم في الوظيفة عندما تكون أعداد الذين يرسلونهم إلى الدورات وفقاً لما هو متوقع في نهاية العام، لا سيما أن عقود بعض العاملين في مراكز العمل بحد ذاتها محدودة، ويمكن أن يخسروا وظائفهم عند فشلهم في تشغيل عدد معين من العاطلين عن العمل أو إرسالهم إلى مثل هذه الدورات. وكشفت الصحف عن إمكانية حصول رؤساء فرق موظفي مراكز العمل على علاوات في حال ضم نسبة معينة من العاطلين إلى دورات الـ”ماسنامه” هذه أو تشغيلهم.

وعبّرت وكالة العمل عند مواجهتها باتهامات المكتب الاتحادي لمراجعة الحسابات، عن عدم اتفاقها مع تشخيص أداء مراكز العمل “جوب سنتر”، واتهامها بالتوزيع العشوائي دون خطة على دورات “ماسنامه”، دون ذكر السبب.

لا للتعميم

لكن، هل جميع دورات الـ”ماسنامه” التي يُرسل إليها العاطلون عن العمل بذلك السوء، وينبغي للقادمين الجدد من اللاجئين الابتعاد عنها بشتى الوسائل؟

أراس ماريكا، الذي تقدم مؤسسته “اندماج” الموجودة في مدينة كاسل، دورات “ماسنامه” أيضاً، ويعمل مع عدد من مراكز العمل الحكومية أيضاً- يرى أن هناك قرابة 100 نمط من دورات الـ”ماسنامه”، التي تم طرحها منذ تسعينيات القرن الماضي بعد توحيد الألمانتين وقدوم سكان ألمانيا الشرقية السابقة إلى ألمانيا الغربية.

وأقرَّ بأن المشكلة تكمن في تركيز أصحاب بعض المؤسسات التي تقدم هذه الدورات على المال، وفي ضَعف المراقبة، من قِبل مراكز العمل، على سبيل المثال، فيما يجري في هذه الدورات، فيتم تحييد هذه الدورات عن الهدف الذي تم إحداثها لأجله؛ وهو جعلها الخطوة الأولى لدخول سوق العمل.

ودعا ماريكا -على الرغم من وجود نماذج سلبية عن هذه الدورات- إلى عدم التعميم، مستشهداً بنجاح مؤسسته في دمج اللاجئين بسوق العمل، كشأن أحد المتدربين لديه والذي حصل مؤخراً على فرصة تدريب كميكانيكي لدى شركة “BMW” للسيارات، وسيدة من المشاركين في دورة لديه على فرصة تدريب في مجال التجميل.

اختيار الدورة المناسبة

ولم يستبعد محمد الثور، الخبير بمجال الاندماج في العاصمة برلين، إمكانية وجود دورات تشتري مراكزُ العمل مقاعد فيها، ليصبح موظفوها مجبَرين على تعبئتها بالعاطلين عن العمل، دون أن تكون مفيدة لهم بالضرورة.

لذا، نصح عبر “عربي بوست”، العاطلين عن العمل من اللاجئين بالبحث لأنفسهم عن دورة الـ”ماسنامه” المناسبة قبل التحدث مع مراكز العمل، ومطالبة الموظف بإشراكهم فيها، وعندها لا يمتلك الموظف المسؤول إلا أن يوافق، لافتاً إلى أنه في حال عدم بحث المرء لنفسه عن دورة ما، فقد يتم إرساله إلى دورة لا على التعيين.

الأمر الذي اتفق معه فيه الخبير “ماريكا”، مبيناً أنه من الناحية القانونية يتوجب على موظف مركز العمل تقديم قائمة بالمعاهد أو المنظمات التي يتوافر لديها دورات “ماسنامه”، ليستطيع العاطل عن العمل (يُطلق عليه اسم الزبون) اختيار أحدها، وأنه لا ينبغي إجباره على المشاركة في دورة بمعهد بعينه.

أما عن شكاوى البعض عن إجبار العاطلين عن العمل على المشاركة في الـ”ماسنامه”، يقول “ماريكا” إنه يمكن تفادي ذلك بالوسائل القانونية، مؤكداً أنه لا يمكن إجبار أحد على المشاركة، وأنه يمكن تقديم اعتراض على العقوبات المالية أو الاستعانة بمحامٍ متخصص قصْد إزالتها في حال فرْضها عليه. وينصح في حال عدم اقتناع الشخص العاطل عن العمل بأهمية دورة الـ”ماسنامه” بالنسبة له بعدم التوقيع على عقد المشاركة فيها.

المقالة الـ”ماسنامه” أو الصداع الذي يؤرق اللاجئين الباحثين عن عمل في ألمانيا.. هذا ما ينصح به خبيران بمجال الاندماج ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com