ورد الآن

لماذا لا يوجد رقم حقيقي حتى الآن بخصوص القتلى في سوريا؟ لهذه الأسباب تاهت الأعداد في ظل فوضى الحرب

في 7 سنوات، زادت حصيلة القتلى في الحرب الأهلية السورية من أول مجموعة من المتظاهرين قُتلوا برصاص قوات النظام إلى مئات الآلاف من القتلى.

لكن مع استمرار الحرب، وتنامي انتشارها وتعقدها، توقف بشكل أساسي العديد من جماعات المراقبة الدولية عن إحصاء القتلى، بحسب تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية.

حتى الأمم المتحدة، التي كانت تصدر تقارير دورية عن حصيلة القتلى في أثناء السنوات الخمس الأولى من الحرب، نشرت آخر تقديراتها في عام 2016 -اعتمدت جزئياً على بيانات تعود إلى عام 2014- وقالت إنه يستحيل فعلياً التحقق من عدد من قُ

تلوا.

آنذاك، قال مسؤول بالأمم المتحدة إن 400 ألف شخص لقوا حتفهم في الحرب السورية.

لكن كثيراً من كبرى لحظات الحرب حدثت منذ ذلك الحين. في العامين الماضيين، فرض نظام بشار الأسد بمساعدة روسيا حصاراً على المناطق السكنية في حلب، التي كانت فيما مضى أكبر مدينة يالبلد، فضلاً عن عدة مناطق أخرى تسيطر عليها جماعات المعارضة، وسوّت بأحياء بأكملها الأرض. والأسبوع الماضي، قُتل عشرات الأشخاص في هجوم كيماوي على إحدى ضواحي دمشق. وسترسل منظمة حظر استخدام الأسلحة الكيماوية، وهي المجموعة المنوط بها مراقبة الامتثال للحظر المفروض على مثل هذه الذخائر، فريقاً من المحققين إلى سوريا السبت 14 أبريل/نيسان 2018؛ لتحديد ما إذا كانت تلك الذاخر استُخدمت أم لا.

قصفت القوات التي يقودها الأميركيون تنظيم “الدولة الإسلامية” في المساحات الشاسعة يشرق سوريا، في ضربات يُعتقد أنها خلَّفت آلاف القتلى. وواصل العشرات من الجماعات المسلحة، من ضمنهم المقاتلون الذين تدعمهم إيران، الاشتباك، ما خلق كارثة إنسانية يكافح العالم لتحديد حجمها، بحسب الصحيفة الأميركية.

الأعداد مهمة للتاريخ فقط

يقول خبراء للصحيفة الأميركية إن هذه الأعداد مهمة تاريخياً؛ لأنه قد يكون لها تأثير مباشر على السياسة، والمساءلة والشعور العالمي بالإلحاح. وأصبح إرث محرقة اليهود من قِبل النازيين (الهولوكوست) مرتبطاً بصورة معقدة بمشهد 6 ملايين قتيل من اليهود بأوروبا. كما أن حصيلة القتلى الصاعقة في الإبادة الجماعية برواندا؛ إذ قتل مليون من الأقلية التوتسي في 100 يوم، مطبوعة في إطار عملية المصالحة القومية.

يشعر مدافعون بالقلق من أن غياب حصيلة واضحة للقتلى قد يؤدي ببساطة إلى استمرار الصراع على المنوال نفسه إلى ما لا نهاية، دون جهد دولي مركز لإنهائه، بحسب الصحيفة الأميركية.

قالت أنا نولان، مديرة منظمة “حملة سوريا-The Syria Campaign”، وهي جماعة تدافع عن حقوق الإنسان: “نعرف من الصراعات (التي اندلعت) في أرجاء العالم أنه لا يمكننا الوصول إلى سلام مستدام إذا كنا نفتقر إلى المساءلة”، مضيفة: “الأمر الأكثر أهمية لفهمه في هذا الوضع هو من يُقتَلون ومن يقتِلون، ودون تلك المعلومات لا يمكننا توقع أن الأطراف المشاركة في حل الصراع بإمكانها الوصول إلى القرارات الصحيحة”.

في هذه الأثناء، تواصل جماعات مراقبة محلية بذل كل ما لديها من جهد للوصول لأفضل تقديرات.

قال فاضل عبد الغني رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إنه يوجد “عشرات الحوادث يومياً”، الأمر الذي رفع حصيلة القتلى، وإن هناك حاجة للمراقبة؛ حتى يمكن يوم ما اعتقال الجناة المسؤولين عن جرائم الحرب المحتملة.

رغم تحديات الوصول والتحقق، يرى فاضل أن هناك قيمة في التقديرات التي تصدرها جماعته، حتى ولو كان يعرف أنها ليست مثالية، بحسب الصحيفة الأميركية.

وقال: “هذا العمل، الذي نقوم به، نقوم به بصورة أساسية من أجل شعبنا، ومجتمعنا ولأجل التاريخ نفسه؛ لذلك فإننا نسجل تلك التقارير لكي نقول في هذا اليوم، في 2018، قُتل هؤلاء الأشخاص لهذا السبب، وبهذه المنطقة”.

يعتقد أن تلك الإحصاءات ستكون مهمة في ترسيخ العدالة الانتقالية إذا ما حل السلام بموطنه.

وقال: “لا نريد أن نفقد حياة أي شخص”.

أصدر المركز السوري للأبحاث السياسية والاستراتيجية في 2016 آخر إحصاء شامل، قوبِل على نطاق واسع دولياً، والبالغ 470 ألف قتيل. كان يُنظَر إلى الجماعة، التي كان مقرها دمشق حتى ذلك العام، لفترة طويلة، باعتبارها أحد أكثر المصادر المحلية مصداقية؛ لأنها لم تكن موالية للحكومة أو منحازة إلى أي جماعة معارضة، بحسب الصحيفة الأميركية.

الحصول على شهادة الوفاة أصبح معضلة

قال بانوس مومتزيس، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ومنسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية في سوريا، إنه الآن أصبح مجرد الحصول على شهادة وفاة معضلة في سوريا. ويشكل المدنيون الجزء الأكبر من حصيلة القتلى.

قال مومتزيس إنه مع إصدار 18 جهة مسؤولة مختلفة وثائق الوفاة، فضلاً عن نظام بشار الأسد، يخشى العديد من المدنيين أن شهادة وفاة صادرة من “جهة خاطئة” يمكن أن تُعرِّض حياة أقاربهم للخطر، بحسب الصحيفة الأميركية.

وأضاف مومتزيس: “حتى في حالة الموت، يقلقون من أنهم إذا أعلنوا يوماً ما عنه، فإنهم سيتعرضون للمشاكل بسببه”، الأمر الذي يزيد من صعوبة تتبُّع عدد القتلى.

تواصل بعض جماعات المراقبة حتى الآن الإحصاء من على بُعد، لكن أرقامهم تختلف، فهي في أفضل الأحوال تقديرات، ولم تؤكدها جماعات دولية. يعمل هؤلاء المراقبون مع شبكات من المصادر في سوريا ويجمعون التقارير من المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي ومن الأخبار لجمع تقديرات الوفيات.

وقال أبرز هذه الجماعات، وهي المرصد السوري لحقوق الإنسان، الشهر الماضي (مارس/آذار 2018)، إن 511 ألف شخص على الأقل لقوا مصرعهم في الحرب المندلعة منذ مارس/آذار 2011. وتعتمد الكثير من المنظمات هذا العدد باعتباره أفضل تقييمٍ راهن. وقالت الجماعة في مارس/آذار 2018، إنها حدَّدَت أكثر من 350 ألفاً مِمَّن لقوا حتفهم بالاسم، وبقية القتلى كانوا حالاتٍ قُتِلوا، لكن لم يكن من الممكن التعرُّف على أسماء الضحايا، بحسب الصحيفة الأميركية.

ولدى جماعةٍ أخرى، وهي مركز توثيق الانتهاكات، وهو مركزٌ مرتبطٌ بجماعات المعارضة، تقديرٌ أقل بكثير. فقد احتسب المركز 188026 حالة قتلٍ في الصراع من منتصف مارس/آذار 2011 حتى مارس/آذار 2018. لكن المركز لا يحتسب سوى القتلى المدنيين و”يضع اعتباراً كبيراً للتفاصيل قبل إدراج أي اسمٍ بقاعدة البيانات”، كما جاء في بريدٍ إلكتروني أرسلته منى زين الدين، العضوة بالمركز.

وقال عبد الغني، من الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إنه استخدم تكتيكاتٍ مشابهة لتلك التي اتبعها المرصد السوري من أجل تتبُّع حالات القتل، لكن جماعته لم تحتسب إلا المدنيين. وفي أواخر مارس/آذار 2017، قالت الشبكة إن 217764 مدنياً قد قُتِلوا منذ بداية الحرب، بحسب الصحيفة الأميركية.

الانقسامات السياسية والإثنية قد تكون سبباً

وقال عبد الغني إن تعقيد الصراع، وضعف الوصول إلى المناطق التي يندلع بها، والانقسامات الإثنية والسياسية، قد جعلت الاحتساب الدقيق مهمةً شاقة بصورةٍ هائلة.

وقال عبد الغني: “في معظم الأحداث لا نتمكَّن من زيارة الأماكن، وفي سوريا كل يوم لدينا عشرات من الانتهاكات. وكل سنة تأتي بتحدياتها ومصاعبها الخاصة، وحين نتمكَّن من تجاوز أحد التحديات، نصطدم بآخر”، بحسب الصحيفة الأميركية.

تعرَّض أعضاءٌ من جماعته للاعتقال، ويعيش الآن الكثير منهم خارج سوريا. أما التحدي الأكبر الذي يواجهه، فهو اللامبالاة التي يواجهونه بها أولئك الذين على الأرض مع استمرار الصراع الذي طال أمده، بحسب الصحيفة الأميركية.

وقال عبد الغني: “يشعر الناس الآن بأنه لم يعد هناك أملٌ، وأن ما مِن حاجةٍ لكل هذا العمل الحقوقي وهذا التوثيق لأوضاع حقوق الإنسان”. وأضاف: “لأنّ ما مِن أحدٍ يسمع عمَّا يفعلون”.

ويستخدم أغلب الخبراء الدوليين الذين يراقبون الصراع الرقم العام 500 ألف قتيل، لكنهم يدركون أن الظروف المُتغيِّرة وتقييد الوصول إلى مناطق الصراع يجعلان من المستحيل معرفة الرقم بدقة. ويعتقد كثيرون أن الرقم يمكن أن يكون أكبر من ذلك.

وبناءً على هذا التقدير، الذي يضع في حسبانه القتلى المدنيين والمقاتلين على حدٍّ سواء، فإن نحو 2.33% من سُكَّان سوريا قبل الحرب قد قُتِلوا.

وفي بداية الصراع، اعتمد الكثير من الصحفيين والدبلوماسيين على الأعداد الواردة من مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الذي عمل مع شركاءٍ على الأرض لجمع الأرقام. لكن الأمم المتحدة توقَّفَت رسمياً عن العد في عام 2014، بينما كانت الحرب تشتد وتصبح أعقد.

وقال المُتحدِّث باسم المكتب، روبرت كولفيل، في ذلك الوقت: “كان دائماً رقماً صعباً للغاية”. وأضاف: “كان الأمر على المحك دائماً من حيث مدى قدرتنا على ضمان أن المصدر كان دقيقاً”.

وفي مطلع عام 2016، قال مبعوث الأمم المتحدة الخاص لدى سوريا إنه يعتقد أن ما يُقدَّر بـ400 ألف شخص في سوريا لقوا مصرعهم. لكن الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، وصف الأمر بأنه تقديرٌ غير دقيق مبنيٌّ على أرقام سابقة مقترنة بتقارير حديثة عن العنف، بحسب الصحيفة الأميركية.

والآن، تشير معظم الاتصالات مع الأمم المتحدة إلى “مئات الآلاف من القتلى”.

وبينما تتنوَّع الأعداد، توافق الجماعات كافة على أمرين: أن الحكومة السورية مسؤولةٌ عن أغلبية القتلى المدنيين، وأن احتساب القتلى أمرٌ يمثِّل تحدياً.

وقال مومتزيس: “نتحدَّث في الأغلب عن هذه الأرقام، ما إذا كانت 400 ألف أم 500 ألف، لكن الأمر يتعلَّق بالصدمة التي وراء كل رقمٍ منهما”. وأضاف: “لقد أصبح احتساب العدد ميكانيكياً”.

وتابَعَ قائلاً: “إنه حقاً رقمٌ بارد، لكن خلفه تقبع حيوات بشر”.

المقالة لماذا لا يوجد رقم حقيقي حتى الآن بخصوص القتلى في سوريا؟ لهذه الأسباب تاهت الأعداد في ظل فوضى الحرب ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com