Home » العالم اليوم » الاجتهاد لن ينفعك والمذاكرة لن توصلك.. قصتي ومعاناتي مع التعليم المصري

كل شيء في حياتي ارتبط بحصولي على مجموع عالٍ في الثانوية العامة؛ لأجعل والديّ يفخران بي تعويضاً عن كل ما عانوه من أجلي، وتحقيقاً لأمنية جدتي وجدي، رحمة الله عليهما، وحتى أحقق الحلم الذي كنت أتمناه منذ صغري أن أدخل كلية التربية شعبة اللغة الإنكليزية، وهذا لحبي للغة التي كنت متفوقة جداً فيها.

اجتهدت كثيراً، بذلت كل ما في استطاعتي أو أكثر ما أستطيع فعله حتى يتحول الحلم إلى حقيقة ملموسة.

لم أكتفِ فقط بالكتب الدراسية، والملخصات، والكتب التي كنت أحصل عليها من مدرسي الدروس الخصوصية، بل كنت أبحث عن كل معلومة جديدة، في كل مكان.

بحثت في الصفحة التعليمية التي توجد في الصحف الأسبوعية، ومنتديات الثانوية العامة على الإنترنت.

كنت أحاول بث الطمأنينة في نفسي قائلة: “أنا عملت أكتر من اللي عليّا، أكيد ربنا مش هيضيع مجهودي”.

كنت معروفة بين كل من أعرفهم “بالدّحيحة”، أكثر واحدة تقضي وقتها كله في المذاكرة.

جاء ميعاد الامتحانات، وبمراجعة الأسئلة مع المدرسين أقسموا جميعاً أنني لن أقل عن 94% كحد أقصى.

ولكن يوم النتيجة، اللحظة التي تغير عندها كل شيء اللحظة التي ارتطمت أحلامي فيها بعرض الحائط محطمة كل ما كنت أسعى من أجله عندما لم أحصل على المجموع الذي أريده، وكان المجموع فقط هو العقبة الوحيدة أمامي التي تمنعني من دخول الجامعة التي أريدها، والقسم الذي يفصلني عنه خطوة واحدة، لكن لا أستطيع الصعود إليه بسبب مجموعي.

تملكني اليأس لفترة، حزنت كثيراً ورأيت أنها النهاية، رغم فرحة كل من حولي بالمجموع، إلا أنني لم أكن سعيدة لم أشعر بأقل أنواع الرضا حتى.

كان يمكنني أن أتقدم بالتظلم وأعيد تصحيح الأوراق مرة أخرى، لكن هنا في مصر لا أحد يأخذ حقه. لم يظلّ أمامي سوى أن أدخل كلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية، قمت بالتقدم إلى كل الكورسات المطلوبة.

شهر استنزفت فيه كل طاقتي، جاء يوم الامتحان قضيت ساعتين أكتب كل ما يأتي في ذهني، وأحاول تذكر كل شيء قالته لي دكتور القسم، انتهيت من الامتحان وعند يوم ظهور النتيجة قيل لي هكذا بالحرف: “ما نجحتيش، أنا آسفة أني بقولك كده.. بس كل اللي اتقبلوا من مدارس international وAmerican وIG، والأولوية في القسم لهم”.

هنا ازداد كرهي للتعليم المصري، وللجامعة أصبحت كل الأقسام متشابهة في عيني، لا فرق عندي بين دخولي لقسم اللغة الفرنسية أو علم النفس أو الفلسفة أو الجغرافيا.

كتبت في ورقة الرغبات: قسم التاريخ، وأنا أعلم أنني لا أحبه، ولن أستطيع تحمله. أنا شخص يبكي إذا نقص درجة أو اثنان، لكن في تلك اللحظة لم أشعر بشيء، كل شيء تغير فداوم الحال من المُحال.

قضيت عامي الدراسي الأول حزينة، أحلامي محطمة، لا أريد الذهاب لحضور المحاضرات، أو تكوين علاقات تساعدني على تقبل القسم. تحولت من فتاة دحيحة كانت تقضي كل وقتها بين النوم والمذاكرة، لفتاة لا تستطيع الجلوس على الكتاب لمدة نص ساعة.

وعند ظهور نتيجة أول ترم وجدت أنني ناجحة، لكن معي مادتان، تذكرت أنني أحب الكتابة منذ صغري، والقراءة.. أجد نفسي بين الكتب والروايات.. كان لديّ حلم أن يكون هناك كتاب يحمل اسمي في المكتبات، وفي معارض الكُتب في جميع الدول، وأن يقرأ الجميع أفكاري.

بدأت التركيز على ذلك الهدف وأصبحت الشهادة بالنسبة لي ورقة.. لا أعلم إذا كنت سأعمل بها أو لا.. لكن كل ما أعلمه أنني لن أترك اليأس يتملكني.. أجتهد في الدراسة ليس من أجل التخرج وإيجاد عمل بمجال دراستي، لكن من أجل أن أتخلص من ذلك الحمل وأتفرغ من أجل التركيز على ما أريده أنا!

عندما نُشر لي أول موضوع في العام الماضي علمت أن هذا ما أريده، هذا ما أتمناه، هذا هو المكان الذي أنتمي إليه.

في جامعة الإسكندرية كلية الآداب وكلية التربية يفصل بينهما فقط خطوات صغيرة، وكنت أعبر كثيراً من أمام كلية التربية وفي كل مرة أقف أمامها أتذكر ما حدث، وتزداد بداخلي الرغبة في تحقيق أحلامي الأخرى فمن المعروف أن لدى كل شخص شيء يحفزه عندما يتذكره فهناك من يتذكر أن معلمه أخبره أنه فاشل لن ينفع في شيء، فيجتهد ليريه عكس ذلك.

أنا عندما أمر أمام كلية التربية أتذكر أنه فصلني عن دخولها 6 درجات فقط، وفصلني عن دخول القسم الذي أريده نوع المدرسة التي دخلتها؛ فتزاد بداخلي الرغبة في إثبات أن النجاح ليس بالأرقام، ولا بالأوراق.. النجاح فقط بالسعي إلى ما تُريد عندما تكون كل الطُرق أمامك مغلقة في وجهك! بالتجربة علمت ما أريد.. أبحث عما تريد عن هدفك الذي ستستيقظ كل يوم من أجل أن تبدع فيه أكثر.

هناك من تعلمت الخياطة وحدها بدون معلم فقط من الإنترنت وهي الآن تبيع ما تصنعه، وهناك من وضعت أول خطوة في طريق تحقيق أحلامها البعيدة تماماً عن مجال دراستها وافتتحت محل للهدايا، وتحب الكتابة والشعر، وتعمل الآن على كتابة أول عمل لها، هناك من كانت تريد أن تدخل كلية فنون جميلة، لكن المجموع مثلنا جميعاً وقف في طريقها، لكن أحضرت ورقة وقلماً، وأصبحت هي معلم نفسها ترى فيديوهات من على اليوتيوب وتحاول التعلم، هناك من يحب الماركتينغ بحث عن مصادر تعلمه على الإنترنت وأصبح اليوم يعمل في المجال الذي يحبه، هناك من تحب الغناء وانضمت لباند غنائي، وذهبت لتعلم الغناء رغم أنها في جامعة لا وقت فيها لشيء آخر، وهناك من تعلم الغرافيك وحده وأصبح يعمل Freelancer بجانب دراسته.

انتشر بوست على الفيسبوك في سنة 2015 عن عم سيد الذي حصل على الثانوية العامة فقط ولم يكمل تعليمه، ويعمل سائق تاكسي ركبت معه فتاة تدرس في طب الأسنان، تحدث معها في التاريخ وتاريخ الدولة العباسية والأموية، وتحدث معها عن اللغة الإنكليزية وصحح لها بعد المصطلحات التي كانت تخطئ في نطقها، وتحدث معها عن الأدب العربي، وعن microbiology، DNA والحديث كله كان بمصطلحات علمية بحتة لا تعرفها الفتاة رغم أن كلها في مجال دراستها، وتحدث في psychology والسينما.

عم سيد لم يكمل تعليمه بسبب ظروف الحياة لكنه أقسم على أن يعرف كل شيء يدور حوله. اشترك عم سيد في مسابقة كويتية للتاريخ وحصل على المركز الثاني، وبمكافأة الجائزة اشترى “كمبيوتر” والكثير من القواميس في كل اللغات، تعلم اللغة الإنكليزية من خلال ترجمته لخطابات أوباما، وتعلم اليونانية والإيطالية والفرنسية والألمانية بنفس الطريقة كان يسجل ما يسمعه من الرّكاب وفي نهاية اليوم يقرأه ويبحث عن المعلومات، والمفاجأة كان عمره يوم لقائه بالفتاة 73عاماً! ختم حديثه قائلاً: “أنا مش خريج جامعة عين شمس ولا القاهرة.. أنا خريج university of life! لا تترك الأرقام هي التي تتحكم في ميولك واهتماماتك وأحلامك، تمسك بما تُريد، لا تنظر إلى ما حدث، انظر إلى ما بعد ذلك.

حصلت مثلاً على 65% وتحطمت كل أحلامك ماذا بعد؟ ما هي الخطوة التالية؟ هل ستظل تبكي على ما حدث؟ حتى لو بكيت لآخر العُمر لن يتغير شيء.. عليك فقط أن تقف مع نفسك وتفُكر في ماذا تُريد أنت.. أنت فقط وليس أحد آخر.. تخلص من شعار “ابن الدكتور يكون دكتور”، “وابن المهندس يكون مهندس”.. وأنا من سيحدد مسارك وأنت فقط من عليه التنفيذ حقق حلمك أنت فقط واترك أحلام الآخرين للآخرين.

للأسف أكثر من 50% من خريجي الكليات يعملون في مجال غير مجال دراستهم، فأنا أعرف أشخاصاً منهم من يعمل في المقهى وحاصل على ليسانس آداب، ومنهم خريج الحقوق الذي يعمل على تاكسي.

عند التقدم لعمل interview للحصول على فُرصة عمل في شركة، المؤهل مهم، لكن ليس بأهمية المهارات، مدى قدرتك على العمل تحت ضغط، مدى قدرتك على إقناعه بما لديك!

“ابحث داخلك عن الموهبة التي دُفنت تحت ضغوطات الحياة ونسيتها تماماً، اسع لتقويتها حتى تُصبح متمكناً من القيام بها، اركض وراء ما تحلم به حتى لو سلكت طريقاً خارج مجال دراستك. ابحث عن العمل الذي تحبه، ويجعلك تستيقظ كل صباح بشغف لتبدع فيه أكثر. مهاراتك هي التي ستُحدد نجاحك أو فشلك في الحياة العملية، تجنب إضاعة الوقت، ادرس كورسات، تعلم الكمبيوتر، الإنكليزي ثم الإنكليزي ثم الإنكليزي.. اللغة الأولى في مصر والعالم العربي، لكن معظم فرص الشغل بتطلب إنك تبقى متعلم إنكليزي كويس على الأقل تبقى قادر تفهم اللي قدامك، ليس من الضروري أن تكون ممتازاً في التحدث بها لكن على الأقل تستطيع فهم ما يدور عنها في مجال عملك وبالممارسة ستجد نفسك تتحدث بها أولاً.. كل فُرصة عمل تمارسها بجانب دراستك ستساعدك بعد ذلك، شارك في الأعمال التطوعية.. في بداية حياتك العملية لا تبحث عن الشهرة والمال فوراً، كل هذا ستحصل عليه لكن عندما تتوفر الخبرة.. الفهم والشطارة هما فقط من يحددان مستواك لا الشهادة، ولا الألقاب. الثانوية العامة كابوس، ازداد بالخرافات التي ولدنا ووجدناها في كل بيت لازم تبقى دكتور، لازم تبقى مهندس، لازم تبقى غني علشان تعرف تعيش كويس! مع أن الثانوية العامة لا تحدد مستواك وليست مقياساً أبداً خاصة في مصر، الناجح في عمله لربما كان فاشلاً في دراسته.. عقلك، تعبك مجهودك كل هذا يحدد ما تريده.. أنت وحدك من يختار مكانه، الشهادة لا تختار لك.”

المقالة الاجتهاد لن ينفعك والمذاكرة لن توصلك.. قصتي ومعاناتي مع التعليم المصري ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com