ورد الآن

من مهرجانات الشِّعر إلى مباريات الكرة والتقرب لقبائل شيعية.. الرياض تُنوع أسلحتها لاسترداد العراق من النفوذ الإيراني

يبدو أن الصورة تعود تدريجياً إلى ما كانت عليه قبل عقود في جنوب العراق.

خليجيون يحتفلون على ضفاف شط العرب، ويتنزَّهون في شوارع مدينة البصرة العراقية ذات الغالبية الشيعية، بل ويمتلكون فيلات في محيطها ويتزوجون من عراقيات.

كان هذا يوماً ما مشهداً عادياً، ولكن قبل 28 عاماً، وعندما غزا صدام حسين الكويت عام 1990 تغيَّر كل شيء، واليوم هناك من يحاول أن يعيد الخليجيين للعراق، البلد الذي كان الأقربَ لهم جغرافيا، ويركز جهوده على البصرة عاصمة الجنوب العراقي.

فعبر بوابة مختلفة تحاول السعودية دخول العراق، في محاولة لتدارك ما فاتها في هذا البلد العربي المجاور لها، الذي بات ينظر لإيران أنها الدولة ذات النفوذ الأكبر فيه.

وبعد أن ظهر للرياض أن القوى السُّنية في العراق متشرذمة، وأضعف من أن يتم الاعتماد عليها، فإن رهان المملكة تحول إلى إقامة علاقات مع أطراف شيعية ، في تحوُّل عن سياستها التقليدية، قاده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ولكنه يحتاج منه إلى صبر استراتيجي، حسب تعبير صحيفة The Economist البريطانية.

ولكن هل تستطيع الرياض مزاحمة النفوذ الإيراني، وما أدوات القوة السعودية في مواجهة النفوذ الإيراني، الذي ترسَّخ منذ الاحتلال الأميركي للعراق؟

الأدوات السعودية الجديدة: من مهرجانات الشعر إلى مباريات الكرة

السعودية كانت متهمة تقليدياً، من قِبَل النخب الشيعية الحاكمة بالعراق، بدعم الجماعات المسلحة، وبصرف النظر عن صحة هذه الاتهامات من عدمها، فإن من المؤكد أن الرياض بدأت في استخدام أدوات جديدة في محاولتها التقارب مع العراق.

فبعد غياب لعقود طويلة، تضع المملكة اللمسات الأخيرة على قنصليتها في مدينة البصرة بجنوبي العراق (منطقة ذات غالبية شيعية)، حسب ما ذكرته The Economist.

كما لجأت السعودية إلى سلاح بسيط لا تمتلكه إيران، إنها الثقافة واللغة التي تجمع البلدين العربيين.في شهر فبراير/شباط الماضي، شارك عشرات الشعراء السعوديين، في مهرجان المربد بالبصرة، الذي يوحي اسمه العريق بما يربط البلدين من تاريخ، كما يشير إلى ما يفصل إيران عن العراق أيضاً في الوقت ذاته.

الدبلوماسية الناعمة للسعودية، تضمَّنت مباراةً لكرة القدم بين البلدين بالمدينة، في دعم سعودي لرفع الحظر عن الملاعب العراقية.

كما أن الخطوط الجوية بين السعودية والعراق عادت أيضاً للعمل مرة أخرى، حيث وصل عدد الرحلات إلى 140 شهرياً.

السلاح الذي تتفوق فيه الرياض على طهران: كيف تستخدمه؟

ولكن الرياض إضافة إلى هذه الأدوات الناعمة تحاول الاعتماد على السلاح الذي تتميز فيه دوما على إيران.

إنها المصالح الاقتصادية، إذ بدأت شركات سعودية في افتتاح مكاتب لها في بغداد، وبينها شركة “SABIC”، عملاق البتروكيماويات، كما تعهَّد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير خلال مؤتمر إعادة إعمار العراق، بتقديم نحو مليار دولار إلى بغداد كقروض، إلى جانب 500 مليون دولار، من أجل إعادة بناء العراق بعد مرحلة الحرب ضد تنظيم “داعش”.

وجزء من الاهتمام السعودي يتركَّز على البصرة، المدينة ذات الغالبية الشيعية، التي تعد من أغنى مناطق العراق، حيث تضمنت المشاريع السعودية المطروحة إنشاء مصنع للبتروكيماويات بها.

يقول الباحث السياسي العراقي والكاتب بمعهد واشنطن للدراسات، هيثم هادي نعمان، لـ”عربي بوست”، إن الرياض اليوم تفكر بمنطق جديد لا يعتمد الطائفة، بل يعتمد أنواعاً أخرى من التأثير، أبرزها المصالح؛ إذ يمكن للسعودية أن تربح الكثير عبر المصالح الاقتصادية والتجارية. “إعادة إعمار العراق يمكن أن تكون أحد المداخل المناسبة للنفوذ السعودي” على حد قوله.

الدماء القديمة: العشائر العربية سلاح غير مجرَّب

العامل الثاني الذي يمكن أن تستخدمه السعودية، من وجهة نظر نعمان، هو الدور العشائري العربي، الذي يمكن أن يكون فاعلاً في جذب شيعة عرب منتمين لعروبتهم، وأيضاً ساعين لمصالح اقتصادية مع السعودية، خاصة أن السعوديين رجال أعمال ناجحون، حسب تعبيره.

فالرياض تتجه للتقارب مع شخصيات شيعية، لأنه ربما من الأجدى لها التوجه نحو مكون شيعي، بعد الانهيار والتشتت السني والكردي في العراق، خاصة في عام 2017، حسب الباحث العراقي.

هنا يبرز دور شخصية الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، ذي العلاقة المتقلبة مع إيران، الذي يحظى تقليدياً بعلاقات قوية بالعشائر العربية الشيعية في العراق.

والصدر الذي ورث بالصدفة، حسب وصف البعض، زعامة أبيه المرجع الشيعي محمد صادق الصدر بعد اغتياله، يمثل عمقاً عربياً قبل أن يكون جهة تمثل طائفة، وفقاً لهيثم نعمان.

فهو عربي شيعي، والتاريخ يشهد على دور عائلة الصدر في العراق منذ العهد الملكي، حسب وصفه.

وبالفعل فقد أيَّدت بعض العشائر العراقية توجّهات الصدر لتحسين علاقات بلادهم مع دول الخليج، وخاصة زيارتيه الأخيرتين للسعودية والإمارات.

أما الكاتب والمحلل السياسي العراقي باسل الكاظمي فيرى أن مقتدى الصدر لا يلعب لصالح جهة معينة، أو في اتجاه تقارب العراق مع السعودية، بل هو تعبير عن قناعاته من منطلق وطني وعربي؛ إذ إنه صاحب موقف داع لتقارب العراق مع الدول العربية عامة.

ويرى نعمان أن “الصدر سيكون له تأثير كبير في التحولات السياسية العراقية، وفي عودة العراق لعمقه العربي، ولكن هناك مخاطر تواجهه بسبب رفض هذه التحولات إيرانياً” حسب قوله.

الصدر كان له موقف لافت مخالف لمعظم الشخصيات الشيعية؛ إذ سبق أن طالب بتنحي الرئيس السوري بشار الأسد.

الشخصية المحورية: الرجل الذي يرقص مع الإيرانيين والسعوديين

الشخصية المحورية في جهود التقارب السعودي العراقي تظلّ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، فهل ينجح الرجل في التقارب مع السعودية دون إغضاب إيران؟

العبادي لا يرى أي وجاهةٍ في استعداء إيران، بل على العكس، يرى أنَّ وجود علاقات جيدة معها مُتطلَّب ضروري من أجل سلام واستقرار وتنمية بلاده، وكذلك تنمية العلاقات مع السعودية، هكذا يرى إلدار ماميدوف، رئيس بعثة البرلمان الأوروبي عن المشرق العربي وإيران، في مقال نَشَرَه موقع LobeLog الأميركي.

ويرى الكاظمي أن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، يقف على مسافة واحدة من جميع البلدان العربية والإسلامية، سواء كانت إيران أو السعودية، بما يخدم مصالح العراق.

فالعبادي يعمل بكل هدوء، ولا يتعامل بمزاجيات مثل ما حدث في الحكومات السابقة التي مرَّت على العراق، حسب قوله.

أما الحشد الشعبي، فيرى الكاظمي أنه لا يمكن القول إن جهة خارج العراق لها تأثير على الحشد، فهو قوة رسمية تابعة للقوات المسلحة العراقية والبرلمان العراقي، صوت على الحشد في قانون.

ويعتبر أنه غير صحيح ما يقال، بأن قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني يسيطر على فصائل الحشد الشعبي، فالحشد مرتبط بمكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، ولاؤه للعراق فقط، حسب قوله.

ولكن النعمان يرى ما يقوم به العبادي أمراً أكثر تعقيداً، إذ إنه يقوم من وجهة نظره باستغلال التقارب مع الرياض للضغط على إيران، والحصول على مزيد من السيطرة أمام الحشد الشعبي، وقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، بذكاء كبير، حسب تعبيره.

المباراة الفاصلة: الحدث الذي سيحدد مصير مبادرة بن سلمان

الشعب العراقي هو الذي سيُغيّر واقعه، فهو يعرف من يريد استقرار البلاد، ومن يريد إعادة الطائفية، هكذا تطوَّر الرأي العام العراقي من وجهة نظر الكاظمي، الذي يُحمِّل الطبقة السياسية جزءاً كبيراً من الأزمة التي يعيشها العراق؛ إذ يرى أن هذه الطبقة هي التي صنعت الطائفية والعنصرية، مؤكداً أن العراقيين شعب يحب الحياة، ولا إشكال لديه مع الدول العربية والإسلامية.

ويتفق هيثم نعمان مع هذا الرأي، القائل بتزايد الوعي عند الرأي العام العراقي، ولكنه يُحمِّل إيران مسؤولية الأزمة، معتبراً أن العراقيين هم مَن سيُنهون نفوذها، بسبب نظرة الرأي العام السلبية تجاه دورها.

ويتوقع أن تكون الرياض داعمة على الصعيد الدولي للعبادي، لكن الكلمة النهائية ستُحدِّدها عواملُ أخرى، وهي الانتخابات، وهل ستكون نزيهة أم سيتم تزويرها، ودور الحشد الشعبي، والموقف الكردي، والنظرة الأميركية، وموقف تركيا أيضاً.

فالعراقيون هم الرقم الذي سيحدد نتيجة مباراة النفوذ الدائرة، ولكن الأمر متوقف من وجهة نظره على نتيجة الانتخابات البرلمانية القادمة.

المقالة من مهرجانات الشِّعر إلى مباريات الكرة والتقرب لقبائل شيعية.. الرياض تُنوع أسلحتها لاسترداد العراق من النفوذ الإيراني ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com