ورد الآن

هذه قصتي: رأيتُ جثث بناتي وزوجتي ويا ليتني متُ معهم!

اسمي محمد.. والآن أغلق الباب خلفي وأخرج من البيت.. بعد أن قضيت 4 ساعات رفقة زوجتي وأطفالي الثلاثة.. لاعبتهم حتى أُنهكوا وناموا.. رغم أن أصوات القصف قوية للغاية، لم يهدأ منذ شهرين، لكنهم ناموا.. الحمد لله أنهم ناموا.

أسكن في الطابق الأرضي، في عمارة تتألف من أربعة طوابق، غادر معظم سكانها بعد أن تحولت المدينة إلى مسرح للقذائف والصواريخ، أول من رحل كان جارنا في الطابق الرابع، تهدم بيته في السنة الثانية للثورة بعد أن أصابته قذيفة، كانت البيوت العليا الأغلى ثمناً قبل الثورة؛ نظراً لأنها تتمتع غالباً بإطلالة أجمل من البيوت الأرضية، لكنها مع الثورة والحرب تحولت إلى أهداف سهلة للقذائف، القذائف التي ينزل نصفها على الأرض، والنصف الآخر تتلقفه البيوت العليا؛ لذلك غادرها أصحابها سريعاً، إما لجأوا إلى بيوت أخرى أقرب إلى الأرض أو غادروا المدينة بلا رجعة.

ولأن بيتي في الطابق الأرضي، فقد تحوّل إلى ملجأ العائلة، أسكن فيه أنا وزوجتي وطفلاي، وزوجة أخي وطفلاها، وخالتي وبنتها وزوجها وطفلهما، وفي الأعلى جارتنا السبعينية، تجلس عندنا معظم الوقت؛ لأن ليس لها أحد غيرنا في المدينة المحاصرة.

كل هؤلاء في بيتي، ولأكون صريحاً، لم أعد أطيق هذا الوضع، لم ألمس زوجتي منذ شهور، لم أعد أذكر متى نمنا سوياً كأي زوجين في العالم، لو التفت يميناً أجد أطفالاً وعن يساري خالتي وفي الغرفة الأخرى جارتنا.

كيف يمكن لهذه العيشة أن تطاق؟! ألا يكفي قصف النظام وحصاره وجوعنا ومرضنا وجربنا وانقطاع الماء والكهرباء وقلة الحيلة، فوق ذلك كله بيتي الذي صرفت عليه تعب السنين لا أهنأ فيه، مليء عن بكرة أبيه بأناس أكرههم.. نعم أكرههم.

لما فُتح الطريق الأسبوع الماضي نحو الشمال رفضوا جميعاً المضي نحو قدرهم، قالوا إنهم يريدون أن يبقوا هنا ويموتوا هنا.. طيب ما علاقتي أنا؟.. فليناضل كل منهم في بيته! الحقيقة أن معظم الغوطة أصبح على هذا الشكل، نادراً ما تجد عائلة واحدة تعيش في بيت وحدها، كل أربع أو خمس عوائل تتكوم في بيت واحد.

أما الملاجئ، فحدث ولا حرج، عشرون عائلة تنام فوق بعضها البعض، رجال ونساء وأطفال وكبار سن.

البارحة اختلست قبلة من زوجتي، صحيح أنني حصلت على كفّ سريع، لكنني استرقتها منها كما لو أنه حلم طفولي تحقق، ولاعبت أطفالي كما لم يحدث منذ شهور، أحسستهم كبروا أكثر من اللازم، كبروا سريعاً في شهرين، يسألني أطفالي أسئلة صعبة: “بابا ليش عم يقصفونا.. شو عملنا نحن؟” تسألني سالي، طفلتي ذات السنين الأربع، سالي ولدت وكبرت في الحصار، كنت أستخدم هاتفي والإنترنت الشحيح لأقول لها كيف يبدو العالم خارج الغوطة: بابا هاي حلب.. وهاي حمص.. وهاي دمشق.. دمشق التي تبعد هنا مشوار نصف ساعة بالسيارة، لكنها الآن أبعد من أي شيء آخر، تستطيع أن تصل ألمانيا ولكن دمشق بعيدة.. “بوووم”.

قذيفة على شارعنا تقطع حديثي مع سالي، أضمها إليّ وأعصر على أضلاعها بقوة وأبكي، أعذريني يا سالي؛ لأنك هنا.. والله لا أعلم ماذا فعلنا سوى أننا طالبنا بالحرية ومستقبل أجمل لكم، لكنه قرر بالتواطؤ مع صمت العالم أن يقتلنا، لا تفهم سالي ما أقول، تبكي ثم تبكي ثم تبكي، ما زالت سالي تخاف القصف، سالي تعرف أن القصف يأخذ منها أصدقاءها.. ويرفعهم إلى السماء طيوراً من نور.. “بابا طيب ممكن القصف ياخدني لعند نور فوق.. إنت قلت لي إنو هي راحت على مكان أحلى.. أنا بدي روح على هدا المكان الأحلى.. خلي القصف ياخدنا لهنيك.. ونرتاح”.

أضم سالي مرة أخرى، هذه المرة أضمها أكثر، وأبكي أكثر، عندما أحتار في أسئلة سالي أبكي، أحاول أن أكون الأب المثالي الذي يجد الإجابة على كل أسئلتها، لكنني لا أملك قوت يومي من الأمل حتى أعطي سالي مزيداً من الأمل لهذا العالم المنافق، أريدها أن ترحل عنه بسلام، وأريدها بذات الوقت أن تبقى بسلام.. كيف يا الله.. كيف؟

شقيق سالي “آدم” لم يكمل عامه الثاني بعد، يركض بشكل جميل للغاية، ولديه خدان مثل بندورة تفيض حمرة نضجت لتوها، سالي وآدم وأمهما كل ما تبقى لي في هذه الدنيا، أعلم أنني راحل قريباً، نجوت من كل أنواع القصف والرصاص منذ بداية الثورة، لكنني حتماً راحل، لم أحسّ بشيء مشابه منذ مدة، اجتمعنا عند باب البيت وضممت سالي وآدم بقوة، كما لو أني خارج من المنزل دون رجعة، نظر إليّ آدم “بابا جبلي معاك نحّة”، قالها بصوت يجلب السعادة والفرح.

يرقص قلبي كلما تحدّث آدم، يسمي الشوكولاتة “نحّة”.. لا أدري من أين اصطلح هذا الاسم، لكنني وعدته – كذباً ككل مرة- بأني سأجلبها.. من أين آتي له بالشوكولاتة.. الشوكولاتة عملة نادرة في غوطة محاصرة لا تعرف إلا الدم الأحمر والحزن القاتم.

ضممت آدم باليمين، ثم أخذت سالي بالشمال، ثم نظرت إلى “علا”.. كان وجهها يفيض تعباً وحباً وسمرة، غمازتان من العهد القديم ما زالتا تنبضان حباً وحناناً، تلجأ عيناي إليها كلما تعبْت، وتلجأ إليّ كلما تعبَت، علا قليلة الشكوى، قليلة الكلام، قليلة الأكل، قليلة النوم، كثيرة الهدوء، كثيرة الإيمان وكثيرة اليقين بأن لنا قدراً سنعيشه، كثيرة القول: “الحمد لله”.. آآه يا علا.. كم تحملتِ هذا الوجع والقهر والفقر؟ كان بإمكانك الخروج مع أهلك إلى جنوب تركيا، لكنك آثرت أن تبقى مع جنوني وولعي بالغوطة حتى الرمق الأخير.

تحمّلت الرعب والقهر وصبرت على الجوع، اللهم ارزقني من الحياة حتى أكرم علا.. شددتها إليّ وضممتها مع سالي وآدم.. كما لو أني أودعهما.. كان غريباً منّي أن أفعل ذلك.. “بس هلأ بشوفونا الناس.. يعني على أساس طالع وما رح ترجع”.. قالت ذلك علا وسحبت جسدها بعيداً عني.. كانت تتوق لضمة منّي.. لكنه الخجل الذي يأكلها.. “شو بعرفك.. بجوز أطلع وما أرجع” قلتها وأنا أضحك.. وأفلتُّ سالي وآدم فركضا إليها.. “إيه يلاّ توكل.. كل يوم بتقول هيك.. وبترجعلنا… يلاّ بالسلامة.. بحمى الرحمن”.. قالتها علا سريعاً وأغلقت الباب.. فُتح الباب مرة أخرى فالتفت.. “بابا لا تنسى النحّة”.. قالها آدم وركض سريعاً خلف أمه دون أن يغلق الباب.. عدت فأغلقت الباب ومضيت.

أعمل في الدفاع المدني، بكلمات أخرى: أعمل في مكافحة الموت، بيني وبينه ضغينة شديدة، كلما أسرعت أكثر، أنقذت روحاً يحاول الموت أن يخطفها، تسقط قذيفة في الحي الغربي، عليّ أن أصل إلى هناك في دقائق معدودة، أن أحدد الهدف سريعاً، أن أركض إلى البيت وأتحسس الأنفاس، قد يكون هناك قتلى.. جرحى.. أو أحياء يبحثون عن طريق للخروج وسط الغبار الكثيف في الأجواء، لكن الأصعب، هم أولئك المدفونون تحت الأنقاض، هؤلاء يختنقون بصمت، قد يكونون تحت أقدامك تماماً، أو يكونون أعمق من ذلك، عليك أن تتخذ قراراً سريعاً بمحاولة إنقاذهم، أو بالانسحاب من الموقع، فالطائرة قد تعود لتقصف المكان ذاته، هذه استراتيجية اعتدنا عليها في القصف الجوي، يقصف الطيار المرة الأولى، ثم ينتظر حتى يتجمع الناس وكوادر الدفاع المدني لإنقاذ الضحايا، ثم يقصف المكان مرة أخرى ليقتل أكبر عدد ممكن، هل هناك ولدنة حرام أكثر من ذلك؟

كان الوضع هادئاً مقارنة بالأيام السابقة، استعاد النظام السيطرة على كافة مناطق الغوطة عدا دوما؛ حيث أنا الآن.. الجميع هنا إما توجه نحو مناطق سيطرة النظام أو إلى الشمال الخاضع لسيطرة المعارضة، وبقيت دوما تواجه قدرها المحتوم، تقريباً نحن محاصرون من الجهات الخمسة؛ الشمال والجنوب والشرق والغرب والسماء، السماء التي غدرت بنا على حين غفلة، كانت السماء بالنسبة للغوطة الصديق الوفي الذي أغنى أرضها بالخيرات، السماء أعطت الغوطة مطراً جعلها جنة الأرض، باختصار جعلها الغوطة، لكن السماء ذاتها فتحت علينا حمم النار والبراميل والصواريخ والطائرات بأشكالها وأنواعها.

ما إن وصلت إلى المقر الذي أعمل فيه حتى عاد هدير أصوات القذائف، اشتعلت دوما من جديد، الصواريخ تسقط في كل مكان، ونداءات الاستغاثة تصل من كل الحارات، انطلقنا سريعاً تحت تهديد الموت، فكوادر الدفاع المدني الأكثر استهدافاً هذه الأيام، باص يتحرك يعني خيارين لا ثالث لهما، إما أنه باص لفصيل مسلح، أو أنه باص للدفاع المدني ينقل مصابين، وكلاهما خيار يثير شهوة قائد الطائرة المعبأة بالموت والجاهزة لقتلنا، لقتلنا عن بكرة أبينا.

“إسعاف.. دخيلكم سيارة.. لك يا شباب سيارة لهون”، كانت الاستغاثات عبر اللاسلكي لا تتوقف.. ومع كثافة القصف أنت لا تعرف أيهما أهم.. أو أيهما أكثر احتياجاً.. فنزيف من القدم أو اليد لا يستدعي سيارة للنقل.. بإمكانه الصبر حتى يتم إسعاف صاحب الرجل المبتورة أو البطن المشقوق أو الذي خرج لتوه من تحت الأنقاض، ليس الدم وحده معياراً كافياً لحاجة الإنسان للإسعاف، فهناك آلاف المصابين وسيارات بعدد أصابع اليد، عليك أن تقتل إحساسك ثم تقرر من الأولى بالإسعاف!

بعد خمس جولات من الكر والفر بين المستشفى وأماكن القصف، أحسست أن جسمي يخذلني، رميته على حائط المستشفى مثل الميت، مليء بدماء الآخرين وغبار الأتربة وبقايا الإسمنت، ومليء بالأوجاع والحزن والخذلان، مليء بصراخ الأطفال الذين شاهدتهم اليوم، تذكرت سالي وآدم.. أظن أنهم في مأمن، بيتنا الأرضي محمي بعض الشيء، كما أن أي استغاثات لم تصل من حارتنا.

كدت أغفو لولا انفجارات متتالية دوّت خلفي، كانت قوية للغاية، وبعدها بدأ مسلسل جديد من الموت.

أموات في أجساد أحياء.. “ابن الكلب ضرب كيماوي.. ابن الكلب ضرب كيماوي”.. يركض أحدهم ويصرخ.. يستند عليه رجل يصارع الحياة.. يكحّ كما لو أن عاصفة رملية اجتاحت رئتيه، لكن الغاز هو من اجتاح جسمه بأكمله، ركض أحدهم إلى خرطوم ماء، فتحه عليه بأقوى ما يمكن، كان يرشه، في كل منطقة من جسده الأصفر، والشاب يصارع، تحركت قدماه ويداه في كل الاتجاهات، ثم بدأ زبد أبيض يتكوم على فمه.. “لا لا.. لا تموت.. لا تموت” ركض أحدهم إليه، عرفت لاحقاً أنه أخوه، أخذ خرطوم المياه.. وضع إصبعه على أوله ليجعل الماء أرفع وأقوى.. ورشه بقوة أكبر، وهو يصرخ “يا الله.. يا الله”، لكن قدر الشاب كان أسرع، لفظ نفسه الأخير، فسقطت أطرافه على الأرض، ونام إلى الأبد.

مع موت الشاب الأول.. تأكد للجميع أن سلاحاً كيميائياً قُصفت به دوما قبل قليل، وأن الموت انتشر في الهواء، في كل مكان، وبدأت أفواج المختنقين تصل إلى المشفى، زمراً زمراً، كلهم تظهر عليهم ذات الأعراض، اختناق وضيق في التنفس، توسع العينين كمن رأى ملك الموت ذاته، ورجفة في الجسم كأن تياراً كهربائياً مسّه.. ورعب.. الموت الذي يأتيك بالصاروخ أنت تعرفه، لكن الموت الذي يأتيك مع الهواء النقي تجهله.. فتخافه.

ضجّ المستشفى بكل الحالات، أصبح أهالي المرضى هم المسعفين والأطباء، يعرفون الوصفات جيداً، رش الجسم بالماء، رشة بخاخ في الفم، ثم تركيب قناع الأكسجين لتجديد الهواء في الجسم، ومن يظهر عليه الزبد فقد وصل إلى نقطة اللاعودة.

يا وجع الناس.. يا وجعك أن ترى طفلك يختنق أمامك، وأنت تقفز في مكانك تحاول فعل المستحيل لتعيد الأكسجين إليه، تود لو أنك تقتلع رئتيك وتركبهما له، تود لو تركض به إلى أقصى الأرض ليعود إليه نفسه، يا وجع قهر الرجال أمام أمه الممددة أمامه، اجتاح الكيماوي جسدها بينما كانت بانتظار عودته، نهشها نهشاً قبل أن يفتك بها وترخي جسدها له، في تلك اللحظة كنت أقول: “نيال اللي ماتوا كلن مع بعض.. العيلة كلها سوا.. ما حدا رح يزعل على حدا”.

وأنا أمضي خارج المستشفى للعودة في جولة أخرى.. أخبرني زميلي أن كل نداءات الاستغاثة تمت تلبيتها، هدأ اللاسلكي قليلاً، أحسست بشوق غريب لآدم وسالي، مع أني لم أتركهما إلا منذ ساعات، مرت سريعة بين موت الكيماوي الذي اجتاح دوما.. “أنا رايح أرتاح شوي.. لو صار شي قلي”.. قلت لزميلي تلك الكلمات ومضيت إلى البيت، كنت أمشي في الشوارع المهدمة أهذي وأبكي، أبكي على ما أصابنا وكيف وصلنا إلى هذه الحالة، نحن المضرجون بالألم حتى أخمُصنا ونكابر.. نحن الذين امتلأنا بالحزن حتى فاض، ونحن الذين أكلنا الموت سبع سنوات، وما زلنا نلعب معه الغميضة، ننجح في الاختباء حيناً منه، ونفشل مرات عديدة.

يا أيها الموت خذ منا من شئت.. خذنا دفعة واحدة أو أفراداً، خذنا أشلاء بصاروخ أو خذ منا عضواً مبتوراً بشظايا برميل، أو خذنا بكيماوي أو سلاح محرم دولياً، لكن أخبرنا قبل أن تأخذنا عن السبب، ما الذي يجعلك تفتك بطفل لم يعرف من الدنيا إلا ثلاث سنوات قضاها كلها في الحصار، أو امرأة مسكينة أو شاب في مقتبل العمر، أخبرهم عن السبب قبل أن تقبضهم.

كان الهدوء يخيّم على حارتنا على غير العادة، حتى في أحلك أوقات القصف كان لا بد أن أرى أبو أحمد جارنا في طرف الشارع يجلس أمام بيته، يضع كرسياً قديماً على طرف باب العمارة -نصف المهدمة- يدخن ما تيّسر له.. وينظر.

مررت من أمام الباب لكنني لم ألحظه، تقدمت قليلاً فوجدت قدماً ممدودة إلى الخارج، انقبض قلبي ودبّ الرعب فيّ.. وضعت الخوذة على رأسي وأشعلت الضوء المتصل بها وتقدمت.. ثم شهقت، كان أبو أحمد ممداً على الأرض.. أطرافه الأربعة كما لو أنها حاولت الهروب.. والزبد الأبيض غطى وجهه تماماً.. تحسست نبضه بأمل بسيط، فلم أسمع إلا صدى الموت الذي شبع من جسمه، ألم أقل لك يا أيها الموت خذ منا ما تشاء، لكن أخبرنا ما الذي فعله أبو أحمد؟!

امتلأت عيناي بالدموع، تقدمت لأتفقد عائلة أبو أحمد، طرقت الباب أملاً في أن يسمعني أحد.. “في حدا هون.. يا عالم.. يا ناس”.. أصرخ بصوت عال وأتقدم.. لم أجد أحداً في الصالة ولا المطبخ.. فرحت.. قلت ربما خرجوا قبل الفاجعة بقليل.. عدت إلى المدخل.. وهناك وجدت درجاً ينزل إلى الأسفل، إلى طوابق تحت الأرض، تذكرت أن عمارة أبو أحمد تضم قبواً يلجأ إليه الناس في ساعات شدة القصف، جمعت ما تبقى من شجاعتي ونزلت.. “يا كلن عايشين.. يا كلن ميتين”.. أكلم نفسي وأبكي.. سأبكي لو كانوا على قيد الحياة.. وسأبكي لو كان الكيماوي قد خطفهم.. لما وصلت كان الصمت الكامل هو سيد الموقف، ثم انتحبت بالبكاء، القبو بأكمله عبارة عن مقبرة جماعية، اجتاحها الكيماوي مرة واحدة، حاول الأقرب إلى الدرج أن يهرب لكنه سقط مكانه، أم تلُف طفلها، شاب يمسك يد زوجته، ربما كان يحاول أن يساعدها لكنه مات فوقها، بنت صغيرة متشبثة بأخيها الصغير، الزبد الأبيض يغطي وجوههم جميعاً، أكثر من ثلاثين جثة فوق بعضها، هربت من موت القصف في الأعلى، لكن موت الكيماوي باغتهم في الأسفل، وقتلهم جميعاً.

هرعت إلى الأعلى.. “لك في هون عائلات بأكملها ميتة.. يا إسعـــاف.. يا نــــاس.. يا شبــــاب”.. أصرخ على اللاسلكي مثل المجنون، وأبكي، أبكي كطفل وأشهق: يا الله.. ما الذي فعله هؤلاء؟.. ومع كلمة هؤلاء تذكرت أطفالي وزوجتي، والخلق الذين أكرههم لكنهم ضيوف عندي في البيت، لا يبعد بيت أبو أحمد عن بيتي إلا أمتاراً قليلة، هل فرّق الكيماوي بينهم وبين عائلتي؟ لا.. لا يمكن.. بكيت أكثر وركضت.

فتحت الباب بهدوء ودخلت، أتقدم بجسدي خطوة ويعود قلبي خطوات، أمسك أنفاسي وأحمل رأسي الذي يكاد أن يسقط من بين كتفي، أفكر أن أعود لآتي بشوكولاتة لآدم، صحيح أنني كذبت عليه مرات عديدة، لكنني صدقاً صدقاً أود أن أعود لأجلب له شوكولاتة.. لماذا أفكر بهذه الطريقة؟ آدم هناك ينتظرني في الداخل.. أنا متأكد.. سوف يركض إليّ كما يفعل كل مرة، أمشي ببطء داخل المنزل، الأكيد أنهم ليسوا في الصالة، في أوقات القصف الكثيف نهرب من الجلوس في الصالة خوفاً من الزجاج والشظايا، المكان -الذي نظنه- أكثر أمناً في البيت هو الممر الذي يجمع المطبخ والحمام والغرف، ممر صغير بعرض متر وطول مترين، نتكوّم فيه كقن دجاج، أكتافنا إلى بعض ورؤوسنا إلى الأرض، نتشهد وندعو ونصلي ونكبّر، أفكر في كل المرات التي جلست فيها في ذلك الممر، وأدعو الله أن لا أجدهم في الممر.. لكنني وجدتهم!

تجلس علا متربعة، ظهرها إلى الحائط، ورأسها يميل على كتفها الأيمن، نائمة.. أقول لكم إنها نائمة.. يا حرام.. لقد تعبت من شدة التعب والرعب، فنامت.. لكن آدم وسالي كذلك نائمان؟ لماذا ينامان على بطنهما في حضن أمهما بطريقة غريبة.. تقدمت إليهما.. ورفعت آدم أولاً.. “بابا آدم”.. لما نظرت إليه كانت عيناه بيضاوين تماماً.. وفمه مليئاً بالزبد “آآآآآآآدم”.. أصرخ.. أصرخ.. رفعت سالي.. فمها أبيض.. وعيناها تحدقان إلى السماء.. وجسمها متعرق للغاية.. وضيوفي تكوّموا فوق بعضهم.. وزوّار آخرون.. بالممر الصغير والحمام وباب المطبخ.. المكان مليء بالجثث المتكومة التي غزاها الكيماوي.. جارتنا السبعينية انتظرت 70 سنة لتموت بالكيماوي؟ نهش السرطان جسدها عشر سنوات ولم يقدر عليها.. تعالجت بالكيماوي أربع مرات.. وفي كل مرة تنجو بقدرة الإله ورباطة جأش عجيبة، ثم يأتي كيماوي الأسد فيجتاح جسدها مرة واحدة.. أظنها لو قامت لضحكت من سخرية القدر.. ثم عادت لتتمدد كما هي إلى يوم القيامة.

أحاول التحايل على الموقف “آدم.. فيق كرمال الله.. لا تنام هون بتبرد.. قوم لجبلك الشوكولاتة اللي بدك إياها.. قوم والله لجبلك الشوكولاتة يا بابا”.. أصرخ أكثر.. “سالي.. يا قلب بابا إنت.. يا روح البابا..”.. هل تعذبتم؟ كيف كانت ميتتكم؟ أتخيل أنكم سمعتم القصف القريب.. بوووم.. “قصف قصف.. على الممر”.. أظنها علا صرخت.. تجمع الكل في الممر.. “لك ما بقى يشبع هالابن الحرام”.. قالت جارتنا السبعينية وهي تمسك مسبحتها الخشبية.. “حدا عم يشم ريحة غريبة؟”.. أظن أن علا أول من اشتم الرائحة.. حبيبتي علا.. صاحبة النفس الرفيع والطبخ البديع.. سيدة البيت وإلهة الطبخ.. جنتي التي كنت آوي إليها في المساء.. القلب الذي أحببت.. والطمأنينة كلها.. يا علا.. يا أجمل من في الدنيا قومي وضميني.. قومي يا سيدة نساء الأرض والعالمين.. لا تتركيني في هذا الظلام الذي لا ينتهي.. سأخرج.. والله سأخرج.. ألم يكن هذا طلبك الدائم الذي لا تقولين.. ليفتح الطريق الآن وسأخرج إلى جنوب تركيا.. لتري أهلك وتتخلصي من هذا العذاب الدائم.. ولتذهب الغوطة إلى الجحيم.. أهناك أصلاً جحيم أكثر من هذا الذي فيه الغوطة؟ قومي يا علا.. أشتهي صينية لحمة بالفرن من تحت دياتك.. صحيح أننا لم نأكل لحمة منذ شهور.. ولكنني والله أشتهيها.. وأعرف أنك تحبينها مثلي وتشتهنيها.. قومي كرمال الله.

هل تعذبت أنت كذلك عند خروج روحك؟.. أظنك شممت الرائحة.. ثم أقعدك الكيماوي عن القيام.. ضممت سالي وآدم إليك.. ضممتهم لما عرفت أنها النهاية.. وددت السفر إلى الأعلى معهم.. لتكون رحلتنا الأخيرة إلى السماء، ثم تذكرت أيامنا.. تذكرت أيامنا الجميلة رغم كل ما فيها من قهر وعذاب.. الأكيد أنك تذكرت قبلتنا الأولى.. وضحكتنا الأولى.. ولمستنا الأولى.. كم شهقت وأنت تبحثين عن الهواء؟ والدمع الذي على عينيك.. بكيته من الألم أم من منظر أطفالك وحدقاتهم تتوسع أمام عينيك؟

آدم يتشبث بك.. الزبد الأبيض يغطي فمه الصغير، ينزف زبداً رويداً رويداً، مع أنفاسه الصعبة التي لا تشفي حاجته من الأكسجين، ترتجف رئتاه سريعاً دون سبيل للمزيد من الهواء، الكيماوي تسلل إلى جسده بعد أن قصفه – ابن الحرام- بعد ثوان بدأ جسمه بالهدوء،. إنه على وشك أن يغادر رغم حداثة سنه، على وشك أن يبصق آخر ما عنده من زبد على هذا العالم.. ويرحل.. ثم رحل.. رحل آدم.. وتبعته سالي، ثم أنت كنت الأخيرة.. نظرت إلى البيت وودعته، ثم رحلت إلى الأبد.

يا ليتني أنا الذي رحلت.. ليتني كنت معكم.. يا ليتني .. يا رب الوجع ورب الغوطة.. اسمي محمد.. ويا ليتني أنا الذي استنشقت كل كيماوي دوما.

مدونات الجزيرة

المقالة هذه قصتي: رأيتُ جثث بناتي وزوجتي ويا ليتني متُ معهم! ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com