ورد الآن

عندما يُضرب المعلمون في بلاد الإنكليز!

عندما انتقلت للدراسة في لندن، وبعد انتهاء الفصل الأول، قرر اتحاد الجامعات والكليات الإضراب! سبحان اسمك يا رب! مديرة البرنامج أخبرتنا أنها تعمل في الجامعة منذ خمس سنوات ولم تجرب قط موضوع إضراب الأكاديميين هذا! زميلاتي الصينيات وبعض الآسيويين نزل هذا الخبر بمثابة الصاعقة عليهم!

أولاً: هم لم يختبروا موضوع الإضراب من قبل! ثانياً: طلاب الجنسيات الأجنبية (غير البريطانية والأوروبية) يدفعون أقساطاً باهظة للجامعة، فمن غير المنطقي أن يخسروا أياماً من التعليم بسبب هذا الإضراب.

أما أنا فهذه المرة لديّ امتيازات، كيف لا ونحن في فلسطين تكاد لا تمر سنة بدون إضراب المعلمين أو إضراب دكاترة الجامعات أو حتى إضراب التكاسي؛ لذلك أنا لديّ مناعة جيدة للأمر!

كل جنسية هنا اهتمت بجانب من الإضراب، كلّ يغني على ليلاه.

بعض الطلاب استغربوا من فكرة الإضراب أصلاً، وكيف أنه يضر بمصالح أناس آخرين، وكيف أن المضربين لا يخافون من هؤلاء الناس، تقول لي إحداهن: ربما لأن هذا البلد ديمقراطي لا يخاف المضربون من العواقب! وكانت مستغربة جداً عندما عرفت أن هناك شيئاً في العالم اسمه إضراب سائقي الباصات!

تعجبت جداً من الحرية التي يتمتع بها المضربون بإخبارنا أنهم سيضربون في وقت المحاضرات، أما أنا فقد كنت مستغربة من أمر آخر صراحة؛ التواصل واحترام الطلاب وإطلاعهم على كل حيثيات الأمر!

الحلقة الأولى

قبل موعد الإضراب بشهر بدأت الشائعات والأخبار أن هناك إضراباً، ولكن لم يكن هناك شيء مؤكد، ما هي إلا أيام حتى وصلتنا رسالة مهمة من رجل مهم من الـVice-President (Education) Professor، نائب رئيس التعليم في الجامعة، يقول فيها: إنه سيكون هناك إضراب من قِبل بعض الكادر التعليمي، ولكنه لا يعرف من الذي سيشارك في الإضراب بالضبط؛ لأن ذلك حرية شخصية لهم، ومن حقهم أن لا يذكروا إذا سيشاركون في الإضراب أم لا.

حكى لنا أيضاً أن الإضراب يشمل عدداً كبيراً من جامعات بريطانيا، وأنهم يحاولون حل المشكلة حتى لا تتعطل محاضراتنا، ولكن ليس عنده معلومات إضافية، وفي حالة حصوله على معلومات جديدة سيطلعنا عليها، كما أعطانا روابط عن سبب المشكلة وسبب الإضراب من الأساس وجهودهم لحل الأزمة.

الحلقة الثانية

بروفيسور آخر من الاتحاد المضرب بعد يومين أرسل لنا بريداً إلكترونياً، يرد على ادعاءات البريد الأول ويوضح وجهة نظر الكادر المضرب وسبب الموضوع -طبعاً السبب تقليص براتب التقاعد أو شيء من هذا من 20 إلى 40 في المائة- المهم وضح لنا فيه كم هم حريصون على العملية التعليمية، ووهبوا أنفسهم للأبحاث والتعليم، وإلا كانوا عملوا بقطاع الصناعة وراتبهم فيها سيكون أعلى بكثير من راتبهم الحالي، ولكنهم عندهم رسالة سامية!

ولكن الاعتداء على راتب التقاعد سيجعل حياتهم أصعب، وطلب منا كطلاب نستخدم مهارات التحليل المنطقي والتفكير السليم، ولا نستقبل أي معلومة على أنها حقيقة، ولا بد أن نبحث ونختار الصف الذي نريد أن نكون فيه.

بعد فترة غير قليلة، وصل لنا بريد من مجلس اتحاد الطلبة، كان توعوياً للغاية، وفيه روابط من أماكن كثيرة رسمية توضح لنا فيه سبب المشكلة، وعرض وجهة نظر جميع الأطراف، وفي الآخِر الاتحاد يقف مع الكادر المضرب ومع مطالبهم العادلة.

تستمر الحلقات.. ويصلنا بريد من ممثلة الطلاب في كُليتنا، والجميل بهذا البريد فيه حقوقنا كطلاب في حال صار الإضراب، وأهمها نحن لسنا مطالبين بدراسة أي مادة لم يتم شرحها ولا تدريسها لغيرنا، ولسنا مطالبين بالمواد التي لن نأخذها خلال فترة الإضراب، لا هذا العام ولا العام الذي يليه، في حال كان في مواد تعتمد عليها، كما قاموا بإنشاء مجموعة على الفيسبوك، إذا كان هناك شخص لديه سؤال عن المادة التي أخذها، وبسبب الإضراب لم يقدر الدكتور أن يرد عليه، في هذه الحالة يرد عليه الطلاب الأكبر منه تعليم الـpeer to peer.

الحلقة قبل الأخيرة

الدكاترة المضربون أرسلوا لنا بريداً إلكترونياً وأخبرونا عن الأيام التي سيضربون فيها، وأنهم لن يردوا على أسئلة الطلاب، ولن يحضروا المحاضرات، كما كان عدد من الدكاترة لم يشاركوا في الإضراب.

وهناك طلاب بدأوا حملة على مواقع التواصل الاجتماعي يطالبون فيها بتعويض مادي عن الإضراب، وحسبوها بالورقة والقلم.

الحلقة الأخيرة

يوم الإضراب ذهبت إلى الجامعة وتفاجأت أن الدكاترة المضربين موجودون، وكل منهم يقف أمام كليته يحمل لافتة وورقة يجمعون فيها توقيعات من الطلاب ليدعموهم.

الدكاترة فعلاً واقفون يحتجون مع لافتات وشعارات بالبرد القارس، ويأتي عدد من الطلاب غير مقتنعين بفكرة الإضراب ويقفون ويتناقشون مع الدكاترة ويتجادلون حول نجاعة الإضراب أو لزومه، وهناك طلاب وقفوا لمساندة الدكاترة وليقنعوا طلاباً آخرين.

طبعاً أنا كل أساتذتي متواضعون ورائعون ولهم هيبة كبيرة، منظرهم وهم واقفون محتجون ومعتصمون غريب هذا الأمر، ينادون على الطلاب، يتناقشون معهم، يرسلون لنا مدونات تعبر عنهم ومدى الألم الذي يعتصرهم وهم يفعلون ذلك.

دكاترة الـMachine Learning والـ Advanced Machine Learning يحتجون في البرد! فخامة المساق!

أحد فصول التجربة أن اتحاد الطلبة قرر تنظيم فعالية يحضرها الطلاب والكادر التعليمي المضرب حتى نتعلم عن الإضرابات بشكل عام ونشأتها وتطورها، وهل هي تفيد فعلاً في الضغط وهل هي ناجعة؟ فبذلك نذهب لنتثقف ولا يمر الأمر مرور الكرام.

الطلاب هنا يدفعون أموالاً كثيرة ليتعلموا، ولذلك موضوع الإضراب حدث جلل، الدكاترة المضربون قاموا بتكليفنا بمشاريع وواجبات حتى نستغل الإضراب في حلها، وعندما نرجع نكمل المحاضرات ولا يصير ضرراً فادحاً بالخطة.

أنا كإنسانة أتيت من رحم الانتفاضات والربيع العربي والإضرابات، أفهم الموضوع جيداً، وبالعكس أنا أقف مع الكادر التعليمي المضرب، والتعامل والسياق الذي حدث فيه الإضراب صراحة شيء يحترم للغاية، التخطيط المسبق واحترام الآخر واحترام الطلاب لعب على وتر حساس جداً، جعلني أحترم التجربة الحالية، وأتعلم من الإضراب دروساً كثيرة أكثر يمكن من دروس الذكاء الاصطناعي وتعليم الآلة التي “طلعت عيوني الفصل اللي فات”!

أن تكون واعياً لماذا يحدث حولك، وتعرف لماذا يحدث ذلك؟ وما رأي كل جهة؟ وما هي حقوقك؟ وما واجبك؟ وكم أنت مهم؟ ورأيك مهم لدرجة أن بإمكاننا أن نرسل بريداً إلكترونياً لرئيس الجامعة نضغط عليه، ونعلمه أننا غير راضين عن هذا الشيء.

كل هذه الدروس مهمة، وممتنة للغاية لأني أعيش هذه التجربة، وأتمنى أن تنعكس هذه التجربة في وطننا العربي، ولا يجد الطالب في يوم من الأيام محتاراً في الصباح لا يعرف هل يذهب للدوام أم لا يذهب؟ هل يوجد إضراب أم لا يوجد؟ أتمنى أن يعرف الطلاب لماذا أساتذتهم مضربون أصلاً ويكون لهم دور فاعل في دعم أي قضية عادلة تمر حولهم.

تم نشر هذا المقال على موقع منشر.

المقالة عندما يُضرب المعلمون في بلاد الإنكليز! ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com