ورد الآن

عندما تتداخل أصوات الاحتفال مع قرقعة قنابل الغاز المسيل للدموع وصفير الرصاصات إذاً أنت في غزة!

كان من المفترض أن يكون هاشم زقوت السبت 7 أبريل/نيسان بمشفاه المحلي يتطوع بالعمل كموظف بالمشفى هو عمل يأمل أن يتحول إلى وظيفة بدوام كامل مدفوعة الأجر. وبدلاً من هذا كان الشاب ذو الأربعة والعشرين عاماً مريضاً بغرفة الطوارئ بمشفى آخر بشمال قطاع غزة، مصاباً برصاص في ركبته اليسرى بعدما ألقى “حجارة صغيرة” تجاه القوات الإسرائيلية عبر الحدود شرق مخيم جباليا للاجئين حيث يعيش.

أصيب زقوت الجمعة 6 أبريل/نيسان عندما كان على بعد عشرة أمتار من السياج الحدودي، من جراء طلق ناري لقناص أثناء الاحتجاجات العارمة الأخيرة على الحدود بين إسرائيل وغزة. وأسر مُخيلته سلسلة احتجاجات “مسيرة العودة الكبرى” والتي من المقرر أن تستمر حتى يوم 15 مايو/أيار المقبل، الذي يمثل الذكرى السبعين لـ”النكبة” عندما أُجبر 700 ألف لاجئ فلسطيني على ترك منازلهم في حرب عام 1948.

العودة لأرضنا

قال زقوت، وهو يؤكد أنه “لم يكن خائفاً”، إنه كان يشارك في الاحتجاجات من أجل فكرة “العودة لأرضنا” –الموطن الذي أصبح دولة إسرائيل الآن، والذي لاذ منه أسلافنا بالفرار في 1948. لكنه قال أيضاً أنه لم يكن لينضم لاحتجاجات يوم الجمعة على الحدود إذا كان لديه وظيفة بدوام كامل.

في ظل الظروف الراهنة، فإن زقوت يعول –في خزي- على “مصروف اليد” الذي يتلقاه من والده، الشرطي السابق لدى السلطة الفلسطينية التي تقودها حركة فتح، والذي خُفّض راتبه إلى النصف كجزء من العقوبات التي فرضها الرئيس محمود عباس على قطاع غزة، والتي تهدف إلى الضغط على قادة حماس الذين يديرون القطاع. يود زقوت لو أن بإمكانه الزواج لكنه لا يستطيع تحمل نفقاته. وقال: “لدي طاقة.. لكنني أحتاج إلى شخص ما ليوظفني”.

كون زقوت عاطلاً عن العمل فإن وضعه يتطابق مع كثير من الفلسطينيين الـ491 الذين أُصيبوا أثناء الاحتجاجات الأخيرة. كان يحالفه الحظ لأنه لم يكن من بين التسعة الذين قُتِلوا، ومن ضمنهم فتى في الرابعة عشرة من عمره، وياسر مرتجى وهو صحفي فيدو فلسطيني ليس لديه انتماء سياسي قتل بالرصاص رغم ارتدائه سترة تُظهِر أنه صحفي.

كان الجرحى يعالجون إما من الإصابات الناجمة عن الرصاص، أو الإصابة بقنابل الغاز المسيل للدموع واستنشاق الغاز، في الجمعة الثانية فيما ربما يثبت حتى الآن أنه ظاهرة تاريخية: المظاهرات الحاشدة غير المسلحة الأولى في غزة منذ الانتفاضة الأولى قبل أكثر من 30 عاماً. كانت تلك الانتفاضة التي أدت آنذاك إلى التوصل إلى اتفاقية أوسلو في عام 1993 بين إسحاق رابين وياسر عرفات والتي ولَّدت كذلك الآمال الكبيرة في إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

الاحتفال في ساحة الحرب

كان المشهد، الذي تَمثل يوم الجمعة 6 أبريل/نيسان تحت أشعة الشمس الدافئة عند المناطق الحدودية حيث تجمع نحو 20 ألف فلسطيني، مزيجاً مما يشبه الاحتفال وساحة الحرب. فقد اختلطت الموسيقى مع نداءات باعة الطعام المتجولين– ويرتدي بعضهم أقنعة واقية من الغاز – لتسويق كل أنواع الغذاء بدءاً من الترمس والعصائر المثلجة وصولاً إلى شطائر الكبد البتلو.

وتداخلت أصوات الاحتفال مع قرقعة قنابل الغاز المسيل للدموع وصفير الرصاصات التي أطلقتها القوات صوب الشباب الذين يقذفونها بالحجارة والقنابل الحارقة. واندفعت الأسطوانات البيضاء لقنابل الغاز محدثة دخاناً كثيفاً أسود، تصاعد للسماء فيما سعى شبان فلسطينيون الى حجب الرؤية عن القوات الإسرائيلية عن طريق حرق عشرات الإطارات. ودوت صفارات الإنذار وأومضت الأضواء الحمراء فيما كانت سيارات الإسعاف المتمركزة على مسافة 150 متراً أو نحو ذلك من الحدود، تنقل الجرحى إلى مستشفيات وعيادات ميدانية خارج منطقة الخطر.

بدا أثناء الليلة السابقة لتلك الأحداث كما لو أن العائلات ستبقى بعيداً (ستلتزم الصمت)، إذ أثناها مقتل 17 فلسطينياً في مظاهرة يوم 30 مارس/أذار الماضي، وهو العدد الأعلى في يوم واحد منذ حرب عام 2014. ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الحافلات التي نقلت المتظاهرين إلى الحدود، كما فعلت الأسبوع السابق عندما تزامن الاحتجاج مع “يوم الأرض”، الذي يخلد ذكرى مقتل ستة من عرب إسرائيل كانوا يحتجون على استيلاء الحكومة على الأراضي الزراعية في عام 1976.

الأجداد والأطفال الصغار أيضاً

عند حدود حي الزيتون، جنوب شرق مدينة غزة، بالقرب من معبر المنطار للشاحنات الذي طال إغلاقه، حطت (سقطت) في بعض الأحيان قنابل الغاز المسيل للدموع على بعد أكثر من 300 متر من السياج. بحلول الأصيل في منطقة أبو صفية بجباليا شمال القطاع، وعلى بعد 700 متر من الحدود، انضمت العائلات التي كانت تقيم في الخيام، بما في ذلك الأجداد والأطفال الصغار، إلى المسيرة إما سيراً على الأقدام أو مستقلين المركبات، وشاهدوا الأحداث التي تكشفت في مأمن بقمة منحدر لطيف.

في البداية، قل استخدام الجيش الإسرائيلي للرصاص الحي مقارنة بالأسبوع الماضي، لكن مزيداً من الرصاص بدأ في الانطلاق مع زيادة عدد أولئك الوافدين على الحدود. حثت منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسليم” التي تتسم بالاحترام الجنود على مخالفة الأوامر الصادرة لهم بإطلاق النار على المدنيين العُزل. قال ثلاثة فقهاء أكاديميين إن إطلاق النار على متظاهرين عُزل غير قانوني في القانون الدولي.

ويدل ثبات الأعداد على أن منظمي التظاهرة يمكن أن يتمكنوا من الإبقاء على شيء من الزخم في الأسابيع المقبلة حتى الوصول إلى 15 من مايو/أيار؛ أي في اليوم الذي يسبق مباشرة اليوم الذي حدده الرئيس دونالد ترامب لتحدي التظاهرات الفلسطينية الغاضبة والإجماع الدولي من نصف قرن بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس.

قرع طبول الحرب

ووفقاً لمصدر من حماس، تجري مناقشة محاولة لتشجيع اقتحام الحدود في ذكرى النكبة؛ دون اتخاذ قرار بذلك. إن لم يكن في هذا قرعٌ لطبول الحرب، فإن الكثير يمكن أن يتوقف على رد إسرائيل، وتحديداً ما إذا كانت مستعدة لتخفيف الحصار على غزة المستمرة منذ عقد من الزمن.

وذكرت إسرائيل مراراً أن ما تصفه بـ”أعمال الشغب” موجه من حماس. ولا ريب أن المتظاهرين يتلقون دعماً قوياً من حماس، بدليل دفع تعويضات عن الإصابات وما يصل إلى ثلاثة آلاف دولارٍ أميركي لعائلات المقتولين في المظاهرات. كما أن حماس قدمت دعماً لوجيستياً كبيراً، بدءاً من تأجير المزارع لنصب خيام اعتصام، وبينها أماكن للعب الأطفال وحمامات، في كل نقطة تظاهر، ووصولاً إلى توفير رجال الشرطة للإشراف على ساحات انتظار السيارات في المواقع.

ومنحت “مسيرة العودة الكبرى” حماس، التي يتصاعد العداء لها في المنطقة، مبادرةً كانت في حاجة ماسة إليها. بيد أن هناك أسباباً عديدة تجعلنا نعتقد أن القصة لا تتوقف عند هذا الحد.

وبالرغم من أن فكرة التظاهر السلمي لم تخرج إلى النور إلا بدعم من حماس، فإن الفكرة الأصلية -المستلهمة من غاندي ومارتن لوثر كينغ- تبدو من بنات أفكار مجموعة من المفكرين الفلسطينيين الشباب وطلاب الدراسات العليا. وبذلك تكون الفكرة حظيت بإقرار جميع الفصائل، من بينها حماس وغريمتها فتح.

ومن بين أكثر الداعمين حماساً للتظاهرات عاطف أبو سيف، الذي أجبرت عائلته على مغادرة غزة عام 1948، وأكثر الروائيين الغزيين شهرة.

وقال أبو سيف -البالغ من العمر 45 عاماً- إن الأفكار الخاصة بما يسمى “حرب اللاعنف” مستقاة من “الفتيان رواد الوسوم على شبكة الإنترنت”. وأضاف: “الذاهبون إلى الحدود لا يحاولون اختراقها. وإنما التظاهرة للاحتجاج سلمياً وإخبار إسرائيل أنه بعد 70 عاماً بل وحتى مائة عام أخرى، دون إعطائنا حقوقنا التي يكفلها لنا القانون الدولي، فإنكم لن تنعموا بالسلام”.

“نعلم أننا لا نستطيع هزيمتكم. فأنتم دولة من أقوى الدول في العالم.. ولكننا نعلم أن إرادتنا قوية. إذا كانت إسرائيل تريد العيش في هذه المنطقة، فعليها عقد سلام مع الفلسطينيين”.

اليأس يلمؤهم!

لم يكن المتظاهرون ليقتنعوا بالمشاركة بتلك الأعداد لو لم يكن اليأس يملؤهم بعد 11 عاماً عانوا خلالها من ثلاث حروب دموية، وإغلاق للحدود من الجانبين المصري والإسرائيلي، وحصار إسرائيلي أنهك اقتصاد غزة. ثمة يأس من شح مياه الشرب، وانقطاع الكهرباء طوال اليوم إلا لمدة أربع ساعات، ونقص الأدوية، والتزايد المستمر في معدلات البطالة في أوساط شعب يضم أكبر نسبة متعلمين في العالم العربي؛ إذ يعاني ما يربو من 60% ممن هم دون الخامسة عشرة من البطالة.

غير أن التظاهرات الأوسع جذبت أيضاً أبناء الطبقة المتوسطة الأكثر رخاءً. وقال مستشار تكنولوجيا المعلومات جلال مرزوق البالغ من العمر 40 عاماً إنه، كأبٍ لأربعة “أطفال جمال” وزوجة تشعر بالغضب لمشاركته في التظاهرات، لا يجرؤ على الاقتراب من الحدود. وقال مرزوق إن الكثير من أقرانه “لا يرون لأنفسهم مستقبلاً ويشعرون باليأس الكامل. أنا لديَّ ما أخسره، أما هم فليس لديهم ما يخسرون”.

ويعد ثلثا أهالي غزة، بمن فيهم مرزوق، أبناء للاجئي عام 1948، ويعد تأكيد الكثير من المتظاهرين على “حق العودة” جزءاً مما يفزع الإسرائيليين. غير أن هذا يعكس الفشل على مدار ثلاثة عقود في الوصول إلى اتفاقية سلام، كان ينبغي أن تشتمل على تسوية مشرفة لمسألة اللاجئين. على الأقل هذا موقع قيادة فتح و-حتى الآن- معظم المجتمع الدولي. وسبق أن وافق عرفات عام 1988 على قبول 22% من أرض فلسطين التاريخية لإقامة الدولة عليها، حسب قول أبو سيد، “غير أنه للأسف إسرائيل تريد أن تشاركنا حتى في هذه النسبة الضئيلة”. ويرفض الكثير من وزراء حكومة نتنياهو فكرة إقامة دولة فلسطينية وإخلاء مستوطنات الضفة الغربية، المجرمة بموجب القانون الدولي.

وقال راجي الصوراني، رئيس المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وأحد رواد المجتمع المدني في غزة: “إسرائيل أعادت الصراع إلى أصوله. نحن الآن في المربع الأول”. وأضاف أن غزة كانت دائماً “تضبط إيقاع” النضال الفلسطيني من أجل الحقوق، وزعم أن جهود إسرائيل المضنية لـ “تحييد” غزة مآلها الفشل.

ويخشى الصوراني من أن تسحب إسرائيل حماس إلى حرب أخرى، بدلاً من مواجهة حالة الجمود المستمرة؛ غير أنه يؤمن أن العودة إلى النضال السلمي بعد طول تفكير يبدو وكأنه “الاختيار الصحيح للخطوة التالية” بعد أن ظل الفلسطينيون لعقد من الزمان في خانة رد الفعل ومشغولين بالانقسام بين فتح وحماس.

ووفقاً لأبي سيف فإن نتيجة الأسابيع القادمة ستتوقف على الرد السياسي ليس لإسرائيل فقط بل للمجتمع الدولي أيضاً ويلوم عليه فشله في الوقوف في وجه إسرائيل ويقول: “ما لم تكن هناك نهاية سياسية لهذا الأمر، فسيتحول إلى كارثة. الأشخاص البائسون لم يبقَ لديهم ما يخسرونه.. ولا أحد يعرف النهاية”.

المقالة عندما تتداخل أصوات الاحتفال مع قرقعة قنابل الغاز المسيل للدموع وصفير الرصاصات إذاً أنت في غزة! ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com