ورد الآن
Home » العالم اليوم » نتعاطف فنستفيد فنصبح سعداء.. ربما كنت أنت أيضاً تنتمي لـ”طائفة الطيبين”!

في صبيحة يوم ذي طقس بارد بمدينة بريستول، ربط رجل يُدعى جافين إيمري وشاحاً إلى عمود إنارة، ثم كتب على ورقٍ مُقوى عبارة تقول “لست مفقوداً”. كان ذلك في العام 2016، وكانت نسبة النوم في العراء قد ارتفعت لـ 800% في سبعة أعوام.

وألهم انخفاض درجات الحرارة مزيداً من الأشخاص ليفعلوا ما فعله جافين من خلال وضع معاطفهم حول الأشجار، ووضع القبعات فوق أعمدة حظر توقف المركبات لتوفير الدفء لأي شخص يحتاجها. بدأ ظهور الأوشحة في كورنوال، جلاسكو، لندن، وكامبريدج.

وعلى مدى هذا الشتاء الطويل الذي شهدته المملكة المتحدة، أصبح من الممكن مشاهدة مظاهر التراحم عبر تلك المقتنيات الصوفية، كما يقول تقرير نشرته the guardian.

تاريخ الإنسانية مع الطيبة

ليست الطيبة أو المنتسبون لها من الطيبين اختراعاً إنسانياً جديداً فرضته برودة الشتاء. فهي قيمة قديمة، ذكرها الفيلسوف أرسطو عندما قال “من صفات الرجل النبيل ألا يطلب المعروف، بل أن يكون مستعداً لتقديم المعروف للآخرين”.

وقال الإمبراطور الروماني الفيلسوف ماركوس أوريليوس إن الإحسان “أعظم متعة للبشرية”. ومع ذلك، فقد نظر الناس إلى الطيبة لمدة طويلة على أنها شيءٌ مشكوك فيه. فالطيبة ترتبط في الأذهان بالضعف وعدم التركيز على تحقيق الإنجاز. فهل عاد الاهتمام بهذه القيمة القديمة وتخلص الناس من ريبتهم من الغرباء؟

الطيبة في موجة عصرية

لم يعد الإحسان الآن مجرد موجة عصرية تظهر في هذا السيل من الأخبار التي تتناول البطولات اليومية، بل أصبح مربحاً أيضاً كما يقول تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، حيث تسلط الوسوم والأنشطة، عبر الإنترنت، الضوء على أفعال الإحسان البسيطة المشهودة بين صفوف العوام. بينما تجمع حملات منصة التمويل الجماعي GoFundMe، الآلاف من أجل المحتاجين.

كما تطلق صناعة النشر مصطلح “uplift” على هذا النوع الجديد من الكتب، التي تهدف إلى إظهار أفضل سجايا البشر وتعمل على تحسين الحالة العاطفية والنفسية للقراء. فبعد أعوام من الاستثمار في إصدار قصص الإثارة المظلمة، يستثمر الناشرون الآن في قصص التعاطف الإنساني والعناية بالآخرين والمشاعر الطيبة لأنها صارت رائجة ومربحة.

نبحث الآن عن “إحسان الغرباء”

في هذا السياق من المرتقب أن تنشر الروائية البريطانية كريستي واتسون كتابها الجديد “لغة الإحسان” في الثامن من مايو/أيار القادم. وتروي فيه مذكراتها أثناء عملها في التمريض، التي أشعلت حرباً ضروس من المزايدات، ومن المتوقع أن يتحول الكتاب قريباً إلى مسلسل درامي ينتجه منتجو مسلسل Poldark.

وتعليقاً على فكرة كتابها كتبت واتسون تقول “إذا كانت الطريقة التي نعامل بها الفئات الأكثر ضعفاً لدينا تعتبر مقياساً لمجتمعنا، فإن عمل التمريض نفسه مقياس لإنسانيتنا”. ومن خلال القصص التي ترويها عن تجاربها مع المرضى، تذكر الكاتبة القراء بأننا سوف نعتمد في نهاية المطاف على إحسان الغرباء.

وقبل إطلاق كتاب “الإحسان: الشيء البسيط الأكثر أهمية” (The Little Thing That Matters Most) للكاتبة جايمي ثورستون، أطلقت دار نشر هاربر كولنز حملةً تشجع على الأفعال الخيرية لأن “الإحسان ليس كتاباً ننشره وحسب، بل فرصة لتغيير السلوكيات الثقافية.. وعندما نشارك في غرس الإحسان، فإنه يثمر”، حسبما قالت كارولين ثورن، مديرة التحرير.

أما جولييت موشنز، وكيلة الأعمال الأدبية التي باعت رواية “الليدو” (The Lido) أو الملهى الشاطئي للكاتبة ليبي بيج وهي من الأصوات الجديدة في الرواية الإنكليزية مقابل مبلغ كبير من المال – وهي رواية عن صداقة بين شابة وامرأة عجوز تبلغ من العمر 86 عاماً يتعاونان في إنقاذ حمام سباحة – فتقول إن هذه القصص المليئة بالأمل، تجذب الناس في وسط سيل الأخبار التي تسبب الحزن المستمر، وهم يبحثون عن طريق للهرب إلى الخيال وإلى مزيد من الروايات المفعمة بالأمل.

البطل البسيط والعادي على الشاشة

عندما أصبح بيرس فينجر مشرفاً على قناة بي بي سي دراما في 2016، أعلن عن نيته استعادة الخفة والتسلية في صناعة الترفيه. قائلاً “أعتقد أنه يوجد قدر مؤسف من الدراما القاتمة على جميع القنوات وأحب أن أرى مزيداً من القصص الملهمة”.

وأضاف “أحب أن أرى عرض يوم الأحد يتناول البطولة وما يعنيه أن يكون المرء بطلاً”. ولا يستخدم كلمة خارق بل استخدم كما ترى الغارديان معنى البطولة التي تميل نحو الضعف الإنساني و مشاكل الناس.

يمتد السرد القصصي عن الأبطال الخيّرين إلى وسائل الإعلام أيضاً. فإذا تصفحنا صحيفة نيويورك تايمز الشهيرة سنجد عموداً منذ شهر ديسمبر يحمل اسم “الأخبار الجيدة لهذا الأسبوع” (The Week in Good News)، في الصفحة الثانية.

ظهر في هذا العمود العديد من الأخبار على شاكلة: العثور على مستعمرة كبيرة لطائر البطريق بالقرب من القارة القطبية الجنوبية، حفلة موسيقية لموسيقى سبونج بوب، دواء يمكنه تأجيل الإصابة بسرطان البروستاتا..

تفسر كاتبة العمود ديس شو قائلة “إن الهدف من هذا العمود تقديم ترياق لما يمكن أن يبدو دائرة لا نهائية من الأخبار الثقيلة”. يقدم عمودها باقة مختارة من الأخبار الجيدة، بما في ذلك القصص المعتادة عن “الناس العاديين الذين يفعلون أشياء جيدة لآخرين”.

تقول شو “نرغب في التذكير بأنه علي الرغم من الموت والفقر الذي يغمرنا، إننا لم نفقد كل شيء في هذا العالم..

هذا التوق للمزيد”. وتضيف.. “يريد الناس أخباراً جيدة. ويسعون وراءها ويبحثون عن المزيد. لقد طلب قراءنا المزيد من هذا النوع من التغطيات”. فضلاً عن أن القصص التي تحكي عن الإحسان تجذب مزيداً من الزيارات للمواقع الإخبارية.

العطف بوابة للسعادة الإنسانية

يعكس التحرك نحو الإحسان والعطف بروز السعي وراء “السعادة” في مطلع هذا العقد، عندما التقى الاهتمام السياسي بقيمة السعادة مع الدراسات الأكاديمية، ومع التوجه نحو البهجة لمساعدة الذات، وإحصاء النعم الكثيرة التي ينعم بها المرء.

يشير ويليام ديفيز في كتابه “صناعة السعادة” (The Happiness Industry) إلى أن عدداً متزايداً من الشركات وظفت حينها مديرين للسعادة، بينما امتلكت جوجل شخصاً مسؤولاً عن مساعدة الموظفين. وبعد فترة قصيرة، صارت حركة السعادة مثاراً للتساؤل. إذ أُشير إلى أن الموجة السياسية من أجل السعادة نمت بسبب تزايد مشكلة خفض مميزات الموظفين والرعاية الصحية. كما تزامنت مع تصاعد كبير في مستوى مضادات الاكتئاب التي يصفها الأطباء.

جنيات الكتب تحمل السعادة أحيانا

عربياً يمكن هنا أن نشير إلى أن ما يذكره الكاتب في كتابه وجد طريقه على الأرض في دولة الإمارات العربية المتحدة التي عينت أول وزيرة للسعادة في العالم هي عهود الرومي..

لكن في حين أن السعادة والإحسان أو العطف ترتبط ببعضها بلا شك، فإن الفرق بينها هو أن السعادة خاملة أو يمكن أن تكون فردية، لأنها تعني درجة رضا الفرد عن حياته، بينما العطف يُعتبر نشطاً واجتماعياً، يتطلب وجود الآخر ليتم.

ونستطيع أن نَعد القصص التي تتناول انتشار العطف، وغالباً بالتوازي مع تلك المتعلقة بآثار التقشف والتزمت. مثل تلك المواقف التي تجد فيها مجموعة من الأطفال يغنون أغنية “عيد ميلاد سعيد” لشخص غريب على متن القطار، بالإضافة إلى حركة “رد المعروف” التي أسستها الروائية كاترين رايد هايد مؤلفة رواية تحمل الاسم نفسه، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي من بطولة النجم كيفن سبيسي وهيلين هانت، تقوم فلسفتها على أن تقدم معروفاً لأحد الاشخاص وتطلب منه أن يرده إلى شخص آخر وليس لك، لتعم الفائدة وينتشر الخير بين الناس. وهناك أيضاً حركة “جنيات الكتب” التي تقوم على تشجيع مشاركة الكتب بعد قراءتها كهدايا تغلف وتخبأ في أي مكان ليكتشفها شخص ما بشكل عشوائي فتكون مفاجأة سارة من غريب لغريب..

ترامب ليس ملهماً للتعاطف مع الآخرين

في الولايات المتحدة وفي أعقاب قيام المعلمين بالإبلاغ عن زيادة الشعور بالقلق في الفصول الدراسية، تم إجراء دراسة استقصائية تهدف إلى اكتشاف ما يعتقده الأطفال حول مفهوم العطف أثناء حكم الرئيس ترامب. وقد وُجد أن 14% فقط “موافقون بشدة” على أن قادة أمتهم يشكلون “نموذجاً لكيفية معاملة الناس بعطف”.

لكن الباحثين أشاروا أيضاً إلى الزيادة المطردة في المهارات الاجتماعية والتعاطف في المجتمع. وبينما قال ما يقرب من ثلثي الطلاب المبحوثين إنهم تعرضوا للمضايقات في مرحلةٍ ما، قال 8 من كل 10 أطفال إنهم قاموا بأمر لطيف لطفل آخر. وقال ما يقرب من نصفهم، إنهم فعلوا ذلك “مرات عديدة”. وهو ما يبعث على الابتهاج بالفعل، بنفس القدر الذي فعلته ظاهرة الأوشحة في مدينة بريستول – ذلك النوع من الابتهاج المصحوب بالشجن.

البحث عن سجادة ينتهي بتأسيس جمعية خيرية

في عام 2013، بينما كانت جايمي ثورستون تتصفح موقعاً للأثاث المستعمل، صادفت إعلاناً ينطوي على طلب: أم عازبة تبحث عن سجادة لتغطية الأرضية المكسورة حتى لا يجرح أطفالها أقدامهم. سارعت ثورستون إلى الاتصال بها، وعلمت المزيد عن الوضع الصعب الذي عاشته.

أدى ذلك إلى قيامها بتأسيس جمعية خيرية تدعى 52 Lives، حيث يقوم الناس بترشيح “شخص بحاجة إلى العطف”، وتقوم الجمعية بما تسميه “تغيير حياة فرد محتاج” كل أسبوع عبر تقديم ما يتبرع به الناس إليه.

تقول ثورستون “نحن نعيش في عالم غريب، عالم افتراضي، مليء بالمقارنة والعزلة. فنحن نقضي وقتاً طويلاً في استخدام هواتفنا، ونتجنب التواصل الحقيقي مع الناس، وهو ما يجعلنا في نهاية المطاف نشعر بأننا أكثر تعاسةً ووحشةً. لذلك أعتقد أن الناس يبحثون عن شيء يرضي النفس. وأعتقد أن العطف يطلق العنان لشيء عميق في نفوس الناس”.

نتعاطف فنستفيد فنصبح سعداء

تقول ثورستون إن “للعطف الكثير من الفوائد. فعندما نكون عطوفين تجاه شخص ما، فإن ذلك لا يساعد ذلك الشخص فحسب، بل ثبت علمياً أن ذلك يساعد على تحسين صحتنا البدنية والعقلية أيضاً. لذا في الوقت الذي تبدو فيه معدلات الاكتئاب والقلق مرتفعةً للغاية، يمكن أن يكون العطف بمثابة ترياق شديد البساطة، ولكنه قوي وفعال”.

ومن المهم أن تتعاطف مع نفسك كما تتعاطف مع الآخرين، فعندما أصدر الطبيب النفسي الأيرلندي بادرايغ أومورين في يونيو/حزيران الماضي، كتابه Kindfulness ، وجد أن “الناس الذين يمارسون التعاطف الذاتي، وهو الشعور بالعطف تجاه النفس، يجيدون مواجهة التحديات، وأن الإدانة الذاتية هي أكثر ما يشعرنا بالخوف”.

وبدلاً من أعمال العطف العشوائية تجاه الآخرين، يركز أومورين على العطف الداخلي. ويعبر عن ذلك قائلاً “على الرغم من أنك لن تركض سباقاً ماراثونياً قبل أن تذهب إلى العمل كل يوم، أو لن تنجز جميع المهام في لائحة الأولويات بالكامل لتنال استحسان العالم بحلول الساعة 11 صباحاً، أو لن تصبح مليارديراً قبل أن تبلغ سن الخامسة والعشرين من العمر، أنت ما زلت بخير، وما زلت على ما يرام، استرخِ”. ذلك النوع من العطف إذن، يفيد الذات.

المقالة نتعاطف فنستفيد فنصبح سعداء.. ربما كنت أنت أيضاً تنتمي لـ”طائفة الطيبين”! ظهرت أولا في Arabicpost.net — عربي بوست.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com